صرخة “أنا حُرَة”.. تحيّزات الخطاب الذكوري المُستبطَن

عندما سئلت الفنانة لبنى عبدالعزيز عما تقدّره من أعمال في مشوارها الفني، في حوار أجراه معها الصحافي المصري محمود السعدني في برنامج للتلفزيون العربي “ماسبيرو” وقتذاك، وقد كان عمرها الفني لم يتخطَ ست سنوات، ورصيدها من الأفلام السينمائية لم يتجاوز الأحد عشر فيلما، ذكرت بكثير من الفخر والاعتزاز فيلمها الذي أصبح أيقونة من كلاسيكيات السينما المصرية بلا شك “أنا حُرَّة”، معللة رأيها بأن الفيلم قدَّم صورة جديدة غير تقليدية للفتاة المصرية في طريق كفاحها نحو تحقيق الحرية والتخلص من رِبقة التقاليد والعادات الخانقة. في لقاء آخر مع إحدى القنوات الفضائية المصرية يفصل بينه وبين اللقاء الأول حوالي نصف قرن، مازالت عبدالعزيز تعتز بـ”أنا حُرَّة” ليس كونه عملا سينمائيا مبهرا إخراجيا مثلا، أو لتكامل عناصره الفنية، ولكن لما يحمله من رسائل ومعان قدمت صورة تنتصر للمرأة المصرية والمرأة في المطلق، وأن هذا الفيلم تحديدا جلب لها الكثير من الاحتفاء والتقدير محليا وعربيا.

الجديد  وفاء السعيد [نُشر في 01/03/2018، العدد: 38، ص(90)]

معلقة فيلم 'أنا حره'
وهذا تحديدا المريب في هذا الفيلم. تلك الضجة التي أثيرت حوله ومازال يثيرها، وهذا الاحتفاء الكبير الذي صاحبه، وهذا الفخر والاعتزاز الكبير الذي يشعر به صُنَّاعة، الذين رسخت في قناعاتهم أنهم يحسنون للمرأة وللمجتمع صنعا. هذا ما يجعلنا في محاولة لأن نسائله اليوم بعد انقضاء كل هذه السنوات، وما حققه، ومازال يحققه منذ أن عُرض للمرة الأولى عام 1956 وحتى اليوم. ومدى تأثيره في غرس ما أسمته عبدالعزيز، على حد تعبيرها، “صورة جديدة” للفتاة المصرية “المعاصرة” في حينها. هل قدّم الفيلم بالفعل هذه الصورة؟ ومن أي منظور؟ في رؤية مَنْ؟ وهل كان عبدالقدوس ومحفوظ وأبوسيف “تقدميين” فعلا في تصويرهم لقضية المرأة؟ وكيف انتهى بـ”أمينة” الحال بعد كفاحها وصراعها لتحقيق تلك الحُرَّية التي دائما ما تُنكر عليها.

لبنى عبدالعزيز، التي ذكرت في أكثر من مناسبة أن شخصية “أمينة” مستوحاة منها نفسها، تقول “أذكر أن الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس قال لي: أنا كتبت رواية ‘أنا حرة’ بعد أن استوحيت ملامحها وشخصية البطلة منك. فقد كان إحسان صديقا لوالدي وجارا لنا في حي غاردن سيتي، وعاصر إصراري على رفضي كلية الآداب ورغبتي في الالتحاق بالجامعة الأميركية، لأن الدارسين بها عددهم قليل وشهادتها غير معترف بها”. وأضافت عندما قدمت فيلم “أنا حرة” عام 1956 شعرت بأن الباب انفتح أمام هذه الصيحة الجميلة لحرية المرأة، ورغم ذلك كنت أحسّ أننا نخطو خطوة إلى الأمام، ثم نعود خطوات للخلف، ومازلنا في معركة التحدي للحصول علي الحرية الكاملة للمرأة”، يبدو أنها لم تراجع موقفها من الفيلم مع انقضاء الزمن، وأنها مازالت تعتز به، وأجدها معتدلة لأنها وصفته بخطوة على الطريق تم التقهقر عنها. وهذا ما يبرّر موقفها بالنسبة إليّ، دفاعها عن قصة تمثلها هي شخصيا، لكن رأيها المنحاز يفضح عدم وعيها هي نفسها بالخطاب الذكوري المستبطَن الذي ينطوي عليه العمل.

