سينما المرأة في مصر: بين المصطلح وواقع الإنتاج

من الصعب -وغالبا إلى حد الاستحالة- أن يأتي ذكر السينما دون الإشارة إلى علاقتها بالمرأة أو علاقة المرأة بها، فالقاعدة في تناول العلاقات الإنسانية بين أعضاء الجنس البشري هي علاقة المرأة بالرجل أو الرجل بالمرأة (فالأمر سيان) ثم تأتي العلاقات الإنسانية بين طرفين من الجنس ذاته – أنثيين أو ذكرين – على سبيل الاستثناء، مهما بدا هذا الاستثناء لافتا للانتباه. ومع ذلك فإنه من اللافت للانتباه أنه بينما يتوفر مرجع في بحوث النقد السينمائي يحمل عنوانا باسم “الرجل على الشاشة” (ستيفن كوهان، آنا راي هارل: الرجل على الشاشة، إعداد وتحرير وترجمة عصام زكريا القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2005)، لم يصادف الباحث مرجعا يحمل عنوان “المرأة على الشاشة”، وإنما يأتي البحث في “سينما المرأة” أو “السينما النسوية” ضمن مراجع تتناول موضوعات أخرى في مجال النقد السينمائي.

الجديد  ناجي فوزي [نُشر في 01/03/2018، العدد: 38، ص(96)]

يسرا بطلة فيلم 'كلام الليل'
وإذ تهتم السينما المصرية بتقديم شخصية المرأة في صورتها النضالية (في شتى الميادين والمجالات) بما يثبت قيمة الذات الأنثوية باعتبارها صنوا للذات الذكورية في جانب ملحوظ من الإنتاج السينمائي في مصر، فإنها كثيرا ما تتناول نضال المرأة في دفاعها عن حقها في حرية اختيار شريك حياتها، كما تتناول نضالها في ميادين أخرى متعددة، تتجاوز فيها ذاتها المحدودة إلى كل أنشطة الحياة الأكثر رحابة، بدءا من نضالها الأسري كزوجة وكأم وربة بيت مسؤولة عن إدارته، ومرورا بنضالها السياسي الوطني ضد الاستبداد من الداخل أو الاحتلال الأجنبي من الخارج، ومقاومتها للفساد في صوره المختلفة، وفضلا عن ذلك كلّه ما تبذله من كفاح مستمر من أجل إثبات ذات كينونتها المتميزة علما وعملا، بل إنها لا تفتأ أن تدافع عن كينونتها القانونية ذاتها في مواجهة ما يمكن أن يفرّق به القانون تفرقة جائرة بين المرأة والرجل، لصالح هذا الأخير، وفي أغلب الأحوال تنتصر السينما المصرية للمرأة المنكسرة، دفاعا من الأفلام عن حق المرأة في الحياة الكريمة في كل وجوهها، ويظهر كل ما سبق في عدد غير قليل من الأفلام التي تنحو في بعضها إلى الطابع الرومانسي، وفي بعضها الآخر إلى الطابع الفكاهي، فضلا عن بعض الأفلام التي تميل إلى الواقعية الصارمة، ومع أن الكثير من هذه الأفلام تميل إلى الطابع الميلودرامي، إلا أن أغلبها ينتظم في مصفوفة طويلة متماسكة تؤكد على صفة المرأة المناضلة.

فإذا ما سلمنا بأن للسينما المصرية دورا مهمّا في تقديم الصورة النضالية للمرأة، فيكون من المهم أن نتابع دور المرأة كصانعة للأفلام في مصر، وخصوصا من خلال التقويم النقدي للظاهرة السينمائية النسوية في مصر والمعروفة باسم “سينما إيناس الدغيدي”، ومدى علاقتها بالمحتوى البحثي الخاص بمصطلح “سينما المرأة”.

1- المصطلح

ومع أن وجود المرأة في الأفلام يرجع إلى تاريخ انتشار الأفلام ذاته، وخصوصا الأفلام الروائية، إلا أن الوصول إلى مصطلح مثل “سينما المرأة” (féministe film) أو “السينما النسوية”، لم يكن مصاحبا لذلك التاريخ، ولا لاحقا له وإن بعد فترة قصيرة، بل إننا نستطيع أن نلاحظ أن باحثا في “أنواع الفيلم الأميركي”، وهو ستانلي ج. سولومون، يرى أن البحث في موضوع “صورة المرأة في السينما” لا يعني أن هناك نوعا فيلميا أو جنسا فيلميا اسمه “سينما المرأة” يمكن أن يدرج في مصفوفة تصنيفه النوعي للفيلم الأميركي، الذي يحصره في ستة أجناس ليس من بينها “فيلم المرأة”، فهو يرى أن هناك عددا من أنماط التصنيفات الفيلمية قد شاعت في الكتابات النقدية (في عقد السبعينات من القرن العشرين) وهو يطلق عليها اسم “الأنواع المفهومية” (conceptuel genres) باعتبارها أنواعا تنشأ عند تحديد موضوع أو نقاش أيديولوجي يتكرر في مجموعة من الأفلام، وتدليلا على ذلك يطرح سولومون مثلين من “الأنواع المفهومية” التي يقصدها وهما “السياسة في الأفلام” و”الجنس في السينما”، فيذكر أن بعض النقاد والمؤرخين يجدون أنفسهم قادرين على إنشاء أنواع لدراسة بعض الصفات التي يرى سولومون أنها تبدو له “بعيدة عن السينما وأقرب إلى علم الاجتماع″. ومن المرجح أن سولومون يرى أن موضوعا مثل “صورة المرأة في السينما” هو لا يعدو أن يكون موضوعا بحثيا في النقد السينمائي يتميز بطابع خاص، وأنه -بذلك- ليس مؤسسا لنوع بذاته من الأنواع الفيلمية، إذ يقول سولومون في ذلك “حين تسيطر الأيديولوجيا على المسعى النقدي فإن الإحساس السينمائي يهمل أو على الأقل يصبح ذا أهمية أدنى مما لو درست السينما كصياغة فنية “art form” قابلة للإدراك، ذات أهمية قصوى، وذات أهمية في حد ذاتها”، ويطرح سولومون مثالا يوضح به وجهة نظره هذه بقوله “مع الاحتمالات غير المحدودة تقريبا، والتي تواجه الناقد الراغب في الكتابة في موضوع من هذا القبيل يكون ساخنا جماهيريا يوما ما، وليكن مثلا ‘صورة المرأة في السينما’، فإن انتقاء عشوائيا لعشرين فيلما يمكن أن ينتج تعميمات تكاد لا تتوافق بالمرة مع ما لو طبقت على اختيار مختلف لعشرين فيلما أخرى متكافئة في ذات الموضوع″.

