شبحية النقد الثقافي

تحت الكثير من التطورات التي صاحبت هذا المفهوم، وتضاريس الأنساق الأدبية، ظل النقد الثقافي مصطلحا خارج التجلّيات اليومية، رغم أهليته في الاشتباك مع هذه الأمور، إلا أن عقلية الفارس العربي الأوحد، والبطل المغوار ظلت مصاحبة لهذا الأمر. الأمر الذي جعل من المواقف التكنوحياتية صعبة التعالي مع الفرد بل تكون معه في كل وقت وضد المصنفات المركزية، وبالتالي ظل النقد الثقافي ملاحقا لمركزيات حقيقية بعيدا عن المحاسبة، رافضا الهامش، محاولا إيغالها بسلسلة ترابطية تتشكل تحت ضغط الهامش والمعتاد. إنَّ جندرة النقد الثقافي أحالت الكثير من الأفعال صوب امتدادات أُضيفت إلى كينونتها الراسخة، بالفعل المفاهيمي النابع من نزعة خاصة ذات جوهر فكري يسمّى الأدب.

الجديد  أحمد ضياء [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(114)]

لوحة: أسعد عرابي
ما هو النقد الثقافي؟ لم يفت الأوان بعد لإعادة قراءة هذا الأمر، وتفكيك أعبائه التي أصبح الجميع ينادي بها بغير وجه حق، وهذا من شأنه العمل على تذويب كافة النقود لتصبح تحت هذه الطائلة، التي لا يكف الآخر عن التعكّز عليها، وبات التنمّط ضمن طيات مفرداتها الخصبة والرائجة، داخل ماكنة ما بعد الحداثة الميّتة. يشكل الخلاص ركنا أساسيا داخل هذه المنظومة من أجل العمل على إدراك الرقميات والتكنولوجيات التواصلية، التي من شأنها فضح السببية، والتأنق الزائد عن الحاجة، عبر ترابطية السستم العام.

يأخذ العطب النقدي تشكيله من النصوص المطروحة، والتي تعمد إلى إعادة صياغة أو / وتدوير أشكالها بثيم ورثتها من التصادم الحاصل بين القصيدة الكلاسيكية وقصيدة النثر، هذا النزاع الذي أخذ وقتا كثيرا، لأجل الفرز، وبيان أحقيات هذا النموذج. تتعطل الذائقة الموسيقية، ومن ثم يتعطّل النقد الثقافي معها ضمن حفاوة معيّنة، ولأنه مثار امتداد وتشتّت طويل المدى يبحث عن جذمور استقلالي، غير أنه يفشل بيولوجيا في مرحلة التطبيق.

إنَّ النقد الثقافي والدراسات الثقافية، بدآ يعانيان من نقص وشحة وضمور في عملية اختلاط الأجناس وتفكيكها ضمن طائلة أخرى مجاورة تسعى إلى فتح وقياس وإعادة تكريس نمطية لبؤرة المنهجية المتضخمة، والتي تأخذ من إنكارها للمواد هدفا للتعرف عليها، بحجة الثقافة الشعبية وآليات انفتاح المادة، أي الاعتناء بميكانيزمات البؤرة المركزية، كما في تناول الغذامي للمتنبي، وهي المعرقلات السائدة على هذا النموذج غير المثبّت أو المطبق بشكل صحيح.

لعل تحليل خطاب (النقد الثقافي)، والكشف عن المخبوء داخل النص هو الحد الفاصل في إنتاج مواد غير نهضوية، تتعامل مع مفهوم النقد على أنَّه إحالات صادمة يجري إنتاجها ضمن سلسلة معيّنة. أطياف النقد الثقافي ظلت تتراكم في الفترات الأخيرة، والذي حصل أنَّ الأفكار بدأت تعيد تشكيل ذواتها على حساب كافة التمرحلات، غير أنَّ هذا الفضاء قائم بفضل وجود بعد ما بعد الحداثة الآن، والمجحف في الأمر نسيان هذه النماذج، وترحيل كل ما هو آني إلى المراحل السابقة، بسبب عدم إدراك لهذه الحالات المتغيّرة.

ولعل ما حصل في ما بعد 2010 من تغيرات متلاحقة في المشهد الفكري ربّما شكل تحولا في ظل الخطاب القرائي العام ما يعني عدم الركون لغرف الفكر الأحادي، وهذه هي من حسنات الميديا، وكافة النهايات الفلسفية المتعاقبة. إنَّ أحقية الموت داخل هذا المنتج النانوي للثقافة تجلّت في إعطاء المفهوم الجديد، حافزا لمغادرة الخدّج الفكري، الذي تضع مفاتيحه المداليل المتغايرة والعامة في ذات الحين، وأقصد الحالات التي يعنى بها النقد الثقافي، وكذلك الأمر معكوس على الدراسات الثقافية.

تتمرّن المادة النقدية داخل هذا المستودع على مراقبة المعيشي واليومي والحاضر داخل البؤرة النظرية، في حين تترك تراكمات الجسد الحاصلة في (البلاستيك)، تلك الأكياس أو / والأغلفة التي تضم المواد العامة الاستهلاكية التي يتطلبها الجسد من اللَبسة الأولى، وما إلى ذلك. إذ أنَّ دور النقد الثقافي راح يدرس الجسد واختلافاته البيانية أي نوعية الأقمشة، وترك تلك الأكياس خالية دون الإشارة إليها في الشوارع.

بماذا تشعر حين تسير على أكياس البلاستيك التي كانت قبل لُحيظات أكثر استشرافا وذات حضور ماهويٍ من شأنها التعامل مع كافة المتطلبات المجاورة؟ الأكياس أبدان في كافة تمرحلاتها، وهي بكل تأكيد تكون معنية بالدراسة وخصوصا أن حضور النقد الثقافي يجدر به الارتحال حول هذه المفاهيم، وليس الأجساد ولعل كتابة “الغرافيتي” هي جزء من البيانات التي ترحل وتدخل ضمن هذه الأفضية الفكرية، والجدير بالإشادة أنَّ شبحية النقد الثقافي ظلت خارج السرب تنظر إلى كافة الحيوات تسحق وتكتفي ببذر أحاسيسها على أرفف مكتبية بالية. لا يمكن أن يقف النقد الثقافي مكتوف اليدين بل في الغالب عليه أن يشتبك مع التفاصيل بكل صغرياتها، وبالتالي يسهم في خلق إدراك خاص ذي أبعاد متناظرة، لكي يكون الأمر خاليا من أي نقائض مجاورة.

تتمفصل بيانات النقد الثقافي، بحسب الرؤية الحاضرة، وليس بحسب ما هو مكرس، فعلى ذلك ذهب الباحث محمد غازي الأخرس، إلى الاشتباك مع مفاهيم مركزية أطاح من البنية العامة للنقد الثقافي، وبذلك يعيد نفس الخطأ الذي وقع فيه الغذامي، بالمراحل التأسيسية غير أن المدشن الغذامي، بإمكاننا أن نتجاوز خطأه، بسبب فعله المركزي الخصب للتدشين، وهي سمة ينماز بها الخطاب الجديد، لعدم اكتمال الرؤية، إلا أن الأمر لا يجوز الوقوع فيه في اللحظة الراهنة التي بات فيها النقد الثقافي ذا حيّز مركزي في الخطاب التداولي اليومي.

ومن هنا يرشح لدينا أن حقوقيات النقد الثقافي أشكلت على ذاتها أو / وأشكل النقاد التعامل معها، مما أسهم في ذهاب أفكارها ومادياتها، وبحسب أي حضور ماهوي مغادر، وهنا ينقرض النقد الثقافي الذي لم يكن نقدا ثقافيا كاشفا عن الهامش والمخبوء بالثقافة والحياة، والتي بإمكاننا أن نعلن عن مرحلة جديدة في الخطاب النقدي الجديد المصاحب لأفعال بعد ما بعد الحداثة المتحوّلة، والتي بالإمكان أن تكون البديل النوعي لكل الأخطاء الفكرية التي وقعت فيها السابقة ولتجعل من كل الأفكار محط انتظار وتنظيم يفوق المتخيل الآني، بحيث تكون الاستراتيجيات مفعّلة بشكل أفضل، والأخذ بعين الاعتبار الحداثة وما بعد الحداثة، وعدم فرض الحدود أو القيود بين أشكالها الاختلافية. إنَّ شبحية النقد الثقافي اليوم باتت واضحة لجميع المنشغلين في يافطاتها التاريخية غير المجدية.

البادي في الأمر أن النقد الثقافي، ضمن متحفية كافة الأفعال النسقية الساكنة لا يمكن الاعتماد عليه داخل منظومة الرقمنة الجديدة، وبذلك تتشدّد الأوهام بحسب المكونات المصاحبة لهذا الحصول الكلي والجزئي للمادة. ولنا في هذا الأمر مقولة فتجنشتين “على المستوى النقدي ليس هناك تقدم، إنَّما يمكن استبعاد بعض الطرق الفلسفية (النقدية الحاضرة) باعتبارها فقدت شرعيتها.. ويمكن أن يتضح أنَّ بعض الأفكار الفلسفية، غير ذات معنى” آلان كيربي. وبهذا يتدحرج النقد الثقافي ليدع الباب مشهرا أمام الأفكار النقدية الجديدة المغادرة له.


شاعر من العراق