سيرة مكان وحياة وبلاد

نسرين أكرم خوري روائية سورية من جيل جديد تشكل أثناء الحرب واكتسبت ملامحه هذه الصفة العامة في أدب جديد يختزل المعاناة السورية بطريقة لافتة، وهذا يعني أنه جيل لامس وعاش أكثر التفصيلات ألما وكارثية وهو يرى البلاد تتمزق لسنوات غير قليلة في مواجهات مسلحة متعددة النوايا والوجوه ويعيش يوميات مريرة يكتنفها الرعب والخوف من المجهول. وبالتالي شأنها شأن الكثيرين من جيل الحرب السردي الذي ينهض في سوريا اليوم ويواكب الحرب عن قرب ويتفحص سردياتها المؤلمة؛ وهو جيل نحسب أنه ليس عابرا في المشهد الأدبي السوري، كونه ولادة طبيعية لفعل الحرب ونتائجها وإفرازاتها وانعكاساتها السيكولوجية والاجتماعية وما تركته من عُقد كثيرة على المستويات الفردية والجماعية. ويقينا فالروائية الشابة نسرين خوري انعكاس سردي لتلك المساحة المأهولة بالدمار والخوف والرصاص والموت.

الجديد  وارد بدر السالم [نُشر في 01/02/2018، العدد: 37، ص(144)]

(2)

“وادي قنديل” روايتها الأولى ( بعد مجموعتها الشعرية الأولى- بجرّة حرب واحدة) وهي الرواية التي فازت بمنحة مؤسسة المورد الثقافي الإنتاجية وتبنّت طباعتها دار المتوسط – إيطاليا، أثبتت فيها نسرين أنها روائية أكثر من واعدة وأن تجربتها السردية تشي بذلك وموضوعاتها الحساسة أدارتها بعمق ودراية وبأسلوبية فيها نضج كبير وسيطرة حاذقة على الشكل الروائي الذي عبأت فيه مكونات السرد من شخصيات وزمان ومكان وحواريات بطريقة لافتة، ساعدتها اللغة المتمكنة من أن تنشئ عالما ليس فيه خيال بقدر ما فيه من واقع.

لكن جنحت فيه إلى الخيال نسبياً لتحقيق الْتماس بين الخيالي والواقعي على أن تكون حمص هي المدينة – المكان المختار لتوطيد وقائع الحرب في انعكاسات زمنين: ماض ومستقبل من دون المرور بالحاضر إلا لكونه وعاء زمنيا مكتظا بالحرب والفوضى والواقع المستحيل.

لكنه يبقى الممخضة المنتِجة للشخصيات والمواقف والأحداث التي يمكن استثمارها بطريقة فنية وهذا ما فعلته نسرين في أول تجربة روائية لها. فالحاضر الروائي مغيّب إلى حد كبير بقصدية فنية، لكنه ينتج زمنين متضادين في سيرورتهما هما الماضي والمستقبل، وكلا الزمنين يبدوان في لعبة الرواية شاخصين ويؤسسان لسردية اجتماعية قبل وبعد الحرب.

(3)

الخيالي في وادي قنديل هو المستقبل، وهو زمن افتراضي سردي حيث تذهب الكاتبة إلى عام 2029 وتعود إلى الماضي عبر مخطوطة مذكرات لكاتبة اسمها “غَيم حداد” لتكشف الكثير من حكايات المدن السورية قبل وبعد الحرب في مزاوجة بارعة لاستدراج الماضي عبر شخصياته البسيطة (مخُّول – أبو وليم – جنى الصباغ- حنان النعمة- أنس رحيم…) وهي شخصيات ستبدو هامشية في الحياة العامة، لكنها ليست هامشية في المتن الروائي كونها تثري المتن وتمدّه بالكثير من الكمال والجمال وتؤسس مذكرات الكاتبة غَيم كنسق اجتماعي لا بد منه لترسيم صورة مجتمع متعدد الأديان والطوائف واللهجات في فسيفساء سورية تاريخية، ولأنها كانت معنية بتصوير الحياة اليومية قبل الحرب وبعدها لتقديم شهادة ناضجة عن الحياة الاجتماعية عبر تلك الشخصيات البسيطة غير المؤثرة في سلوكها اليومي كهوامش تغذي الحياة.

لكن تلك الهوامش الصغيرة تشكلت مع الرواية كنسيج واحد وأغنت المتن الروائي في وادي قنديل (وهو مكان افتراضي) وفي محليّة أليفة يرى القارئ أنه يعرف مثل تلك الشخصيات قبل أن تبتلع الحرب بعضها، وقبل أن تغير الحرب يوميات الناس في حلب والشام وسائر المدن السورية. حتى وإن لم يكن يعرف وادي قنديل فهو مكان وهمي تنطلق منه العنونة مثلما تنطلق منه ثريا باحثة عن جذورها السورية وكما سيأتي.