بالطبع هذا المقال ليس محاكمة لشخوص راحلين ليسوا موجودين اليوم في عالمنا ليدافعوا عن أنفسهم حول ما سوف نوجهه لهم من نقد، نحن واعون بعامل الاختلاف الزمني، ولن نحاكم عملا في الماضي بأعين زمننا الحاضر وبمفاهيم اليوم، فالسياقان باتا مختلفين أو متباعدين، مما يجعل أي نقد متجنِّ يحاكم نصا كتب أو أخرج منذ أكثر من ستين عاما بمفاهيم معاصرة سوف يكون ظلما نحاول ألا نقترفه! من قبيل لماذا فعل ولم يفعل؟، هو بالفعل أنتج نصه وتركه لنا لنتناقش في ماذا فعل؟ وكيف فعله؟ وبأي وجهة نظر صاغه؟ من الجيد أن يعيد الإنسان التفكير فيما كان يقال له، وأن يتأمله، ويفحصه بعينٍ جديدة تفككه وتكشفه من داخله، هو نفسه، لا برؤية جاهزة مفروضة عليه من خارجه.

حرية المرأة من منظور المبدع الرجل

من الخطير أن تصنع فيلما عن المرأة ولم يشترك في فريق كتابته أو إخراجه اسما نسائيا واحدا، فالأمر كله يصبح بيد المبدع الرجل، بما في ذلك اختياراته الفنية، طريقة التصوير، وما سوف يبرزه في المركز وما سوف يقصيه مزويا في الهامش من حكايته. نجد أنفسنا أمام شريط ذكوري بحت ابتداء من كاتب القصة عبدالقدوس، مرورا بكاتب السيناريو نجيب محفوظ، وكاتب الحوار السيد بدير، والمنتج رمسيس نجيب، الذي كان مسيحي الديانة واضطر إلى التخلي عن عقيدته للزواج ببطلة الفيلم لبنى عبدالعزيز زواجا شرعيا يرضى عنه المجتمع، وأخيرا المخرج صلاح أبوسيف والذي يلقبه البعض برائد الواقعية في سينما المصرية.

واليوم عندما تتصدر مخرجة شابة لصنع فيلمها الأول، تجد في جمهور السائلين من يبرز موجّها لها سؤالا في نبرة تحدِ ظاهرة، لماذا لم تصنعي فيلمك عن “قضية المرأة”؟ كمّ المخرجين الذكور الذين تناولوا المرأة في أعمالهم في تاريخ السينما المصرية كله لا يُعد، ومع ذلك لم يجدوا مَنْ يتصدى لهم ليسألهم لماذا تناولتم قضايا المرأة في أفلامكم، بل إنهم يتلقون أعمالهم تلك بالاحتفاء والتهنئة والابتهال، كأنه تنازل ونزل من عليائه الذكورية ليتصدى بقلبه الأبوي الرحيم لقضايا الجنس الضعيف الناعم المقهور، فتعلو أسهم أرصدته كمثقف رجل يتبنى قضية المرأة المهضوم حقها يا وِلداه.

وتعلق سلمى الطرزي، مخرجة شابة على الاختيارات الفنية للمخرجين الرجال ومتلقيها فتقول، “لا أظن أحدهم سأل مخرجا ذكرا سؤالا صيغته: “لماذا لم تختر موضوعا يخص ‘قضايا الرجال؟’ والسبب بسيط، فلا شيء محددا اسمه ‘قضايا للرجال’، لأن الأبوية تقوم على كون الذكر القاعدة العامة، بينما الأنثى (وكل المنتمين لهويات جندرية غير معيارية) هي الاستثناء، المرأة هي الآخر، وبالتالي تتمركز النظرة لهذه المرأة، هذا الآخر، حول اختلافها عن القاعدة العامة، اختلافها عن الذكر وعلاقتها به. بمعنى آخر، وحسب المصطلح الفرويدي البغيض ‘غياب العضو التناسلي’، فإن العضو التناسلي هو المعيار الأساسي الذي يُصنَّف البشر بناء على وجوده أو غيابه”.

