المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/03/2018، العدد: 38، ص(152)]

معاداة السامية لإخراس منتقدي إسرائيل

باسكال بونيفاس، مؤسس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (إيريس) ومحلل للقضايا الراهنة، هو قبلة سهام اللوبي الصهيوني في فرنسا منذ خمسة عشر عاما، أي منذ أن نشر كتابا بعنوان «هل يُسمح بنقد إسرائيل؟» فقد دأب اليهود على اتهامه بمعاداة السامية لمجرد أنه انتقد سياسة الكيان الصهيوني، مثلما انتقد وقوف اليسار موقف حياد يجد فيه المحتل راحته، ويطلق يديه كي يمعن في مصادرة حقوق الشعب الفلسطيني.

ورغم أن الرجل لم يكتب ولم ينطق مرة بما يؤكد تلك التهمة، فإن اليهود استعملوا كل الوسائل لتشويه صورته، وتقديمه على أنه عدوّهم، بل بلغ بهم الأمر إلى التهجم على أسرته والدعوة إلى فصله من وظيفته. كل ذلك دوّنه هذا المثقف الفرنسي في كتاب جديد بعنوان «معادٍ للسّامية» نفدت طبعته الأولى خلال أسبوع، رغم المقاطعة التي واجهته بها وسائل الإعلام الكبرى.

كتاب يفضح المساومة التي يقايض بها اليهود كل معترض على سياسة إسرائيل، إما أن يكتم صوته وإما توجه له تلك التهمة التي لا يملك لردها حيلة، حتى وإن لم تقم على بيّنة.

حكاية معارضة سورية

«نصيب من الاحتدام» لجوستين أوجييه هو سيرة المحامية والمناضلة السورية المنشقة رزان زيتونة، التي بدأت حياتها العملية كمحامية تدافع عن المساجين السياسيين في بلد يرزح تحت نير الاستبداد منذ عقود، وناشطة من نشطاء المجتمع المدني المدافعين عن حقوق الإنسان.

والكاتبة تتبع مسارها منذ سبعينات القرن الماضي حتى اندلاع الثورة السورية، حيث درجت على التوثيق للجرائم المقترفة في بلادها، سواء تلك التي ارتكبها النظام، أو تلك التي كانت بفعل الجماعات الأصولية المتشددة، قبل أن تختفي فجأة عام 2013 هي وزوجها واثنان من نشطاء المجتمع المدني كانا برفقتهما في دوما.

وكأن الكاتبة أرادت أن تحيي نضال هذه المرأة التي أسندت إليها جائزتا سخاروف وأنا بوليتكوفسكايا، اعترافا بفضلها في فضح الممارسات اللاإنسانية، وتوثيق شهادات الناجين من التعذيب والسجن والاغتصاب بالصوت والصورة.

التأريخ للثورة المضادة

جديد الباحث جان بيير فيليو أستاذ التاريخ المعاصر بمعهد العلوم السياسية بباريس وأحد المتخصصين في الشرق الأوسط، كتاب بعنوان «جنرالات وقطاع طرق وجهاديون»، يخصصه لأجهزة الأمن والقمع في الوطن العربي، أو ما يعبّر عنها عادة بالدولة العميقة، ليبحث في جذور ظهور تلك العصابات التي استولت على السلطة عقب انقلابات وحرّفت استقلال الدول العربية عن مجراها.

ويؤكد أن تلك الفئات نفسها هي التي شكّلت ثورة مضادة لثورات الربيع العربي التي قامت في عدة أقطار عربية لأجل حياة كريمة في أنظمة ديمقراطية، وهي فئات تضمّ كما يشير العنوان عكسريين ومنحرفين ومتشددين دينيين، يجدون في تحالفهم غير المعلن غايتهم، ويبيّن كيف استفادت منهم الأنظمة الرجعية لترسيخ سطوتها، بعد قيام ما سمي بالحرب الشاملة على الإرهاب، إذ صارت كل التجاوزات مباحة، باسم مكافحة الإرهاب.

مكتبة الفلاسفة المجهولين تقريباً

تبدو الفلسفة القديمة بمفكريها الكبار مقروءة ومحددة، مضاءة بالنور المتناسق للشمس المتوسطية والعقل الذي ورثناه مباشرة، حتى ليخيّل إلينا أننا في ما يسميه هيغل «جنة الفكر البشري». في كتاب جديد عنوانه «المكتبة المثلى للفلاسفة القدامى.