(4)

المستقبل في الرواية هو سرد الماضي وهذه مفارقة روائية طريفة ومؤلمة في الوقت ذاته، ومثل هذه المفارقة الزمنية البعيدة كانت لها ضرورتها الفنية، حيث تعود الراوية “ثريا” إلى سوريا بحثا عن ذكرياتها القديمة التي لا يمكن أن تتذكرها؛ وهي الناجية الوحيدة (بمعجزة) من غرق مركب (في الخامسة من عمرها) فانتشلها ساحل لارنكا القبرصي وتبنتها “ماما ساتي” التي أصبحت أمها.

وتبدأ ثريا رحلتها من مكان افتراضي هو “وادي قنديل” ومن مقبرة تبدأ السردية الروائية في لحظة كابوسية تعيد إليها صلة الماضي على نحو شاحب؛ وعندما تعثر على مذكرات كاتبة سورية اسمها “غَيم حداد” تجد الكثير مما تجهله عن الحياة السورية قبل وبعد الحرب وتتعرف على شخصيات مختلفة البيئات والانتماءات، فتندمج مع تلك الحياة المغيّبة عنها وتتآلف مع جذرها السوري الذي انقطعت عنه بعد غرق المركب وهي في الخامسة من عمرها، لتتشكل فيها ذاكرتان واحدة قبرصية وأخرى سورية، وتستدرج الكاتبة بذكاء عبر مخطوطة المذكرات الكثير من الحياة اليومية السورية كأنها كتبتها لجيل ضاع أو غرق أو هاجر أو غيبته الحرب قسرا.

وتكمن أهمية الشخصيات العابرة أن الكاتبة جمعتها في مكان له خصوصية محلية مع خليط هوياتها وطوائفها الدينية ولهجاتها اليومية، لتوطيد صلاتها بالمكان وذاكرته قبل أن تمسخه الحرب وتعيد تشكيله على أسس ما بعد الحرب التي لا يعرف أحد كيف ستكون. وبذلك قدمت الكاتبة غَيم حداد شهادة صريحة على النقاء القديم الذي مثلته شخصيات هامشية في الحياة ما قبل الحرب بعفويتها وجمال أرواحها وألفتها الاجتماعية الحميمة.

(5)

تشكل المخطوطة – المذكرات ثيمة سردية مهمة كذاكرة مكان حرصت أن يبقى شاخصا على مدار الرواية بصوتين؛ الأول صوت ثريا الباحثة عن سوريتها الغريقة في لارنكا القبرصية، والثاني صوت المخطوطة الذي مثلته كاتبة سورية هي غَيم حداد التي وثقت المكان بطريقتها السلسة الممتعة وهي تتناول شرائح اجتماعية حرصت أن تكون في صدر المذكرات بإحساس كاتبة حاولت ونجحت في إبقاء الحياة السورية المحلية بين سطورها قبل أن تحرقها الحرب، في لعبة سردية دقيقة بين كاتبتين إحداهما نسرين ذات الصوت السارد الباحث عن الحقيقة الروحية والجمالية مهما كانت الظروف، والأخرى غَيم ذات الصوت المتواري خلف المذكرات ليندمج الصوتان معا في سيرة مكان وحياة وبلاد.

ومن هنا تبدأ افتراضية “وادي قنديل” في رحيل ورحيل مضاد بصورة جميلة تخلصت من المباشرة التي يلجأ إليها هواة الكتابة فانتمت إلى وقائع الحرب بشكل لكن من دون تهويل أو مغالاة، لتنتج رواية حرب متقدمة لا تسمع فيها ولا صوت رصاصة واحدة.

لكن الإيعازات السردية المتنامية داخل السرد ستعطي إشارات واضحة بأن الحرب قائمة (لولا الشرفة المهدمة والدمار..) (قبل أن أخرج صباحا، وصلنا خبر تهدم بيتنا في حلب..) (فتحت أزرار قميصي وصرخت بهم: هيا صوبوا عليّ يا أوغاد..) (لولا الحرب لكانت هذه الممرضة حلقة جميلة تكمل السلسلة..) (البرد اشتد والكهرباء مقطوعة..) (النجاة الفردية لا تكون مبررة أبدا حين تصعد درجا من جثث وأنقاض بيوت ومجاعات..).

وهكذا تمتلئ الرواية بمثل هذه الإشارات بعيدا عن لغة الحرب المباشرة لتكتسب “وادي قنديل” جماليات السرد السوري بنسقه الشبابي الجديد.


كاتب من العراق مقيم في بغداد