ثنائية البطل/الضحية

إحسان عبدالقدوس

يحيلنا هذا إلى ثنائية البطل/ الضحية ما قدمه أبوسيف ورفاقه في شريطهم لا يعدو كونه استكمالا وامتدادا طبيعيا للخطاب التنويري الحداثي الذي بدأ مع قاسم أمين والذي أخذ على عاتقه أن يتحدث باسم المرأة أن يكون صوتها المكتوم خلف أسوار القهر العالية، وأن يتبنى هو بكرمه الذكوري “قضيتها”، بسبب عقله المتفتح المتأثر باختلاطه بالثقافة الأوروبية كأنه اكتشف فجأة بفضل سفره ورؤيته لنماذج النساء الأجنبيات، أن بجانبه كائنا اسمه “المرأة” يعيش مُهمشا مقهورا متاعا للرجال وخادمة لهم شأنها في ذلك شأن أي أقلية عرقية أو دينية.

كان يربط هذا الخطاب التنويري نفسه دائما بخطاب وطني ذكوري يضع الوطن والرجل في مركزه. فالمرأة هي نصف المجتمع، وهي التي تربي نصفه الآخر، فإذا ما أردنا أن نحرّر الأمة علينا أن نحرر المرأة، وأن تترك للجواري اللاتي يقبعن في بيوت أزواجهن فسحة من الحرية للتعلم الأوليّ، ليس معاذ الله أن ترتقي في مراتب الدراسة لتصل إلى ما هو أبعد من مبادئ القراءة والكتابة والحساب، فقط نذر يسير لكي تربي وتعد الرجل الذي سيقود مهمة الدفاع عن الوطن والحرية.

وبالرغم من هذه الدعوة البسيطة لتعليم المرأة، وتركها سافرة بلا يشمك أو برقع يغطي وجهها، أقامت الدنيا ولم تقعدها حتى اليوم، ونال صاحب الدعوة على إثرها ما ناله من هجوم وسب يلاحق اسمه حتى اليوم.

نظرية الضحية كما هي معروفة في مراجع الدراسات الأنثروبولوجية تتلخص في كون الضحية بالطبع “ناقصة” دائما، فهي بذلك في حاجة إلى مَنْ يمثلها، وبما أنها “ضعيفة” أيضا دائما، فهي بحاجة إلى حماية الطرف الأقوى في تلك العلاقة الشائهة. وبذلك ترتسم شبكة من علاقات القوة، يظهر فيها ذلك “البطل” المنقذ في صورة الرحيم المدافع، يبالغ في حنوه إذا كان مبدعا يقرر أن يخرج فيلما أو يكتب نصا يبرز فيه ما لا تستطيع المرأة أن تقوله بنفسها. وهذا نفسه ما كانت تراه أمينة في عباس تنظر له بمشاعر ملتبسة، تخشى على حريتها منه، وتنظر له بإكبار وإجلال وتقديس لجديته وهالة الهيبة التي يحيط نفسه بها منذ كان طالبا صغيرا، وتلتمس في شخصيته حصنا آمنا، وحضنا رحيما يكفي أن تلقي بنفسها بين ذراعيه لتشعر أنها في أمان. ولا يدري هذا المبدع أن خطابه المشبّع واعيا أو لا واع بأيديولوجيته التقليدية وثقافته التي لا يستطيع الفرار منها مهما ادّعى “البطولة” يفضحه ويكشف تحيّزاته. وهذا ما يجعلنا نسائل حدود الجرأة التي استطاع أن يتخطاها الفيلم الذي من المفترض أنه تجاوز حدود الخطاب “الأميني” (نسبة إلى قاسم بك أمين) زمنيا حتى نستطيع فعلا وصفه بالتقدمي، أو أنه غيّر شيئا في العقلية السائدة والصورة النمطية عن دور المرأة في المجتمع، هل خرج هذا الفيلم عن حظيرة الخطاب التقليدي أم عاد وأعاد “أمينة” – التي باتت هنا رمزا يشير إلى المرأة بوجه عام- إليها رغم كل ما حققته من إنجازات؟