من فيثاغورس إلى بويتيوس» نصوص جمعها وقدّم لها الفيلسوف جان لوي بوارييه، المتخصّص في العصور القديمة، يدعونا من خلالها إلى اكتشاف نصوص تتعايش فيها الآلهة القديمة وديانات التوحيد الناشئة، وتتصادم في أعطافها الرياضيات بالذرى اللاعقلانية، والفيزياء بلا نهائية المادة.

نصوص ليست كلها للأعلام المعروفين، بل إن جانبا منها خصص لمؤلفين غير معروفين أمثال بروكلوس وبويتيوس وفيلون الإسكندري، وهو ما يطرح نظرة جديدة على الفكر الفلسفي من خلال مكتبة أخرى غير مكتبة الكلاسيكيين، وغير الأنطولوجيات المدرسية، فلئن كانت الفلسفة بحثا عن الحكمة، فإنّ طرق الوصول إلى تلك الحكمة تأخذ مع هؤلاء المؤلفين مسارا غير الذي عهدناه.

الخير والشرّ في الأدب

يقال إن الخير لا يصنع أدبا جيدا، فهو كضياء باهر يحطم الفروق والجزئيات والتفاصيل، وإن الشرّ يمنح عدة مصادر ثرية لو رام أديب رسم النفس الإنسانية. ولكن الكاتب ميشيل تيريتشنكو، في كتابه الأخير «هذا الخير الذي يوجع الروح.

الأدب كتجربة أخلاقية»، يعترض على هذا الطرح، ويضرب أمثلة من صميم الأعمال الأدبية، من الأمير ميشكين بطل «الأبله» لدستويفسكي، وجان فلجان بطل «البؤساء» لفيكتور هوغو، إلى البحار بيلي باد بطل رواية بالاسم نفسه لهرمان ملفيل، والعجوز بطلة «حياة وقدر» لفاسيلي غروسمان، ليبيّن دور الخير والطيبة في نحت شخصية الإنسان، فهو، على غرار حنّا آرندت، على يقين من أن الخير وحده هو الراديكالي، وأن لا حاجة لتعريفه حين يتجلّى. وفي رأيه أنّ أدب الخير، بعيدا عن الشفقة الخطيرة بعبارة زفايغ، يشفي الإنسان ويستدعي فيه إنسانيته، مثلما شفى كرم الأسقف بيانفنو جان فلجان حين «أوجع روحه مثل نور ساطع».

ضرورة حمل هموم الآخر

لماذا نجد صعوبة في تغيير أنماط حياتنا والحال أن لا أحد ينكر أن نمط نمونا له أثر مدمر على الصعيد البيئي والاجتماعي، كما لا ينكر درجة العنف المسلّط على الحيوان؟ الإجابة جاءت في كتاب «إيثيقا الاعتبار» لكورين بيلوشون، أستاذة الفلسفة بجامعة باريس الشرقية، حيث دعت إلى ردم الهوة بين النظرية والتطبيق من خلال تطوير إيثيقا الفضائل. فبدل التركيز على المبادئ أو عواقب أفعالنا، تفضّل الاهتمام بدوافعنا العملية، أي تمثّلاتنا التي تدفعنا إلى الفعل.

أي ملامح أخلاقية يمكن أن تجعلنا أنقياء، تعترينا لذة القيام بالواجب وفعل الخير، بدل أن نظل ممزقين على الدوام بين السعادة والواجب؟ وتستمد إيثيقا الاعتبار جذورها من الأخلاقيات القديمة، وإن كانت تنبذ جوهريتها، وتعتمد على التعمق في الذات للوصول إلى الشعور ما يربط الفرد بالكائنات الحية الأخرى، وتحوّل وعيه بالانتماء إلى عالم مشترك إلى معرفة معيشة والتزام.