غير أن باحثا أميركيا آخر في النقد السينمائي، وهو برنارد ف. ديك، يخصص جزءا كبيرا عن “سينما المرأة” في الفصل الكامل الذي يضعه عن “الأنواع/الأجناس الفيلمية”، وذلك في كتابه “تشريح الأفلام”، وهو يشير فيه بالتفصيل إلى المقصود بسينما المرأة (فيلم المرأة) وإلى تاريخ هذا النوع من أنواع الفيلم الأميركي، حتى أن هذا الباحث يعود لكي يخصص بندا تفصيليا يتناول فيه النقد المتصل بسينما المرأة أو “النقد النسوي” (féministe criticisme) أو “النقد المناصر للمرأة”، ذلك أن ديك يشير إلى أن “فيلم المرأة” هو مصطلح مقبول في النقد السينمائي كما أنه جنس فيلمي مشروع، كما يضيف بالقول إنه “قد أصبح فيلم المرأة جنسا لسببين: محاولات هوليوود المبكرة لاكتساب ود المشاهدات، وظهور النجوم من النساء اللواتي رفعتهن شخصياتهن إلى مستوى الأيقونات”. ويضيف فان ديك موضحا “كانت صناعة السينما دائما تولي اهتماما خاصا لجمهورها من الإناث، إما بسبب افتراض أن النساء يتوافر لهن وقت أطول لحضور الأفلام، وإما لأن لديهن ميلا أكبر لشراء مجلات المعجبين لمتابعة أخبار نجومهن المفضلين”.

ويرى برنارد ف. ديك أن هوليوود كانت سريعة الاستجابة إلى تخصيص ما يرى أنه جنس فيلمي خاص بالمرأة، بما يتفق مع النسبة التي تشكلها النساء كشريحة متميزة من جمهور الفيلم، وهو يفصل ذلك بقوله “ولأن النساء يؤلفن شريحة هامة -وأثناء الحرب العالمية الثانية شريحة رئيسية- من المتفرجين، استجابت هوليوود بتخصيص جنس فيلمي خاص لهن، مع نجوم من أمثال ديفس وجون كروفورد وباربارا ستانويك، اللواتي أصبحن لا ينفصلن عن شخصياتهن إلى درجة أن المرء يتحدث في الكثير من الأفلام عن ‘فيلم لبيتي ديفس′ أو ‘فيلم لجون كرو فورد’. وكانت بيتي ديفس وجون كرو فورد تلعبان أدوار نساء مساويات للرجال، وأحيانا أفضل منهم”.

والمتابع للتفصيلات التي يطرحها برنارد ف. ديك بتوسع عن “سينما المرأة” يلاحظ أن الموضوعات الشائعة في هذا النوع الفيلمي في السينما الأميركية بدأت بالإشارة إلى أن حبكة هذه الموضوعات تدور حول شخص المرأة بذاتها، باعتبارها كائنا غير محدود بأي قيود إلا مسألة أنها ككل الكائنات تتعرض إلى الفناء بالموت، ويزيد على ذلك أنها “حين تواجه الموت، فهي تموت موتة نبيلة، ذلك أنه بينما تعاني النساء بشكل نبيل في الكثير من الأفلام الأميركية في العقدين الرابع والخامس من القرن العشرين، فإن أفلاما أخرى تصورهن على أنهن قادرات على النجاح في مهن يسيطر عليها الرجال، فقد صورت أفلام المرأة -في تلك الفترة- النساء في مهن مختلفة متنوعة: محاميات وكاتبات إعلانات ومراسلات صحافيات وممثلات وجراحات وممرضات، وبحلول العقد السابع من القرن (أي الستينات) لم يكن شيئا غير عاد أن تكون المرأة محامية ناجحة أو صاحبة مشاريع تجارية، ويتفق الطرح السابق مع ما تشير إليه بان جبار خلف بأن النساء في أفلام المرأة “يقمن بأدوار إنسانية كانت سابقا حكرا على الرجل، فهن مديرات وعالمات ومثقفات ومحاربات”، وتؤكد الباحثة على أن “العمل” المقصود في قولها السابق هو بالأكثر ذلك الذي يحقق للمرأة فرصة الإبداع.

من فيلم "امرأة واحدة لا تكفي"