أمينة “سي” السيد/عباس سيان

“أمينة” عبدالقدوس لا تعدو كونها طبعة جديدة أكثر حداثة من “أمينة” نجيب محفوظ، فمع تعاقب الزمن لم يتغير أي شيء مما هو متوقع منها. بل أجد أن هذا الفيلم والنص الروائي في آن بمثابة إهانة واضحة لكل ما حققته المرأة في طريق حريتها من إنجازات فصلت بينها وبين دعوات الحرية الأولى زمن قاسم أمين، وبفضل حركة نسوية مصرية قادتها السيدة هدى شعراوي. صحيح أنها كانت حركة طبقية نهضت على أيدي نساء الأرستقراطيات من طبقة الكبراء والأعيان، وهنا جانب آخر للقوة الاقتصادية من مكانة تجعل مجتمع الرجال يصمت عن صالون ثقافي لأميرة تستقبل فيه رجالا من المفكرين، أو لا يستطيع أن ينتقد بلهجة حادة أو يهاجم بضراوة ما تفعله سيدة مجتمع بفضل مكانتها المادية والاعتبارية ونسبتها لعائلة فلان باشا، فيحميها من الذكور الآخرين إما ثروة وإما ذكر صاحب مكانة تعيش في كنفه!، لكنها حققت مكاسب حقيقية لا تنكر على الأقل في المجال الخيري والاجتماعي والأنشطة الرياضية والفنية التي كانت محرّمة على المرأة وقتذاك تحريما قاطعا.

أمينة زوجة “سي السيد” كانت تجلس تحت قدميه تغسلهما له بعد عودته من سهرة عتيدة تعرف أنه يخونها فيها مع كل صنوف النساء، وتحمد له كرمه أنه لم يتزوج عليها رغم ولعه بالجنس اللطيف كأبيه وكابنه ياسين الذي سيكمل مسيرته من بعده. كانت حبيسة بيتها الذي حُملت إليه عروسا صغيرة قاصرا ولم تخرج منه أبدا إلا مع سي السيد لتزور أمها زيارات خاطفة متباعدة. ليست مثقفة سياسيا، وقد كانت السياسة والدبلوماسية وتقلد المناصب الحكومية والبرلمانية حِكرا على الرجال من دون النساء، والأثرياء من دون الفقراء، لا تدري من أمر البلاد شيئا، ولا يصلها من أخبار سياسة الدولة سوى ما يتبسط السيد أحمد عبدالجواد كرما منه أيضا في إلقائه على مسامعها وعلى إثر انتشائه بالخمر، وإن كان في وعيه ما حدّثها في تلك الشؤون قط. بلغ جهلها السياسي حد أن استوى لديها المصري والمحتل الإنكليزي لا تدري لماذا عليها أن تكرهه ولا تشعر ببغض للمحتل لأنه محتل أو لأنها تعرف قضية وطنها فقط لأن ابنها فهمي العزيز عليها يكرههم، تلك هي صورة المرأة الساذجة التي عوقبت بالطلاق عندما شطّت بأمنياتها إلى أبعد مما هو مرسوم لها وقررت أن تخرج لتزور مقام سيدنا الحسين، فتعرضت لحادث سير لأنها لم تكن تفقه المشي في الشوارع التي لا تعرفها، المرأة ربة المنزل، وأم العيال، التي تسعى لتسمين بناتها بما كان يسمى بـ”البلابيع السحرية” التي تجلب من العطار لإعدادهن للزواج عندما كانت السمنة معيار جمال الأنثى، والتي تحددها معايير ذكورية سلطوية بمرور الزمن بين السمنة والنحافة، صورة المرأة يشكلها الرجل وهي تسعى لتلبية الصورة التي يرسمها لها إرضاء له. كذلك كانت تحمل بناتها بأعباء الواجبات المنزلية كي يصبحن “سيدات بيوت” ماهرات، أمينة المسكينة التي لا تجلس بين يدي زوجها إلا وهي خافضة العينين ولا تخاطبه إلا بسيدي.