الغضب كانفتاح على الآخر

الغضب هو دليل على أنّ الرابط الاجتماعي في زمن الفردانية يتشكّل أول ما يتشكّل انطلاقا من الانفعالات. ما الذي يسببه؟ وهل هو إيجابي بالنسبة إلى الإنسان؟

من وجهة نظر سيكولوجية، يُنتج الغضب «موجات رديئة» تسيء إلى علاقاتنا بالآخر، أما من وجهة نظر فلسفية فالغضب يمكن أن يكون من أكثر الانفعالات سلامة، فهو بوصفه «قوة دفاع وتأكيدا للذات»، كما يفسر الفيلسوف ميشيل إرمان في كتابه «في أقاصي الغضب.

تأملات في انفعال معاصر»، لا يتعارض مع الفرح، بل مع اللامبالاة، والخجل، والحزن، وكلها تؤدي إلى الخضوع. أي أن الغضب في رأيه أبعد ما يكون عن الشغف الحزين الذي ترصفه التقاليد الفلسفية أحيانا مع الضغينة والحسد، لأنه يحمل مطالب، ومثالية كينونة أمام واقع غير مُرضٍ. ومن ثَمّ فإن الغضب، منذ أخيل إلى الناخب المعاصر، يتجلى كانفتاح نحو العالم، فكلاهما يصرخ نحو الآخر، والأشياء، بأنه لم يُلق سلاحه بعد.

رأس مدرسة فرنكفورت

«يورغن هابرماس. سيرة» هي بيوغرافيا هامة دوّنها عالم الاجتماع الألماني ستيفان مولر دوم عن هابرماس، آخر المثقفين الكبار على المستوى العالمي، هذا الذي نعت بـ»نصير الحداثة» و»الضمير العام للجمهورية الفيدرالية» فضلا عن كونه مفكرا يشار إليه بالبنان في شتى أنحاء العالم، حيث ترجمت أعماله إلى نحو خمسين لغة أجنبية.

ولكن ليس معنى هذا أن أعماله يمكن أن تلخّص وحدها حياته، ذلك أن الرجل دأب على هجر العالم الأكاديمي والانغماس في الحياة العملية وما تمور به من تحوّلات سياسية واقتصادية واجتماعية، فقد ساهم بدور كبير في إثراء الجدل حول القضايا المستجدة، أيا ما يكون نوعها، والتأثير بشكل فعال في الذهنيات الألمانية، انسجاما مع فكر مدرسة فرانكفورت التي يعتبر هابرماس أحد مؤسسيها. والكتاب يحاول أن يؤلف بين التأمل الفلسفي والتدخل الثقافي اللذين يطبعان نشاط هذا المفكر، ليعطي عمله بنية متماسكة تعطي فكرة واضحة عن حياة الرجل وأثره في الآن نفسه.

الحيوات على اختلافها

كيف يمكن تصوّر الحياة في بعدها الحيّ والمعيش، وبعد المادة والتجربة؟ عن هذا السؤال قدّمت الفلسفة وكذلك العلوم الاجتماعية مختلف الأجوبة، مؤثرة في الغالب هذا البعد أو ذاك، أي البيولوجي أو البيوغرافي.

فهل ثمة إمكانية لتصوّرهما معا والمصالحة بين المقاربتين الطبيعية والإنسية؟ استنادا إلى سلسة أبحاث أجريت في ثلاث قارات، ركز الباحث ديدييه فاسان في كتابه «الحياة، طريقة استعمال» على ثلاثة مفاهيم: أشكال الحياة، إيثيقات الحياة، وسياسات الحياة.

ففي حالة اللاجئين أو طالبي اللجوء، وعبر التغريبة الإنسانية والتضحية من أجل قضية، على ضوء إحصائيات الوفيات وطرق حساب منح الوفاة، وأخيرا عن طريق بحث جينالوجي وإثنوغرافي، يكشف اقتصاد الحياة عن توترات مريبة في الكيفية التي تعالج بها المجتمعات المعاصرة الكائنات البشرية. بعد تجميع قطع هذه التشكيلة الأنثروبولوجية، كما تجمّع قطع مربكة، تتبدى صورة محيرة: صورة حيوات غير متساوية.

