رغوة الأبديّة

الجديد  محمد ميلاد [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(122)]

لوحة: فادي يازجي
القتلى يتذكرون

حين تخبّطوا في وحل أرواحهم وفَرَّتْ من حولهم الضفاف،

ثقبوا مراكبَهم وفَتلوا من التيار حبالا. صنعوا من اللجة أشرعة

واستمسكوا بخط الأفق. لم يأبهوا بالوميض الذي حدّق في أعينهم.

ما عاد ينعشهم رمل الجُزر ولا الألم الذي ينضح من المجاديف.

أشفقوا على الضجر من جذوة دفنوا فيها رمادهم واستظلوا

بأضلاعهم. لم يتوقعوا أن يلامسوا في القاع جذور أصابعهم.

نزحوا إلى آخر قطرة مرايا الزرقة التي اقتنصت أجنحة حلقوا

بها في الأساطير، حتى انكشف غدُهم. وما إن فتحوا أعينهم

في حلكة الأعماق حتى وجدوها مثلما هَجَسوا، ناصعة البياض،

فتذكروا جراحَهم التي أثخنتِ الصخورَ، وغبارَ نجم آفل حط

على نافذة وسّعَها الذهول. قد لا تكون شفاههم التي لا ترتوي سوى

شفرات الموج التي يسنها عزفُ الرياح، لتنكسر على شواطئ

لم يَحْدُسْها صمت.

الحِرباء

تَدُور العين وتنقسم النظرة بين الأرض والسماء:

الشجرة أنقاضٌ والشمسُ هشيم…

لم يَدْرِ في أيّ لون محا الأخضرَ الباهت

إذ أنعَشَته بهجة النقصان!

رغوة الأبديّة

في أقصى الحُلكة أشرق وجهه المغلق، بين الحجر والبلور،

تاق إلى أنفاس لا تطهّرها لوثة الكلمات وإلى مرآة كدِرَة كمثل بئر

لا يُنزَحُ ماؤُها. في هذيانه تسبح غزلان عمياء يلمِسُ قرونها ولا

يُمسِك بها. تخاتله الظلال لكنها لا تَهْدِيه إلى كمين.

حتّامَ يؤجِّل صوتَه المتعرّقَ في الصّوّان وصرختَه التي

جعّدَتْها المراثي. ماذا جنى من جذوة أطلقتْ سراحَ الريح.

لا تزال الصخرة نفسُها التي تضخّمتْ في منحدرات الصمت

تسدّ العتبة، لم تزحزحها لعلعة السراب.

عندما قرَّبَ الغيمةَ إليه برقٌ خاطفٌ، لم يقطف غيرَ أصابعه.

نام في عطش اللون الذي لا يُرْوَى، ليؤنِسه

دمُه المتوهّجُ في عروق الرّخام: رغوةِ الأبدية!

الأفعى

مثلما تُمَوَّه بزّة الجنديّ بالبرقشة أو تمحو العينُ بقعة على الجسد

من فرط ما تألفها، تَكمن بين أوراق الشجر أو نبت الحراج،

ولا تكشفها سوى حركتها، فتجازف في ظهورها الفاضح

في العراء كأنما يُجفّلها عريُها، وتنسلّ كالدليل السّاطع من اللايقين

أو كأنها نزلت لتوّها إلى الأرض لتنساب نحو أقرب مسرب،

ما لم تُضطرَّ للتوقف ونشرِ عنقها لتهسَّ منذرة حين يتعرّض لها

نِمْسٌ أو قَعْقَبٌ أو إنسان. وإنْ أفلتتْ توارت بأسرعَ من الطرْف.

لكنّ صورَتها تظلّ عالقة بالذهن ومن المستبعد إنْ تَطوَّتْ في

جحر خروجُها إذ لا يوجد حيوان أصبر منها على الجوع…

بخلاف العصافير التي تلوح كالخواطر فجأة، ولا تحط إلا لتطير،

فإنّ الأفعى كمثل الفكرة في النهاية، قدَرُها الأرضُ حيث تغيّر

لونَها وجلدَها وتتعقب فرائسَ أكبر من رأسها ملعلعة بلسانها

المشقوق.

يربّي الإنسان في دماغه آلهة يموت في سبيلها.

لكنّ الأفعى تُعلِّمه الجرأة على نسيان السماء،

كي يولد من جديد…


شاعر من تونس