هل هذا الهوان تغيّر مع “أمينة” عبدالقدوس سنة 1956 زمن إنتاج الفيلم؟.. المرأة في ذلك الزمن صوّرها الفيلم تسعى للعريس، وما تتعلمه من فنون العزف والرقص والغناء ضرورة من لوازم تربية الفتيات وإعدادهن للزواج. باستثناء النقد الموجه لنساء الحي اللائي تلكن بألسنتهن سير الناس في عادة قبيحة مزمومة توارثناها جيلا بعد جيل، قدَّم الفيلم نفس الخطاب تكرر في صورة العمة، وفي النص الروائي شعرت أمينة بمشاعر ملتبسة تجاه أمّها التي كانت ضعيفة مستسلمة بحاجة لمن يعولها؛ ولذلك تركت ابنتها لعمتها تربيها لتبحث لها بعد الطلاق عن زوج يتولاها بعنايته وبإنفاقه، فالرجال قوّامون على النساء بما أنفقوا بالطبع، أما محاولاتها لأن تدرس وتكسب قوتها هي عبودية لصاحب العمل، أما عبوديتها لزوجها أو حبيبها فهي عبودية محبّبة بإرادتها لأن عذرها أنها تحب! يا لها من حرية نالتها المرأة.. ويا له من منطق أعوج إن قبلناه من منظور أيديولوجي، لفظناه من وجهة نظر جندرية. أيّ هراء هذا. ما الذي اختلف عن تلك الصورة المهينة سوى أن أمينة وصلت في المراحل التعليمية إلى التوجيهية وطمحت بسوء أدبها إلى أن تزامل الشباب في الجامعة، ثم تجد وظيفة. وأنها بسبب ظروف نشأتها المعقدة وانفصال والديها وتربيتها كاليتيمة في منزل عمتها أوغرت صدرها وأورثتها عنادا وصلابة كأنها حاقدة على العالم، فهي في تحليل إحسان للشخصية فتاة معقدة أصبحت عنيدة من أجل العناد والمعارضة والانتصار لنفسها الجريحة. هذه الخلفية النفسية في تاريخ الشخصية اختزلها الفيلم، لكنها فضحت في الرواية أسباب توق أمينة غير المعلنة للحرية التي لا تدري بماذا تفعل بها، إنه تحد أكثر منه حرية.

من الخطير أن تصنع فيلما عن المرأة ولم يشترك في فريق كتابته أو إخراجه اسما نسائيا واحدا، فالأمر كله يصبح بيد المبدع الرجل، بما في ذلك اختياراته الفنية، طريقة التصوير، وما سوف يبرزه في المركز وما سوف يقصيه مزويا في الهامش من حكايته

كما أنها تماثلت نفسيا مع صورة الأب ذلك الطيف الذي أحبته من بعيد كأنه الطائر المحلق، كان حُرّا لا يعرف تحمل المسؤولية، فأعجبت به وأرادت أن تكون مثله. فظهرت أمينة في ثوب “الاسترجال” كأنها بتمردها تريد أن تناطح الرجل وتقتنص منه مكانه!، لا صيحة حرية حقيقية أصيلة تنبع من ذات مظلومة تخوض معركتها على أرض صلبة ثابتة ضد طغيان جنس يضعها دائما في الهامش ويختزلها في الجنس وتربية الأطفال. فتشعر معها في النصيْن بأنها تقف على رمال متحركة وأنك تغوص معها في تشتّت ذهنها وحيرتها. ولم يذكر الفيلم حادث التحرش الجنسي الذي تعرضت له هي طفلة في العاشرة من عمرها وذكرته الرواية، فأثّر فيها وأصبحت تشمئز من الجنس الآخر بصفة عامة، وأصبحت باردة معه.

كذلك الوصف الإيروتيكي الصارخ الذي بالغ إحسان فيه في مواضع عديدة من الرواية، يمثل صورة مهينة أخرى تصور إلى أيّ حد لا يرى الرجل من المرأة التي أمامه سوى عودها ونهديها وشفتيها، وأنها مادة استعمالية، جسد، مثار فتنة لكل شباب ورجال الحي. حتى شخصية الرجل الذي أراد خطبتها في الفيلم اعترض على ما يظهره فستانها المفتوح من مساحات في جسدها!، فجسد المرأة واقع تماما تحت سلطة الرجل، مساحات التغطية والتعرية، يتحكم فيما يستطيع التسامح معه وفيما لا يقبله! إحسان جعل من أمينة نفسها في مواضع أخرى كائنا شهوانيا، ملّ حريته “المزعومة” فبماذا فعلت بالتعليم والعمل؟ لم تجنِ سوى التقلب في فراشها مع خيالاتها، تمردت على الزواج لكنها وهبت نفسها لقبلات عابرة لا تتجاوز الحد ولم تتخطَ سقف فقدان العذرية. تريد رجلا لتكتمل به أنوثتها التي أهدرها طول استرجالها.. وأنها لم تحسّ بحرارة جسدها سوى بين ذراعي “عباس″ صورة البطل المُخلِّص الذي أسلمت جسدها له وتماهت معه وذابت تماما فيه كأنه لا وجود لها بجانبه.

فدائما لا بد من “عباس″ ينهي حيرة “أمينة” ويجذبها إليه من ظلمة ضلالها.. جلوسها تحت قدميه لمساعدته في ارتداء الحذاء هو ما سيحررها! فقد ذكر في الرواية جملة واضحة “لن يملأ هذا الفراغ إلا رجل”.. هو الذي يمثل المرجعية، والمثل، رمز الثقافة، والاطلاع والثورة، كل وجوه الثائرين وجهه كما ذكرت الرواية أيضا، وهو القائد والمعلم في مشهدين بينهما مونتاج متواز بينما أمينة تلهو على البيانو مع ابن عمتها المحروم من العزف على الفيولينا لتحكمات سلطة أبوية أيضا، يصنع عباس المجد، يجتمع مع مجموعة من زملائه يخططون لمظاهرة أو عمل ثوري، واستخدام المونتاج المتوازي هنا أحدث مفارقة أو تضادا بصريا يبرز المعنى ويوضحه بين العبث والجد، الثورة الزائفة التي لا داعي لها على التقاليد والثورة الحقيقية التي فيها خلاص الوطن. وفي وصفه للقائها بعباس بعد أن فصلت بينهما أعوام كان يصف لهجة جمله الحوارية في النص وهو يوجه لها خطابه الذي يفكك دعوتها بأنها نالت بكفاحها حريتها ويتهكم على عقلها ومعتقداتها ويفنّدها لها ثم يسحقها سحقا كما ظهر في الفيلم أيضا بـ”قال كأنه يلقي خطابا سياسيا.. قال كأنه يعطي درسا..”، وكأن الراوي العليم الذي يأخذ من الإله صفة المطلع على ضمائر ونفوس شخوصه، كان هو نفسه إحسان عبدالقدوس الذي وضع أمينة طول الرواية في مقعد الطلاب الدراسي وألقى عليها محاضرة طويلة تضمنت أفكاره هو الذاتية جدا ومفهومه الخاص جدا عمّا تعنيه حرية المرأة في مجتمع شرقي.

للنص عتبات ونستطيع أن نلج في تحليل الشريط منذ بداياته الأولى التي تبدأ أولا بالعنوان، “أنا حُرَّة”، استخدام ضمير المتكلم الذي يتوجه بخطابه لجمهور مُتخيل مُفتَرض، فنبرة المواجهة نجدها مبكرة جدا. يبدأ الفيلم باللافتة نفسها التي بدأ بها النص الروائي، اعتاد عليها قُراء عبدالقدوس الذي يقدم مقولة مُلَخِصة لأفكاره في النص في بدايته، وكانت مقولة صادمة “ليس هناك شيء اسمه الحرية، وأكثرنا حرية هو عبد للمبادئ التي يؤمن بها، وللغرض الذي يسعى إليه. إننا نطالب بالحرية لنضعها في خدمة أغراضنا.. وقبل أن تطالب بحريتك اسأل نفسك: لأي غرض ستهبها؟ من الجليّ أن ليس عباس وحده من يلقي دروسا”.

الانسلاخ الحضاري من الهُوية الشرقية

الفيلم وكذلك الرواية، كانت أشبه بتقرير أو بحث أمينة المتواصل عن معنى الحرية. وقد أقر عبدالقدوس نفسه في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه، بأن أسلوبه الصحافي كان يطغى على أسلوبه الروائي، وأنه إذا ما أراد كتابة أرائه هو نفسه في مقالة مطولة وضعها في قالب رواية وراح يبث فيها عن كل ما يريد أن يطرحه من آرائه الشخصية. هذا ليس جرما في حد ذاته، الجريمة أنه يقول في مقدمة الطبعة الأولى من نفس الكتاب إنه يقدم حقيقة الإنسان، وتلك هي الحقيقة. أجد في ذلك غرورا ذكوريا جليّا، كأنه يملك مفاتيح الحقيقة المطلقة وكأنه هو الذي سيلقّن المرأة درسا عن ماهية الحرية؟ وكيف تكونين حرّة؟ أشبه بكتالوج أو الدليل العملي لحرية المرأة. هذا الأسلوب السخيف الذي وضع المجتمع حتى اليوم في أزمات حقيقية لم يتجاوزها منذ عهد قاسم أمين مرورا بالأمينتين الأولى زوجة “سي” السيد، والثانية رفيقة “سي” عباس.