حقائق مستقبلية أم طوباويات؟

«طوباويات واقعية» كتاب لإريك ألين رايت، أحد كبار علماء الاجتماع الأميركان، يقترح فيه بوصلة جديدة لابتكار ما بعد الرأسمالية وممارسته، دون انتظار أيام أفضل أو غد مشرق. لماذا وكيف الخروج من الرأسمالية؟ ما هي البدائل الموجودة منذ الآن؟

هل نستطيع، وهل ينبغي إعادة ابتكار الاشتراكيات عن طريق إنجازات ملموسة؟ بأي أدوات، بأي أشكال عمل، وأي مؤسسات؟ تلك أسئلة عريضة، متماسكة في ما بينها، يحاول هذا الكتاب القيم الإجابة عنها بوضوح، كحصيلة لبحث عالمي مشترك استغرق إنجازه عدة سنوات حول نظريات الانفتاح الأكثر راهنية، وكذلك عدة مشاريع حية لتحول راديكالي، أو متدرج، سبق أن رأت النور في المجالات الاقتصادية والسياسية. انطلاقا من البحث حول التجارب ما بعد الرأسمالية المعاصرة، يتبدى تصوّر جديد للتقدّم ووسائله الممكنة، وكذلك لرؤية علمية لأنماط تجاوز الرأسمالية. هذه الطوباويات الواقعية ليست للمثاليين ولا للواقعيين، بل هي تجارب معيشة، وتصورات جريئة تضع من الآن ظروف مستقبل ممكن وأسسه وأشكاله.

المجتمع السائر إلى حتفه بإرادته

في «المجتمع الملتهم ذاته» يهتم أنسيلم جاب بالذات النرجسية التيّامة التي يعرّفها بكونها الذاتية الخاصة برأسمالية الأزمة، حيث توسّع «أزمة القيمة» هنا خطابها ليشمل دائرة البنى النفسية، بحثا عن تيمية البضاعة.

ينطلق الكاتب من أسطورة إيروزيختون، الملك الذي التهم نفسه لأنه لم يعد يجد ما يشبع نهمه، كعقوبة ربانية عن إساءته إلى الطبيعة، ليشبه به اندفاع المجتمع نحو هلاكه، ويصوره كنقطة انطلاق المجتمع الملتهم ذاته، مستهديا كما في كتبه السابقة بنظريات ماركس على ضوء «نقد القيمة»، ليبيّن أن المجتمع الحديث قام أساسا على العمل التجريدي والمال، البضاعة والقيمة.

ولكن كيف يعيش الأفراد هذا المجتمع السلعة؟ وأي نوع من الذاتية تنتج الرأسمالية؟ لفهم ذلك يعود بنا الكاتب إلى فرويد وإريك فروم وكريستوفر لاش، ليستنتج أننا مدعوون إلى التخلي عن الفكرة التي أوجدها الفكر الحديث عن كون الفرد حرا ومستقلا، لأنه في الواقع يستبطن إرغامات خلقتها الرأسمالية.

اللغات السرية عند الشعراء والمنحرفين

«لغات غامضة» كتاب طريف لدانيال هيلر روازن، يستكشف فيه ظاهرة غريبة لم تنل في رأيه ما تستحق من عناية، ألا وهي حرص البشر عند الحديث بلغة ما إلى ابتكار لغات سرية، قد تكون جادة أو مسلية، وقد تكون ألعابا موجهة للأطفال وقد تكون عملا معدّا للكبار عسير الفهم عُسر اللغات الأجنبية.

ويذكر بأن ظهور تلك اللغات الغامضة عمدا بدأ مع النهضة الأوروبية، وقاومها النحاة والمشرعون والفقهاء معتبرين أن أشكال الخطاب الجديدة تلك هي أداة جريمة. مثلما يذكر بأن ليّ اللغات ليّا متصنعا رأى النور أول مرة في اليونان القديمة، وروما، ثم في بروفانسيا وأسكندنافيا وأوروبا في القرن الوسيط، ولكن لغايات أخرى، حيث درج المغنون والنساخون إلى ابتكار تنويعات ملتبسة في فنون القول، دون أن يبحثوا من وراء ذلك عن تمنع أو خداع، بل كانوا يريدون الكشف عن لغة الآلهة، التي كان الشعراء والرهبان وحدهم يتقنونها. والكتاب يرصد مختلف أنواع اللغات الغامضة، من لغة المنحرفين والمجرمين إلى التعابير المقدسة، ومن أعمال فرديناند دي سوسير في الجناس إلى نظريات رومان جاكوبسون في الشعر، ومن الفنون الغريبة إلى نساخي التوراة ومؤسسي دادا.

كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا