نظرة ذكورية أم سينما نسوية.. السينما التونسية وقضايا المرأة

من بين كل سينمات البلدان العربية، تكاد تكون السينما التونسية هي الأكثر احتفاءً بقضايا المرأة ووضعها ومعاناتها داخل مجتمع عربي إسلامي منغلق تحكمه أعراف ونواميس بالية توارثها جيل بعد جيل حتى باتت تقريبا لدى الكثيرين جزءا من مقوّمات الهوية الثقافية والحضارية لأي مجتمع عربي.

الجديد  محرز القروي [نُشر في 01/03/2018، العدد: 38، ص(68)]

المخرج نوري بوزيد
وهذه فكرة شائعة سادت طوال سنين لدى قسم واسع من النقاد والمتابعين للشأن السينمائي العربي سواء أكانوا عربا أم غربيين. حتى أن البعض صار لا يخفي استغرابه بل وفي بعض الأحيان امتعاضه كلما شاهد فيلما تونسيا يحاول أن ينأى بنفسه – ولو قليلا- بعيدا عن هاته الصورة النمطية شيئا ما للسينما التونسية.

وربما زاد في ترسيخ هذه النظرة ما عُرفت به تونس زمن الرئيس بورقيبة من انحياز لقضايا المرأة وحقوقها عبر إجراءات وإصلاحات رائدة -والحق يقال- في مجال قوانين الأسرة والأحوال الشخصية. وهو موقف سياسي شكل -ولا يزال- في نظر الكثيرين “ثورة” حقيقية على الموروث الديني والاجتماعي قادها باندفاع كبير الزعيم بورقيبة تحت شعار “تحرير المرأة” كجزء من محاولته “لتحديث” المجتمع التونسي.

ولكن يجوز لنا اليوم أن نتساءل عن مدى وجاهة هذا “التصنيف” الفني والتوصيف الفكري وعن مدى تطابقه من وجهة نظر سينمائية مع محتوى الأعمال السينمائية التونسية وتوجّهات مخرجيها وخياراتهم الجمالية. فإلى أي حد يمكن اعتبار السينما التونسية سينما منحازة لقضايا المرأة؟ وهل عكست صورة المرأة في الأفلام التونسية نظرة إيجابية ومُنصفة لمن نعتهم الخطاب الديني “بالقوارير”؟ وهل كانت المخرجات التونسيات أكثر قربا لعالم المرأة من نظرائهم المخرجين الرجال؟ ثم إلى أي مدى يصح اليوم الحديث عن سينما نسائية -حتى لا نقول نسوية- في تونس؟ وفضلا عن كل ذلك هل كانت المقاربة السينمائية لمشاكل المرأة وأوضاعها المعقدة نابعة من خيار فني وفكري أصيل أم كانت مجرّد استجابة وتناغم مع خطاب سياسي وأيديولوجي مهيمن صادر عن السلطة السياسية العليا في البلاد؟

عرفت الساحة السينمائية في تونس بروز تجارب فنية متنوعة ومتعدّدة غير أنها في نهاية المطاف وفي ما عدى بعض الاستثناءات القليلة، تكاد تنضوي في مجملها تحت ما عُرف في فرنسا “بسينما المؤلف”. وهو توجه لا ينكره المخرجون في تونس بل ويعدّه البعض مصدرا للفخر والاعتزاز، بل وحتى للتمايز مع مجمل السينما المصرية التي وصفت بالميلودرامية وبالتجارية ثم بسينما المقاولات. ولعل من أبرز المخرجين وأشهرهم في هذه “المدرسة” – إن صح الحديث عن مدرسة – السينمائي النوري بوزيد. فبوزيد يمكن اعتباره من المخرجين الذين اختاروا دوما التصادم مع الذهنية البالية للمجتمع التونسي. وأفلامه تحاول في الغالب طرق أبواب مُوصدة يتحصّن خلفها العرف والتقاليد والمسكوت عنه وكل ما يمكن تصنيفه في خانة “التابو”.

فكان فيلمه الأول سنة 1986 “ريح السد” عن البيدوفيلي أي التحرّش أو اغتصاب الأطفال، حيث يجد الشاب الهاشمي نفسه، بمناسبة التحضير لحفل زواجه، وجها لوجه مع ذكريات مريرة من طفولته البائسة التي وضعته في طريق “الأسطى عامر” النجار المهووس الجنسي بالأطفال فيقوم بالاعتداء عليه وعلى زميله الطفل “فرفط”.

لا يكتفي المخرج بعرض هذه القصة/ المأساة بل يتجاوزها ليرسم لنا لوحة فنية تعكس الحالة العامة لمجتمع مليء بالعقد والمركّبات النفسية. ويفرد للمرأة في هذه اللوحة مكانة رئيسية. فالمجتمع النسائي حاضر بقوة في جميع مفاصل القصة. في فناء الدار من حيث ينطلق الفيلم مصوّرا لنا الاستعدادات لإقامة العرس المرتقب للهاشمي. وهي تحضيرات تتم في عالم نسوي مغلق ينتفي فيه أي دور للرجل ولكن ليس جرّاء هيمنة أنثوية ما وإنما بسبب تقسيم للمهام والوظائف فرضته العادات والتقاليد. فصل أصيل متأصّل بين عالم الذكور وعالم الإناث. هنّ في البيت خلف الجدران وهم في ضوء الشمس الساطع يملؤون الفضاء العام.

هكذا يستدرجنا النوري بوزيد من فيلم يدور حول قضايا الذكورة والفحولة في مجتمع يعتبر الطفل المغتصب مشروعا لإنسان مثليّ الميولات إلى أغوار عالم الإناث وأسراره. لنجد البطل وسط بيت يعجّ بالنساء يحدثنه بلا حرج عن زواجه المرتقب ولا يخجلن من التلميح إلى ليلة الدخلة وما تفرضه لدى الرجل من تصميم وعزم. وتبرز من بينهن شخصيتان محوريتان في حياة الهاشمي هما والدته وأخته. حدب وحنان يتناقضان مع طبيعة وسلوك الأب الذي يخصّه بمعاملة فظّة وغليظة لا تراعي خصوصية سنّه وقد صار كهلا يوشك على الزواج وتكوين أسرة خاصة به كعلامة على بلوغه مرحلة النضج.

ثم نجد النساء وعالمهنّ ثانية من خلال بيت العجوز “شجرة” حيث يذهب الهاشمي وأصحابه لتوديع أيام العزوبية بين أحضان الغانيات. “شجرة” هي أيضا وجه من وجوه الحضور النسائي المرغوب والممنوع في آن واحد. الكل في المدينة يعرفها والجميع تقريبا قد زارها يوما ما. ولكن التقاليد والأعراف تقتضي أن ينكر الجميع وجود هذه المرأة وأمثالها. فكيف لمجتمع يدّعي النقاوة والصفاء أن يقرّ بنفاقه الاجتماعي ويعترف بازدواجية قيمه وانفصام شخصيته. غير أن كل ذلك لم يمنع أن تكون زيارة منزل “شجرة” سببا في استعادة الهاشمي لثقته بنفسه. ثقة فقدها منذ أن امتدت إليه يدي عامر صاحب ورشة النجارة ليدنّس براءة طفولته الغضّة. ويكاد الهاشمي أن يقع في حب فتاة الليل أمينة لولا أن العجوز “شجرة” نبّهته إلى واجب احترام المنظومة الاجتماعية التي لا تسمح لابن العائلة أن يحبّ بائعة الهوى.

المخرجة التونسية رجاء عماري

هكذا بدا لنا “ريح السد” فيلما يدور في فلك النساء يسلّط الضوء على وجودهن الصامت في عالم تطغى عليه سطوة الذكر وهيمنة العقلية الذكورية الشرقية. فهل استطاع بوزيد مع ذلك أن يقدّم لنا المرأة من زاوية نظر مختلفة عن النظرة الذكورية؟

صحيح أنّ الفيلم يقدّم نماذج نسائية مسحوقة تبدو كضحايا تَسَيُّدِ الرجل لمناحي الحياة سواء على الصعيد الأسري الضيق أو على الصعيد العام لحياة المجتمع. غير أنّ هذه النماذج النسائية ظلت أسيرة وجهة نظر ذكورية لم يسعفها تعاطفها الصادق مع القضايا النسوية لكي تتخلّص من الموروث العربي الإسلامي المنغلق. فالأمّ امرأة بسيطة تؤمن بالشعوذة والسحر وتلجأ إليهما علّها تجد دواء لولدها الهاشمي وتصرّفاته “الغريبة” وينتهي بها الأمر إلى حالة من الانهيار تشارف فيها على الجنون وربما الانتحار.

أما الأخت فهي فتاة حالمة ورومانسية تعجز هي الأخرى عن سبر أغوار شخصية شقيقها ولا تملك القدرة للدفاع عنه في مواجهة عنف السلطة الأبوية. بقيت “شجرة” المومس العجوز التي تعيش على أطلال شباب ولّى وذوي وتحاول برغم كل شيء المحافظة على المظاهر. كذلك الأمر بخصوص المومسات اللاتي جلبتهن للاحتفاء بالهاشمي وأصحابه. فهن يظهرن كمتنفس للذة الذكر ومحفّز يساعده على اختبار فحولته قبل أن يمر بامتحان الزواج.

ما من شك في أن المخرج يحمل نظرة متعاطفة ومنحازة لكل هذه النماذج النسائية ولكنها تبقى نظرة واقعة تحت أسر قراءة ذكورية فشلت في أن تستبطن طريقة تفكير الأنثى وموقفها الحقيقي إزاء وضعها ووضع الشخصيات المحيطة بها. وقد أعاد النوري بوزيد الكرّة في جلّ أفلامه تقريبا وخصوصا في فيلم “بنت فاميليا” (1997) الذي قدّم فيه نماذج نسائية مختلفة تتمحور حول شخصية “أمينة” الزوجة الأرستقراطية الجميلة التي يعاشرها زوجها غصبا في فراش الزوجية وسط محيط اجتماعي يمنعها حتى من أن تسمّي ذلك “اغتصابا”. ورغم جرأة الموضوع وقوته فقد بقيت المقاربة تعاني من نفس الإشكالات. حيث تتحدّد كل شخصية أنثوية في الفيلم بطبيعة العلاقة التي تربطها بالرجل وكأنه في نهاية المطاف المقياس والعامل المحدّد والوحيد لفهم سيكولوجية المرأة.

وليس بوزيد وحده من قدّم صورة المرأة التونسية بهذا الشكل. فقد رأيناها قبله في أفلام عبداللطيف بن عمار: “رسائل من سجنان” (1974) الذي يروي صفحة من صفحات المقاومة الوطنية للاستعمار و”عزيزة” (1980) الذي يقدّم قصة فتاة تونسية بسيطة تصارع من أجل العيش بكرامة وسط مجتمع تهزّه التحوّلات الاقتصادية المتسارعة. وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب بين المخرجين فإننا نلمس عند بن عمار نفس النزعة التي رأيناها في أفلام النوري بوزيد والتي تصوّر المرأة ككائن مثالي خال من النقائص تكون في غالب الأحيان ضحية لشخصيات رجالية تكاد لا تملك جانبا إيجابيا واحدا. وتقول المخرجة التونسية ناجية بن مبروك عن ذلك “لقد كانت دوما نظرة ذكورية تدّعي بأنها تكشف عالمنا الأنثوي الداخلي”.

في المقابل كانت هناك تجارب لمخرجات تونسيات قدّمن أيضا في أفلامهن موضوع المرأة. ولعل من أبرزهن المخرجة مفيدة التلاتلي من خلال فيلمها الروائي الأول “صمت القصور” (1994) الذي يعرض لقصة علياء فتاة نشأت في قصور البايات (ملوك تونس قبل إعلان الجمهورية) أمها من خدم القصر في حين أن والدها هو الأمير علي. ولكنها تكبر دون نسب لاستحالة نسبتها إلى والدها الحقيقي. في هذا الفيلم نجحت مفيدة التلاتلي بكثير من الرقة والحس الفني المرهف في أن تنقلنا إلى العالم الحميمي للمجتمع النسائي. فصمت القصور ليس فقط قصة الطفلة المرفوضة علياء (الممثلة هند صبري) وإنما مجموعة من النماذج النسائية التي يجمعها مطبخ القصر وظروف العيش الشديدة. كلّ تحمل بصمت همومها كأنثى وتعاني تهميشا مضاعفا: الأول متأت من الفقر والثاني بسبب جنسها.

تتجنّب التلاتلي هنا الكليشيهات المعتادة. فمأساة علياء تتجلّى من خلال النظرات التي تتبادلها أمها الخادمة “خديجة” مع الخادمات الأخريات في قبو القصر أو مع علياء نفسها حين تلحّ عليها بالسؤال: “شكونو بابا؟” (من هو أبي؟) ولكن أيضا حين تلتقي عيناها خلسة بعيني سيدي علي (الأمير) الذي يبدو هو أيضا تحت وطأة النواميس الاجتماعية والأسرية التي تفرض عليه الامتناع عن ملاطفة ابنته لأنه أنجبها من خادمة.

هي مأساة مركّبة ناجمة عن تعقيدات المنظومة الاجتماعية وقوانينها الصارمة وليست المرأة فيها هي الضحية الوحيدة. تدرك البنت المراهقة أنها ليست يتيمة وأن والدها هو هذا الرجل الذي ترتعد له فرائص والدتها كلما ظهر في أرجاء المطبخ. ثمة حبّ ما جمع بين والديها فهي لم تأت كثمرة لعملية اغتصاب أو استغلال السيد لخادمته. غير أن هذا الحبّ يبقى حبّا محرّما وارتباطا ممنوعا ترفضه القواعد والتقاليد والأعراف.