ومن جهة أخرى، يشير برنارد ف. ديك إلى أن “النساء اللواتي صورتهن هوليوود في عصرها الذهبي كنَ في أحيان كثيرة يتمتعن بإرادة قوية، لكن عوامل مختلفة، منها قواعد الإنتاج (أي الرقابة- الباحث)، وتوقعات الجماهير، والارتياب العام بالمرأة التي تنجح في مهن يسيطر عليها الرجال، جعلت من الضروري إما التحول في آخر لحظة إلى الزواج، الذي كان دائما يعتبر إرضاء عن العمل، وإما إشارة ما إلى شائبة تشوب المرأة”. ونحن نستطيع أن نرى أن هناك تطبيقا مباشرا لهذه الفكرة في السينما المصرية في أكثر من فيلم، لعل في المقدمة منها فيلم “الأستاذة فاطمة” (إخراج: فطين عبدالوهاب 1952) الذي ينتهي بعدول المحامية “فاطمة” عن المضي في حياتها المهنية كمحامية تضع قدميها على أول طريق النجاح المهني، وذلك بإثبات براءة خطيبها المحامي البارع المتهم بالقتل العمد، لتعلن أنها لن تستمر في مهنتها من أجل أن تتزوج المحامي بعد الإفراج عنه. وإذا كان فيلم “الأستاذة فاطمة” يشير إلى مسألة التحول في آخر لحظة إلى الزواج، الذي يعتبر أكثر إرضاء (للمرأة) من العمل، فإن الفيلم المصري “مراتي مدير عام” (إخراج فطين عبدالوهاب 1966) يشير بطريقة غير مباشرة إلى أن هناك شائبة تشوب المرأة العاملة فيه، ذلك أن الفيلم يشير في أكثر من موضع فيه إلى أنه من الصعب قبول أن يكون الرجل مرؤوسا لزوجته في نفس مكان العمل الذي يجمعهما في التخصص المهني ذاته، حتى أن الفيلم يقدم الزوجة المدير العام في حفل استقبال تقيمه الشركة التي تعمل بها هي وزوجها، وهي تتحدث في الموضوعات العملية والمهنية الفنية والإدارية الخاصة بأعمال الشركة، بينما هي تترك زوجها محاطا بكوكبة من السيدات اللواتي يقطعن الوقت معه في الحديث عن شؤون منزلية بحتة، تعد من الأعمال الموكولة إلى المرأة بوصفها كذلك، أي امرأة.

ومن جهة ثالثة، يشير برنارد ف. ديك إلى أن الرقابة الذاتية من صناع السينما على الأفلام، وهي ما تعرف باسم “قواعد الإنتاج”، هي التي جعلت أفلام العقدين الخامس والسادس (الأربعينات والخمسينات) من القرن العشرين تحجم عن التناول الأكثر صراحة للجوانب الجنسية، وتتجنب معالجتها بطريقة مباشرة.

ومن جهة رابعة، يشير برنارد ف. ديك إلى أن المتغيرات الاجتماعية المصاحبة لعقد الستينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأميركية (كما في العالم الغربي بصفة عامة)، مع “الهجوم على الشخصيات الأنثوية النمطية الذي شنته جماعات نسائية، أتاحت لصانعي الأفلام أن يستكشفوا موضوعا لم يتعاملوا معه إلا بشكل سطحي في الماضي، وهو “الترابط الأنثوي”، ذلك أنه مع أوائل العقد السابع من القرن العشرين كانت هناك إشارات حميمة واضحة لموضوع محرم (آخر) وهو الشذوذ الجنسي، وإن لم يكن يصور بالفعل، واتصالا بذلك نستطيع أن نلاحظ أن أول إشارة فيلمية مقصودة إلى مسألة “السحاق” (الشذوذ الجنسي الأنثوي) في السينما المصرية تأتى في عقد السبعينات من القرن العشرين، من خلال فيلم ينتمي إلى نوع “الفيلم البوليسي”، وهو فيلم “الصعود إلى الهاوية” (إخراج: كمال الشيخ، 1978) حيث يشير هذا الفيلم إلى أن الفتاة المصرية المتطلعة إلى الثراء السريع، وإن كان من خلال التخابر ضد وطنها لصالح دولة أخرى عدو (إسرائيل) لا تتواصل عاطفيا مع خطيبها، وإنما هي تحقق هذا النوع من التواصل مع امرأة أخرى تعمل في مجال الجاسوسية.

وفي النهاية يشير برنارد ف. ديك إلى موضوعين على جانب كبير من الأهمية، أولهما أن العقبة الرئيسية لفيلم المرأة في الوقت الحاضر هي ندرة السيناريوهات الجيدة التي تصلح للنساء متوسطات الأعمار، وثانيهما هو “الافتقار إلى أدوار جيدة للنساء اللواتي تجاوزن الأربعين، بالمقارنة مع الخيارات الأوسع إلى حد كبير أمام الرجال من العمر نفسه أو الأكبر سنا”، ولذلك يختم فان ديك تفصيلات بحثه في مسألة “سينما المرأة” كنوع فيلمي قائم بذاته بقوله “لن يختفي فيلم المرأة أبدا، لكنه لن يكتسب من جديد الشعبية التي كان يتمتع بها أبدا إلى أن يدرك المنتجون وكتاب السيناريو أن من الممكن لفيلم عن امرأة في منتصف العمر أن يحتوي على الكثير من الحبكة الدرامية كما هو الحال في فيلم عن المرأة الأصغر سنا”. ومع ذلك فإنه من المهم ألا نغفل عن وجهة النظر التي ترى أن “الفيلم الجيد هو الذي يسعى لتكون بطلته بطلة يمكن تعميمها كي تصبح بطلة كونية، تعبر محليتها، نحو آفاق العالمية بقوة الفن والنموذج الذي يعتبر تعدد الثقافات غنى للنوع الإنساني، بحيث يمكن لهذه البطلة أن تلهم النساء والرجال في أنحاء العالم ليتصدوا لمصيرهم ويغيروه نحو الأفضل أو يشاركوا تلك البطلة عبر الآفاق المستقبلية التي يتيحها الفن للناس″.