ففي رحلة البحث هذه، لا تعدو أمينة أن تكون سوى رجع صدى لكل ما يقال عليها ويُردد على مسامعها ويُلقى في جعبتها عن معاني الحرية، وكيف تصل إليها. ففي مشهد تسمع من “فيكي” صديقتها اليهودية أن عليها أن تستمر في دراستها وتعمل وتكسب قوتها لتكون حرة، تعود في المشهد الذي يليه لتردد كأنها ببغاء بطريقة آلية نفس الحوار لابن عمتها. وفي كل ما تفعله تخلص لمعنى عن الحرية تستقيه من الآخرين لا ينبع من ذاتها. كأنها نفس حائرة تائهة، شاردة ضالة. كما أنها تمردت على تقاليد المجتمع إلى حدود الخروج والوقوف في البلكونة والرقص، مرافقة شباب وفتيات حي الظاهر اليهود.

والجدير بالذكر أن إحسان عبدالقدوس، كما أبوسيف في الفيلم، أظهر احتقارا مستبطنا لتلك النزعة، فلكي تتحرر أمينة من تقاليد أسرتها وحيّها السكني، كان عليها أن ترتكب جرما مزدوجا، أن تنبذ الدين والتديّن أولا، ثم تنخرط في الثقافة الأجنبية وتنبذ الثقافة الشرقية. ولماذا لا تكون سيدة شرقية وحُرَّة؟ نبرة إظهار الشذوذ عن العادات كانت مرتفعة جدا في النصين، الفيلم والرواية. فميولها للتحدث بلغة أجنبية كي تجد حرية أخرى في رحابة انتقاء اللفظ الذي تريد أن تنطق به ويكون محرما النطق به في لغتها، والاتجاه للدراسة في الجامعة الأميركية لا المصرية وتشبعها بالثقافة الأميركية التي ذكر في النص أنها “تصون الحرية من التقاليد الشرقية العتيقة”، وفي أول يوم دراسي لها هناك يصفها أنها تحررت من الثقافة الشرقية التي مازالت تسدل على وجهها برقع الحياء. أي أن الحياء “برقع شرقي” يغيب عن الفتاة التي انسلخت عن جذورها وراحت تلقي بنفسها في أحضان حضارة وثقافة غريبة علينا، وتولع برقصاتها وموسيقاها التي تهكم عليها إحسان وشبهها بشخير النائم، رغم أنها مسألة أذواق في نهاية الأمر.

آمال زايد

هذا الانسلاخ الذي بدأ معها مبكرا بمخالطة اليهود الذين يشربون الخمر، ويقبّلون بعضهم بعضا، كأن “الرجلين” عبدالقدوس وأبوسيف، يشيران بفزّاعة للمجتمع بأن هذه ليست هي الحرية؟ وللبنت: هل تريدين حريتك؟ هذا يعني أنكِ تسهرين وتشربين ويقبلك الشباب، وأنك تتأخرين لتجدي رجالا يتحرشون بكِ!، وأن تلك ثقافة غريبة علينا. ألم يجلب التنويريون أنفسهم أفكارهم عن المرأة من هذه الثقافات؟

إن محكمة الضمير تلك التي تتخلل الشريط في لحظات، كلما أتت أمينة تصرفا يبدو طبيعيا لإنسانة لا تريد من أحد أن يتدخل في تصرفاتها، يؤنبها صوت رخيم جليل كأنه الإله في عليائه وهو صوت “رجل” يحاسبها ويوبخها أحيانا ويهزأ بتصرفاتها ويحذرها من عواقبها ويتركها في لاوعيها تتمزق وتبكي ويعلو بكاؤها.. لماذا لا يكون صوت أمينة الداخلي صوتها هي نفسها أو حتى صوت امرأة؟ لماذا صوت العقل والضمير رجلا؟.. أليس هذا اختيارا فنيا من مبدعي العمل يحق لنا مساءلته، ويكشف لنا لمحة من نزعتهم الذكورية.

نهاية حرية المرأة

هنا تأتي مسألة النهاية التي اختلفت بين النص الروائي والفيلم. ففي نهاية الرواية كل ما يفعله إحسان هو أن يثور العاشقان على مؤسسة الزواج التقليدية وأن يتساكنا أو يتعاشرا لمدة ثمانِي سنوات دون زواج. لكن أمينة تتخلى تماما عن نفسها، لتصبح سيدة المنزل التي كانت لا تريد أن تكونها، فالرجل الأناني بطبعه لكي يتفرغ لقضية التحرر والثورة، على المرأة أن تضحي بنفسها في سبيله، خطاب “تيمور” لشفيقة في الزمن الحديث. بل أحبت المطبخ وشعرت بأنه مكانها على حد وصفه في الرواية، وأنها ندمت على سنوات عمرها التي قضتها في التعليم والعمل – ولم تقضهِا في المطبخ بالطبع- وتشعر اليوم بأنها لو كانت قد قابلت عباس قبل معركة استكمال دراستها الجامعية ما كانت أكملتها.. أصبحت تكنس وتنظف وتعد له ملابسه وتلخص له كتبه وتتولى مصروف بيته ولا تريد سوى ما يريد ولا تفعل شيئا يخالف إرادته، لقد وجدت سعادتها في الحب وفي إيمانها بهذا “الرجل”، هي تخدمه في منزله وهو يتولى عنها مهمة الكتابة، والسجن، والثورة ويجلب للوطن حريته نيابة عنها. فهل هذا خطاب تقدمي يناصر المرأة ويذود عن حقوقها حقا؟

“عباس″ رجل تقليدي جدا، شرقي جدا، تصوراته عن دور المرأة في حياة الرجل ليست سوى منظور تقليدي، كل ما أدخله من تطور عليه أنه وهبها شرف أن تخدمه وهو يكافح من أجل الوطن، فيصبح كفاحه كفاحها كما قالت أمينة في الرواية إنها لم تعد تريد أن تفعل يكفي أن عباس يفعل! تخضع له في نهاية الأمر وتركع تحت قدميه بنفس الطريقة التي تجلس بها عمتها تحت قدمي زوجها. ومن ثم لا فكاك من العبودية كما وصل الفيلم لتلك النتيجة وألقى بها في وجه المتفرج، لقد أجلستك في مقعدك ساعتين إلا ربع الساعة تشاهد فتاة عنيدة بلا طائل، اكتشفت خطأها بعد أن وجدت الرجل الذي يشكمها مع إضافة بسيطة أنها تحبه فستقبل أن تفني كيانها في كيانه.

لا مفر من أن يبدأ الفيلم/ النص بأمينة ساخطة ناقمة على صورة عمتها المستسلمة لطغيان الزوج وتحكماته، تشمئز من جلوسها تحت قدميه تنظف له الحذاء وينهرها وهي في وضع أدنى منه، ثم ينتهي الفيلم بأن تفقد شخصيتها وأن تذوب تماما في شخصية عباس، وأن تجلس هي الأخرى تحت قدميه تساعده على ارتداء حذائه. وكما ذكر النص “تصبح أمينة صورة مهذبة من عمتها”.. النص الروائي الذي يستفيض في السخرية من أمينة ومن الحرية التي تسعى إليها.

وهذا يتكرر مع إحسان بكل أسف في قصته القصيرة “النظارة السوداء” والتي أيضا يحاكم فيها صورة نمطية للمرأة العابثة اللاهية ولا بد من رجل صارم حاد الملامح قوي الشكيمة كأحمد مظهر أو شكري سرحان مع أمينة ليتولى مهمة كبح جماحها وترويضها وأن يزيل الحجاب الأسود الكثيف من على عينيها وأن يريها الطريق ويأخذ بيدها من ضلالها ويردها إلى جادة الصواب. أي استهزاء أكثر من ذلك بالمرأة ككيان حر واع عاقل يستطيع أن يحدد خياراته بنفسه بعيدا عمّا يقرره لها الرجال الأقوياء رموز القوة والرحمة؟

لم يخرج خطاب أبوسيف في الفيلم عن هذا الإطار الذي كان في نظري ليس سوى دعاية أيديولوجية رخيصة وبغيضة للنظام الناصري، الذي يروّج لمجانية التعليم والمساواة للجميع، وحرية المرأة في العمل والخروج لبناء المجتمع، ولكن “بحدود” وشروط حتى لا تتمادى في تصديق نفسها، ففي النهاية على أمينة الركوع تحت قدمي سيدها “سي” السيد/عباس، والنهاية الشرعية التي اختلفت عن نهاية الرواية التي في رأيي الشيء الوحيد الثوري في هذا النص الرجعي! لكن لم يرد بها لا المخرج ولا فريق رجاله غير الصداميين أن يصطدموا بها مع المجتمع فآثروا السلامة وزوّجوا أمينة من عباس في السجن بعد أن قبض عليهما وبحوزتهما منشورات محرّضة على النظام الملكي الفاروقي ويا لعجب الأقدار يحرر المأذون العقد قبل قيام انقلاب يوليو 1952 بثلاثة أيام، لتكون بذلك النهاية السعيدة. نهاية حرية المرأة.


باحثة من مصر