هند صبري في فيلم "صمت القصور"

وعلى خطى مفيدة التلاتلي حاولت المخرجة رجاء عماري أيضا أن تغوص في أعماق سيكولوجيا المرأة. فقدّمت في فيلمها “الستار الأحمر” قصة مماثلة لفتاة شابة فقدت والدها وتعيش بمفردها مع والدتها. غير أنّ الصراع هنا مختلف. فالأم “ليليا” تحاول حماية ابنتها “سلمى” صونا لشرف العائلة ومستقبل البنت. فنقودها الأقدار إلى كاباريه حيث تقرّر أن تصبح راقصة. انقلاب مفاجئ وجذري في شخصية ليليا. غير أنه ليس سوى ردة فعل طبيعية من أرملة شابة كبلها المجتمع بقيود متنوعة: الدين والتقاليد والشرف وغيرها من القيود. إنه شدة الكبت الذي يولّد الانفجار.

والانفجار وقع عندما اصطدمت ليليا بواقع الكاباريه وعالمه الليلي الماجن. سحرها هذا العالم وجعلها تُعيد اكتشاف ذاتها من جديد. ولكن ولُوجها عالم الراقصات لم يجعلها تتخلّص من رواسب تربيتها المحافظة فواصلت التعامل مع ابنتها وفق القيم والقواعد ذاتها. تناقض حادّ في الشخصية يعكس انفصام المجتمع نفسه. وهذا ما جعل ليليا تعيش حياتها في الخفاء والخديعة للمجتمع ولكن لابنتها أيضا.

كوثر بن هنية هي أيضا إحدى المخرجات اللاتي توفّقن في إدراك هذا المستوى من المعالجة لقضية المرأة ووضعيتها داخل المجتمع. فيلمها “زينب تكره الثلج” (2015) رغم طابعه التسجيلي رصد بشكل متفرّد وجها من وجوه واقع المرأة التونسية من خلال قصة فتاة صغيرة (زينب) تفقد والدها في سن التاسعة وتقرّر والدتها الزواج من جديد مما سيُجبر الأمّ وابنتها على الانتقال للعيش في كندا. تغييرات كثيرة تحدث للطفلة زينب: اختفاء والدها، تعويضه بزوج أمّ ثم تغيير حتى البلد الذي تعيش فيه.

ولسنوات متتالية رصدت المخرجة أطوار الحياة الجديدة لزينب وأمها. حملتنا الكاميرا بسلاسة إلى قلب عالمهما الحميمي فتقاسمنا معهما أفراحهما وشكوكهما وأوهامهما وأحزانهما. رأينا كيف عانت زينب من إرثها الثقافي الذي حملته معها إلى كندا. مقاربة دينية متشدّدة تستسهل تكفير الآخرين لمجرّد أنهم مختلفون.

وآراء ومواقف لا مكان لها في بلد يقدّس الحريات الفردية. غير أنّ بن هنية تراجعت عن الكثير من هاته القدرة العجيبة على التحكّم في أدواتها الفنية حين قامت بتقديم فيلمها الروائي الطويل “على كف عفريت” (2017). فالفيلم استعاد كل المفردات الفنية للسينما التونسية المعروفة. وبالتحديد في ما يخص زاوية النظر إلى المرأة. إذ في هذا الفيلم المأخوذ عن قصة واقعية تعود شخصية المرأة لتصبح من جديد كائنا ثانويا يحوم حول شخصيات رجالية أكثر عمقا وصدقية.

ولكن هل نستطيع اليوم أن نتحدث عن سينما نسائية أو نسوية في تونس؟

ما من شك أن تونس راكمت تجارب مختلفة ومهمّة في مجال الإخراج السينمائي للمرأة. فمنذ فيلم “فاطمة 75″ لسلمى بكار توالت التجارب النسائية في السينما التونسية. فظهرت ناجية بن مبروك صاحبة فيلم “سامة” (الأثر) في سنة 1984 ثم كلثوم برناز بفيلميها “كسوة، الخيط الضائع″ و”شطر محبة”، بالإضافة إلى مجموعة من الأصوات الجديدة سواء في الروائي او التسجيلي. إلا أننا نعتقد أنه من المجازفة بمكان أن نعتبر أن أفلام المخرجات هي بالضرورة أفلام نسوية أو نسائية. كل هذه الأفلام لم تخلق سينما نسوية وإنما هناك تجارب سينمائية لنساء.


ناقد من تونس