2- المرأة صانعة الأفلام في مصر

ما بين “المرأة والسينما” من جهة، “والسينما والمرأة” من جهة أخرى، من الممكن أن يثور التساؤل عن أي شكل من شكلي العلاقة وجد في مصر. ونستطيع -في هذا المجال- أن نلاحظ أن العلاقة بين السينما والنساء في مصر قد بدأت من جهة المرأة أولا، أي أن السينما في مصر لم تحتك بقضية تخص المرأة وتتناولها بالمعالجة للمرة الأولى إلا بعد أن احتكت المرأة بذاتها -أولا- بالسينما في مصر، فقد بدأت العلاقة بين هذين الطرفين بإقدام المرأة المصرية على الإنتاج السينمائي (فضلا عن التمثيل في أول فيلم من إنتاجها) وذلك عندما أقدمت عزيزة أمير (1901-1952) على إنتاج فيلم “ليلى” والتمثيل فيه في العام 1927، وهو أمر نرى أن السينما المصرية تختص به غالبا، حيث لم يسبق للباحث الاطلاع على ما يدل على عكس ذلك حتى الآن. وفي كل الأحوال، فإن علاقة المرأة (المصرية) بالأفلام في مصر امتدت من الإنتاج النسوي الذي تصدرته عزيزة أمير (وشاركت فيه الكثير من الأخريات من ممثلات السينما المصريات) إلى نشاط الإخراج السينمائي ذاته منذ العام 1929، حيث قامت عزيزة أمير أيضا بإخراج فيلم “بنت النيل”، ثم قام بالإخراج من الرائدات كل من الممثلات المنتجات فاطمة رشدي وبهيجة حافظ وأمينة محمد، ومرورا بجيل الوسط من الممثلات المنتجات (ماجدة في فيلم “من أحب” 1966) وصولا إلى الجيل اللاحق في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، مع كل من المخرجات غير الممثلات نادية حمزة ونادية سالم وساندرا نشأت وإيناس الدغيدي. غير أننا نستطيع أن نتفق إلى حد ما مع الناقد السينمائي علي أبوشادي في تقويمه النقدي العام للنشاط النسوي المصري في مجال الإخراج السينمائي (حتى عقد الثمانينات على الأقل)، وهو يوجز رأيه في تجربة المخرجات السيدات بقوله “إن التجربة النسائية في الإخراج كانت باهتة وغير قادرة على الاستمرار، خافتة في السينما الروائية، التي كان منتجوها لا يثقون في قدرة المرأة على قيادة هذه المجموعة الضخمة، وإن حاولت نادية حمزة لكونها منتجة أيضا أن تقدم بعض الأعمال في الثمانينات، لكن ما لبثت أن توقفت بعد عدة تجارب ضعيفة”.

وإذا كنا نتفق جزئيا مع رأي أبوشادي السابق الخاص بالتقويم النقدي للتجربة النسائية في الإخراج السينمائي في مصر، فإننا من الممكن أن نتفق معه إلى حد كبير على أن المخرجة السينمائية المصرية إيناس الدغيدي (1953) تكاد أن تنفرد بساحة الإخراج النسوي (إن جاز التعبير) في مصر منذ عقد الثمانينات في القرن العشرين، وبالتحديد منذ العام 1985، عندما قدمت فيلمها الأول “عفوا أيها القانون”، ذلك أن المخرجة نادية حمزة (1939-2012) بدأت نشاطها في إخراج الأفلام (فضلا عن إنتاج بعضها) في العام 1984 بفيلم “بحر الأوهام”، ومع أن عددا ملحوظا (يصل إلى سبعة) من أفلامها تحمل أسماء النساء (نساء خلف القضبان – النساء – امرأة للأسف – معركة النقيب نادية – امرأة وامرأة – نساء صعاليك – حقد امرأة) إلا أن اتصال موضوعات هذه الأفلام بالنساء (فضلا عن بقية أفلامها) هو اتصال لا يتناول معالجات فنية واضحة لقضايا المرأة بصفة عامة، وإنما يدور أغلب هذه المعالجات في إطار من الموضوعات ذات الطابع التقليدي الذي يفتقر عادة للإبداع، وهي بصفة عامة لا تخرج عن الميلودرامات السائدة في السينما المصرية في وقت إنتاجها (في عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين) فضلا عن غياب المعالجات الواضحة لقضايا المرأة إن وجدت.

وإذ لا تتجاوز أفلام المخرجة ساندرا نشأت (1970) “السينمائية” القليلة نسبيا (سبعة) كلا من الفكاهة والمغامرات البوليسية، فإنها لا تتضمن أي إشارة يمكن أن تتصل بقضايا المرأة بصورة أو بأخرى.

واستنادا إلى ما سبق، تبقى إيناس الدغيدي متصدرة الساحة السينمائية في مجال تحقيق “فيلم المرأة” في السينما المصرية، وخصوصا في عقودها الثلاثة الأخيرة، بدءا من العام 1985، غير أن التدقيق (النقدي) في أفلامها يشير إلى أنه على الرغم من أن أغلبها يتناول شخصيات نسائية متنوعة باعتبارها شخصيات محورية في هذه الأفلام، إلا أنه من المبالغ فيه أن تصدر أحكام نقدية قاطعة من شأنها أن تنسب إلى الدغيدي النوع السينمائي المتخصص “فيلم المرأة” على نحو مطلق، فحتى تاريخ إعداد هذه الدراسة أخرجت الدغيدي 16 فيلما روائيا طويلا، بدأتها بقضية متحيزة تحيزا قويا لحقوق المرأة في فيلم “عفوا أيها القانون” (1985)، وأنهتها بفيلم ذي طابع خيالي نرى أنه يقلل من شأن المرأة في أحد جوانبه، وهو فيلم “مجنون أميرة” (2006)، وبين هذين الفيلمين تتأرجح أفلام الدغيدي ما بين معالجات لقضايا المرأة بطريقة واضحة وتحمل الإشارة المباشرة إلى حقوقها الشخصية (تحديدا) ومعالجات أخرى تكاد أن تختفي منها أي إشارات لهذه الحقوق، بل إننا سوف نلاحظ أن فيلمها “امرأة واحدة لا تكفي” (1995) يحمل نوعا من التمجيد لذكورة الرجل على حساب كرامة المرأة، وإن لم يكن تمجيدا مباشرا.

نبيلة عبيد بطلة فيلم "قضية سميحة بدران"

إن القضية الأولى، بل الأساسية، في فيلم الدغيدي الأول “عفوا أيها القانون” هي قضية حقوقية إنسانية من الدرجة الأولى، وهي مسألة التفرقة التي يقررها القانون الجنائي (قانون العقوبات) بين مواطنين مصريين متساويين في الحقوق والواجبات من الناحية الدستورية، وذلك عندما يرتكب كل منهما الفعل ذاته الذي يطاله المشرع بالمحاكمة والعقوبة، إذ بينما يحول القانون جناية القتل العمد إلى وصف الجنحة بالنسبة للزوج الذي يبادر بقتل زوجته وشريكها حال مفاجأته لهما متلبّسين في وضع الزنا (المعاشرة الجنسية)، فإنه في المقابل هذا القانون لا يحول هذه التهمة من وصف الجناية إلى وصف الجنحة في حالة ضبط الزوجة لزوجها متلبسا بجريمة الزنا (في منزل الزوجية)، مع أن الملابسات النفسية هي ذاتها التي تواجهها الزوجة كما يواجهها الزوج في الحالة ذاتها. إن الطابع الذكوري لقانون العقوبات المصري -هنا- يستند إلى النظرة الدونية من المجتمع الذكوري إلى المرأة بوصفها كائنا أدنى من الرجل، ولعل ما ينطق به “عبدالقوي”، وهو أبو الزوج المقتول وكان -هذا الأب ذاته- قد سبق له أن قتل زوجته يوما، عندما فاجأها متلبسة بالزنا، لعل ما ينطق به في تفسيره لهذه النظرة الذكورية التي يتصف بها القانون في هذه الحالة، وهي النظرة التي ترى أن للرجل “عرضا” من حقه أن يدافع عنه حتى وإن بارتكاب جريمة القتل، بينما أن المرأة من وجهة نظر القانون في هذه الحالة، التي تتطابق مع وجهة نظر “عبدالقوي”، لا “عرض” لها. ومن هنا تصدق ملاحظة علي أبوشادي، التي تشير إلى أن الدغيدي قد “اقتحمت في جرأة منطقة شائكة في نظر المواطن الشرقي وأظهرت خلل القانون الوضعي الذي يفرق في العقاب لجريمة واحدة وهي الخيانة الزوجية، فإذا ما ارتكبها رجل تعد جنحة، أما إذا اقترفتها امرأة فهي جناية”.

وإذ يأتي فيلم “التحدي” (1988) ليقدم المواجهة القاسية التي يواجه بها المجتمع (وخصوصا الجانب الذكوري منه) المرأة بعد أن تقضي عقوبتها الجنائية المحكومة بها عليا بالسجن بسبب قيامها بقتل زوجها وهو يحاول أن يعتدي عليها بعد أن فوجئت به يعاشر امرأة أخرى في فراش الزوجية ذاته، ذلك أن هذا المجتمع يتعامل مع مثل هذه المرأة -في الغالب- بوصفها قاتلة، غافلا عن ملابسات القتل ذاتها، والأكثر خطورة أن يتجاوز المجتمع عن الطبيعة الخاصة لمشاعر الأمومة، فضلا عن قيمة أن يربى الطفل في حضانة أمه، غير أن صناع الفيلم لم يتمكنوا من إحكام صنعة فيلمهم حول هذه القضية بما يتفق مع قيمتها الإنسانية في حياة المرأة؛ إذ أنهم ينخرطون في محاولة إلباسه ثوبا سياسيا من خلال بعض الإشارات المنقوصة العاجزة، بما يشير إليه علي أبوشادي باعتبارها رموزا سياسية هشة، ذلك أن صناع الفيلم يتجاوزون عن تقديم ما هو مهم -بل الأكثر أهمية- في قضية فيلمهم، وهو أن الأمومة غريزة طبيعية عند الإناث في الكائنات الحية، وتزداد قيمتها عند المرأة ككائن بشري، وأنه لذلك من الواجب أن ينحاز القانون للغريزة الطبيعية السامية وليس لأي اعتبارات أخرى، فضلا عن أن الفيلم يتغافل عن الإشارة إلى كيف يمكن للأم أن تؤهل طفلها من الأب المقتول على يديها لكي يتجاوز صدمة أن يعلم لاحقا أنه يعيش في كنف قاتلة أبيه، حتى وإن كانت أمه.

ويحمل فيلم “امرأة واحدة لا تكفي” (1995) نوعا من التمجيد غير المباشر لذكورية الرجل على حساب كرامة المرأة، كما أن المخرجة، بحسب علي أبو شادي، تقتحم “عدة عوالم وقضايا دفعة واحدة: عالم الصحافة والسياسة في الجامعات والجيل الجديد وأزمة المساكن وشركات توظيف الأموال والفساد الاجتماعي وخراب الذمم والضمائر”، ويقدم الفيلم هذا الخليط من القضايا ذات الطابع السياسي من خلال شخصية صحافي يؤسس ثلاث علاقات نسائية مع ثلاثة نماذج من النساء، ما بين المرأة الحسناء ذات العلاقات النافذة في السلطة والمال، والفتاة الجامعية المتحررة ذات النشاط السياسي الجامعي، والأرملة الفاتنة الفقيرة المنكسرة التي تفقد مأواها السكني، ويختم صناع الفيلم فيلمهم بإقرار كتابي من الصحافي (في شكل رسالة) بأنه يحب النساء الثلاث في وقت واحد وعلى قدم المساواة، بعد أن أكد الفيلم على حاجة كل واحدة منهن العاطفية إليه.

وفي فيلم “قضية سميحة بدران” (1990) تكتشف الصحافية النشطة، التي تشتهر بتتبع قضايا الفساد الاقتصادي وتكشف عنها في تحقيقاتها الصحافية الجريئة، أن زوجها رجل الأعمال الثري هو واحد من رؤوس هذا الفساد، وأنه ما تزوجها إلا لكي يشغلها عن نشاطها المهني، فتأخذ على عاتقها مواجهته والعمل على كشف كل أعماله المشبوهة، حتى أنها تتعرض لخطر محاولته قتلها بإطلاق النار عليها، بعد أن يفشل في الضغط عليها بخطف أخيها ومساومتها عليه. إن الزوجة الصحافية -هنا- تضع كلا من ضميرها الإنساني وضميرها المهني في الصدارة من اعتباراتها، وهي تتجاوز بهما حياتها الزوجية ذاتها.

وفي فيلم “القاتلة” (1992) ترتكب امرأة ناضجة عددا من جرائم القتل، ويكون كل ضحاياها من الرجال، ليتضح أنها كانت تتعرض في طفولتها لانتهاكات جنسية بشعة، مما يتسبب في إصابتها في الكبر بحالة نفسية مرضية تدفعها لإغواء الرجال ثم الإجهاز عليهم، ويكتشف ضابط المباحث المكلف بمتابعة قضيتها أنها مصابة بمرض نفسي يجعلها غير مسؤولة عن تصرفاتها، وبدافع من مزيج من شفقة الضابط على هذه المرأة المتهمة -وتتحول إلى عاطفة حب مع مرور الوقت- مع الرغبة في إظهار الحقيقة، يستقيل من عمله الشرطي ليتفرغ لممارسة مهنة المحاماة بغرض الدفاع عنها. ونحن لنا أن نلاحظ أن الفيلم يطرح مفارقة لافتة؛ إذ يقدم محاميا رجلا يدافع عن امرأة قاتلة تستحق البراءة (على الرغم من تدخل بعض المتنفذين للضغط في مواجهة المرأة لإحكام الاتهام عليها) فينجح هذا المحامي الرجل في الحصول على حكم قضائي ببراءتها، بينما تفشل المرأة المحامية في فيلم “عفوا أيها القانون” في تحويل وصف جناية القتل إلى جنحة، وهي تدافع عن المرأة التي تقتل زوجها الذي يعاشر امرأة متزوجة على فراش الزوجة القاتلة.

وإذ يتناول فيلم “ديسكو ديسكو” 1994 قضية شبابية من خلال اتجاه جانب ملحوظ من الشباب من طلبة المدارس بالذات لتعاطي المخدرات، فإن ذلك يعني أننا لسنا بإزاء فيلم عن المرأة، حتى مع جعل القيادتين العلمية والإدارية للمدرسة الثانوية المشتركة لسيدة على جانب كبير من الجمال والأناقة؛ خصوصا وأن الفيلم لا يقدمها كطرف رئيسي في الصراع إلا بوصفها المهني الذي من الممكن أن يكون موكولا لأحد الرجال دون أي تأثير جوهري على النسيج السردي للفيلم.

غير أن الدغيدي تعود بقوة لمعالجة قضية نسائية صرف في فيلم “لحم رخيص” 1995، الذي يعد أول فيلم مصري يتناول مسألة ما يعرف باسم “الرقيق الأبيض”، الذي يعني الاتجار بأجساد النساء تحت أي ستار وهمي من القانون. ويدخل الفيلم إلى منطقة ديموغرافية من المجتمع المصري يظهر فيها هذا النوع من التجارة، وهي المنطقة الريفية أو ذات الطابع الريفي، فإذا كان المشهور في هذه المسألة هناك هو تزويج الفتيات الصغيرات القصّر لأشخاص من الدول العربية النفطية، ليحصل ذويهن، وخصوصا الآباء أو الإخوة الذكور، على هبات مالية تحت مسمى “المهر”، وذلك بصرف النظر عن المستقبل الذي من الممكن أن ينتظر هؤلاء الصغيرات اللاتي غالبا ما يكن لازلن في طور الطفولة. غير أن ما يطرحه الفيلم لا يقل في خطورته الاجتماعية (المجتمع بصفة عامة) والنفسية (الأنثى على نحو خاص) عن ذلك كله، وهو أن الفتيات اللاتي يتخطين سن الزواج المناسب بسنوات (كثيرة)، بل يصلن إلى السن التي من الممكن أن تصنفهن في خانة العنوسة، من الممكن أن يضطررن إلى أن يعرضن أنفسهن بأنفسهن في سوق الرقيق الأبيض، طالما لم يصبن حظا من الزواج، وخصوصا إذا كن دون عمل يعُلن أنفسهن منه، وهذا هو ما تلجأ إليه ثلاث فتيات في بلدة ريفية صغيرة، يعانين من ظروف اجتماعية واقتصادية متشابهة، فيلجأن إلى سمسار القرية المشهور بالوساطة في سوق النخاسة البيضاء، قاصدات أن يدبّر لكل واحدة منهن إحدى أقرب الفرصتين إما الزواج وإما العمل، ومن ثم تتزوج إحداهن من رجل عربي خليجي. يجعل منها خادمة لثلاث زوجات له في بلده العربي، ولما تخشى على حياتها ووليدها تتمكن من الفرار إلى مصر ولكنها تظل مهددة بملاحقة هذا الزوج الخليجي. وتتزوج الثانية من شاب عربي ثري سريعا ما يتركها دون أوراق تثبت زواجها منه، بعد أن يقضي ما يشبعه من رغباته في جسدها، بينما تكون هي قد أصبحت حاملا منه وتلد طفلا لا تعرف كيف تنسبه إلى أبيه الشرعي، فتسعى جاهدة لكي تتخلص منه تماما. أما الثالثة فهي تضطر إلى أن تقبل أن تعمل خادما وتتحمل الكثير من المشاق فضلا عن المهانات حتى تستطيع أن تكوّن لنفسها مشروعها الصغير الخاص بها، ولكن تاريخ علاقتها بسمسار القرية يلاحقها لينغّص عليها سعادتها بالنجاح في العمل والحب معا. وعن ذلك كله يشير الناقد سمير فريد إلى أن “مخرجة الفيلم تتصف بالشجاعة لتناولها موضوعا مسكوتا عنه في المجتمع المصري، وأنه -لذلك- يعد هذا أكثر أفلام المخرجة شجاعة من بين بقية أفلامها”، غير أن اللافت للانتباه أن ما يصفه سمير فريد بـ”الشجاعة” تصفه المخرجة ذاتها بـ”الغلاظة”، إذ أنها ترى أن هناك غلاظة في موضوع فيلمها هذا.

ويبدأ فيلم “استاكوزا” 1996 بداية مبشرة من خلال قضية مهمة تخص العلاقة بين الرجل والمرأة حول “قيمة ذكورية الرجل” من وجهة نظر المرأة، فالفيلم يقدم فتاة متمردة يتطور شجارها مع شاب آخر ليصل إلى حالة من العنف الميكانيكي الذي يتيح لها أن تصيبه بعاهة مستديمة في خصيتيه، مما يعرضه لفقد ذكوريته، التي يعدها المجتمع رمزا للرجولة. وتأتي أهمية ما يطرحه الفيلم هنا استنادا إلى أن المجتمع يرى أن الرجولة تتمثل في منطقة معينة من جسم الرجل، بصرف النظر عن حقيقة أخلاقه وصفات أفعاله. غير أن الفيلم يتجه وجهة أخرى عندما يجعل الفتاة مضطرة لقبول الزواج من هذا الشاب درءا للعقوبة الجنائية السالبة للحرية التي يمكن أن تنتظرها، فضلا عن التعويض المالي الكبير، ليتحول زواجهما إلى حلبة شجار مستمرة، ذلك أن للفتاة عمة تتعمّد أن تعهد للشاب بترويض ابنة أخيها، فبينما يمكن أن ينتظر المتفرج أن يشاهد نوعا من ترويض المرأة للرجل، عندما تضطر لأن تقبل الزواج من رجل فاقد الذكورة في مقابل ألا تتعرض لعقوبة السجن، غير أن الفيلم يستأنف طرحه الدرامي من خلال عدد من المشاجرات ذات الطابع الفكاهي التي لا بد أن تجعلنا نتذكر مسرحية وليم شكسبير المشهورة “ترويض النمرة”، وهي في نظرنا مسرحية ذكورية من الدرجة الأولى، أي أن الفيلم ينحرف نحو تمجيد الرجل، خصوصا أنه ينتهي بنهاية سعيدة تتضمن استجابة الفتاة المتمردة لترويض الرجل، لتستأنف حياة زوجية سعيدة مع مروضها.

من فيلم "عفوا أيها القانون"

ويأتي فيلم “دانتيلا” 1998 ليشير بوضوح إلى أنه من الممكن أن تتغلب علاقة الصداقة بين امرأتين على أي اعتبارات أخرى، حتى وإن كانت تصل إلى حد الاستغناء عن وجود الرجل في حياتهما، إذ تقرر المرأتان أن تنفصلا عن الرجل الذي تجتمعان تحت سقفه كزوجتين تتصارعان عليه لكي تفوز به إحداهما على حساب الأخرى، لكي تحتفظ المرأتان بصداقتهما باعتبار أن قيمة هذه الصداقة تتجاوز قيمة الاستمرار في الزواج بنفس الرجل، لذلك يرى سمير فريد أنه من الممكن أن يكون في فيلم “دانتيلا” ما يعد ردا على فيلم “امرأة واحدة لا تكفي”.

ومع أن فيلم “كلام الليل” 1999 يجمع بين امرأتين، تفصل بينهما الفوارق الطبقية (سيدة – مدبرة منزل وسكرتيرة خاصة في الوقت ذاته) إلا أنه فيلم يقوم على قصة “العري” للكاتب جمال الغيطاني، ذات الطابع السياسي الصرف، الذي يقارن من خلاله بين كل من العري السياسي والعري الجسدي، مع التأكيد على أن أولهما هو الأخطر على المجتمع، ويرى سمير فريد أن “كلام الليل” هو أكثر أفلام الدغيدي قربا من السياسة، استنادا إلى أصلها الأدبي (39). غير أننا لا بد أن نلاحظ أن هناك تشابها بين قصة الغيطاني “العري” وقصة “المذنبون” للأديب نجيب محفوظ، إذ أنهما تتناولان الفكرة ذاتها، أي العلاقة بين العري السياسي والعري الجسدي، كما أن السينما المصرية قد تناولت قصة “المذنبون” فيلما من إخراج سعيد مرزوق 1976، أي قبل فيلم “كلام الليل” بأكثر من عشرين عاما، ومع ذلك نستطيع أن نلاحظ أن فيلم “المذنبون” يتناول القضية بقدر من الجرأة يتجاوز به جرأة الدغيدي في فيلم “كلام الليل”، فضلا عن أن المحتوى الدرامي لفيلم “المذنبون” يمتاز بكل من التماسك السردي من جهة، وإحكام الصنعة الفيلمية من جهة أخرى.

ومن الضروري أن نتجاوز عن البحث في العلاقة بين فيلم “الوردة الحمراء” 2000 و”سينما المرأة” عند الدغيدي، باعتباره فيلما عاطفيا بوليسيا تقليديا، بينما تعود الدغيدي -مجددا- لتتناول مشاكل المرأة من خلال شريحة عمرية مهمة جدا في حياة الأنثى، وهي فترة المراهقة بالذات، وذلك في فيلم “مذكرات مراهقة” 2002، الذي يتناول مراهقتين اثنتين (وليست مراهقة واحدة) الأولى فتاة حالمة “جميلة” تعيش أحلام يقظتها -بأكثر من نومها- باعتبارها ملكة تاريخية مشهورة بجمالها (كليوباترا السابعة) ويحبها قائد روماني مشهور بهوسه بها (أنطونيو) ويتصادف أن تلتقي بشاب يشبه حبيب حلمها، فيربط الحب بينهما حتى درجة العشق الذي يزرع جنينا في أحشائها، في الوقت الذي تغار فيه منها صديقتها المراهقة “نانسي”، خصوصا أن الحبيب هو أصلا صديق لها، فتسعى لتصوير لقاء غرامي بين “جميلة” وحبيبها، ثم بعد أن يسافر الحبيب فجأة خارج مصر، تتفق “نانسي” مع شاب آخر يرغب في الانتقام من “جميلة” بسبب إعراضها عنه، فيتم إرسال التسجيل إلى مديرة مدرسة “جميلة” ليفتضح أمرها، وإذ تتعرض “جميلة” للاغتصاب من هذا الشاب فيتسبب في إجهاضها، بينما يعود الحبيب ليعرض عليها الزواج فترفضه وترحل مع والديها إلى خارج مصر كلها. وكما يشير الناقد هاشم النحاس إلى نجاح الفيلم في معايشة الجمهور لأحداث الفتاة المراهقة في مواقفها المتعددة (على نحو ما سبق) فإنه يرى أن هذا الفيلم هو “الأجرأ بين أعمال إيناس الدغيدي، ليس لما يحتويه من مشاهد جنسية صارخة، ولكن للمفهوم الذي تقدمه عن حرية المرأة العربية”، غير أننا نتفق مع الناقد كمال رمزي على أنه “بدلا من أن يفسر الفيلم مأزق أبطاله تفسيرا اجتماعيا، فنفاجأ به يفسرها تفسيرا ميلودراميا، فيرجع سبب النكبات لأشرار مخادعين خبثاء، خلت قلوبهم من الرحمة تماما مثل أشرار السينما المصرية قديما”، غير أنه في كل الحالات يحمل الفيلم رسالة مهمة وهي أن النهاية المأساوية لأحلام الفتاة المراهقة كما يقدمها الفيلم، لا تعني أنها نهاية العالم، وأنه من الممكن أن تبدأ حياتها من جديد، غير أن الفيلم يشير بوضوح تام إلى أن هذه البداية الجديدة لا يمكن تحقيقها في المجتمع ذاته الذي يتسبب في مأساتها، ومن ثم عليها أن تغادر الوطن كحل حتمي لتحقيق هذه البداية، فهو مجتمع من الممكن أن ينسج المآسي ولكنه لا يستطيع أن يقبل البدايات الجديدة، فما يراه الفيلم أنه مأساة يراه المجتمع -داخل الفيلم- عارا أخلاقيا.

ويعد فيلم “الباحثات عن الحرية” 2005 امتدادا لمحاولات الدغيدي الجريئة لعرض المشاكل الحيوية التي من الممكن أن تعترض حياة المرأة، حتى أنه يكون من المرجح أن تؤثر في مصيرها إلى حد كبير. فالفيلم يتناول ثلاث نساء من جنسيات مختلفة من المنطقة العربية، المشهورة بقمع المرأة وظلمها اجتماعيا وقانونيا أيضا، وهن يعملن في مهن مختلفة (مراسلة صحافية وفنانة تشكيلية ومغنية) وتقرر كل منهن مغادرة وطنها إلى بلد أوروبي (فرنسا) حيث يلتقين هناك معا، غير أنهن يواجهن عددا من التجارب العاطفية الخاصة أو الحياتية العامة، مما يجعل كل واحدة منهن تشعر بصدمة غير متوقعة، فإذا كن قد رحلن من بلادهن بحثا عن هوياتهن المفقودة في مجتمعات هذه البلاد، إلا أنهن يواجهن واقعا أكثر صعوبة في بلد غريب، ومن ثم يقدم الفيلم حلا صادما، وهو أنهن يقررن العودة إلى بلادهن لكي يتعايشن من جديد مع مجتمعات لا تنجح في شيء بقدر ما تنجح في قمع النساء وإذلالهن، وهو حل يمكن قبوله باعتباره مقصودا ليحث المرأة على الاستمرار في النضال داخل مجتمعها من أجل حقوقها جميعا، وفي مقدمتها الحق في الحرية، بما في ذلك حرية الجسد ذاته. ومن اللافت للانتباه أنه على الرغم من أن الفيلم يتناول مسألة الحرية الجسدية للمرأة، إلا أنه لا يبالغ في مشاهده الجنسية.

والمتابع لفيلم “ما تيجي نرقص” 2006 من خلال مقارنته بالفيلم الأميركي “”shall we dance? إخراج: بيتر شيلسوم 2004) من الممكن أن يلاحظ أن هذا الفيلم لا يضيف استحقاقا جديدا إلى رصيد الدغيدي في أفلام المرأة، خصوصا أن الفيلم الأميركي يدور حول شخصية رجل في منتصف العمر وليس امرأة، وفي هذا المجال يعد الفيلم الأميركي أمينا في النقل عن الفيلم الياباني الذي قدم هذا الموضوع في السينما العالمية لأول مرة بالاسم ذاته “shall we dance?” (إخراج: ماسايوكى سو 1996)، وإذ يشير الناقد أيمن يوسف إلى كل من هذين الفيلمين، فإنه يرى -ونحن نتفق معه- أن الفيلم المصري أتى ساذجا في ترجمة فكرة الفيلم الرئيسية والمهمة وكذلك المشاعر الحقيقية للشخصيات الأصلية في الفيلمين الياباني والأميركي وخصوصا في الفيلم الأميركي.

وفي كل الحالات يخرج فيلم “مجنون أميرة” 2009 من مصفوفة أفلام المرأة عند الدغيدي، فهو فيلم يدور في قالب خيالي حول قصة حب من الممكن أن تجمع بين الأميرة البريطانية المشهورة “ديانا” وشاب مصري لا يعرفها إلا من خلال صورها المنتشرة في الصحف والمجلات، فيتمادى في خياله إلى درجة تقترب من الجنون.

خاتمة

في كل الأحوال تشكل إيناس الدغيدي ظاهرة خاصة بذاتها في السينما المصرية المعاصرة، لأن أغلب أفلامها لا تتناول الشخصيات النسائية كشخصيات رئيسية فحسب، وإنما أيضا لكون هذه الشخصيات هي شخصيات فاعلة في الأفلام، ومن خلالها تطرح المخرجة أفكار أفلامها. ومع ذلك فإن أفلام الدغيدي، وإن تتميز بقدر من الجرأة اللافتة للانتباه من خلال أسلوب معالجتها للمشاهد الجنسية في أفلامها، غير أنه يعد -من وجهة نظرنا- قدرا محسوبا من الجرأة، ونرى أيضا أن هناك كمّا ملحوظا من الأفلام المصرية السابقة على ممارسة الدغيدي لنشاطها الإخراجي، التي تتجاوز الدغيدي بجرأتها في تقديم المشاهد الجنسية، فضلا عن الجرأة في أسلوب طرح الموضوعات المتعلقة بها، ويزيد على ما سبق أن السينما المصرية زاخرة بكمّ ملحوظ من الأفلام التي يمكن أن تدخل تحت مصطلح “سينما المرأة”، بحسب ما أشرنا إليه سابقا.


ناقد من مصر