أفلام المرأة في الألفية.. إطلالات ثورية وحالات شاعرية

هل وطأت عزيزة أمير وهي أول منتجة ومخرجة مصرية في فيلمها الأول الصامت “ليلى” عام 1927 الذي كانت بطلته أيضا، والتي قال لها الاقتصادي المصري الشهير طلعت حرب “لقد استطعت يا سيدتي تحقيق ما لم يحققه الرجال”؛ هذا العالم واجترأت عليه فقط لكونها امرأة، أم لأجل تحقيق كينونتها الإنسانية، أم للتعبير عن كينونتها النسائية؟ وهل خطر ببالها من الأساس أي من هذه الأسئلة حين أخذت من المسافات موقع المقدمة لفن جديد، في وقت كان يحتم على المرأة حساب المسافة من كل شيء؟

الجديد  أمل ممدوح [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(130)]

لوحة: بشير قوشجي
كانت عزيزة أمير أولى رائدات السينما المصرية ثم تلتها كثيرات أثرن بهذا الفن مثل بهيجة حافظ ومثل آسيا داغر التي أنتجت فيلما تاريخيا أيضا عن امرأة “شجرة الدر” واضعة فيه كل ثروتها، تلاه فيلم “الناصر صلاح الدين” وبطله هنا رجل والذي لم تجن منه ربحا يذكر، وماري كويني صاحبة أول معمل ألوان بالشرق الأوسط وغيرهن، ففيم كانت تفكر عزيزة أمير ومعاصراتها من الرائدات أو التاليات لها؟ هل استحضرن النوع في حساباتهن أم داهمهن الشغف المماثل للرجال وإن اختلفت نكهاته لديهما؟ هل كان إفراز قضايا المرأة بديهيا لكون النوع يفرز عالمه كجزء ومكون إنساني لا واع صار واعيا أم تصنيفي متعمد؟ أم صار كذلك؟

نفس الأسئلة يستدعيها التصدي لمصطلح أو مسمى “سينما المرأة” فهل هي السينما التي تدور حول المرأة كنوع إنساني، أم تلك التي بطلتها امرأة، أم تلك التي صنعتها امرأة، أم هي التي تتحدث عن قضية تعاني منها المرأة وتخصها حتى لو كان صانعها رجلا؟ إنه جدل سائد طرحه سواء بين صناع ونقاد السينما أو الجمهور، ساده التنقل بين مفهوم التحيز النسوي في موضوعه وقضيته وشخصيته أو شخصياته الرئيسية أو انتساب لصانعة أنثى مخرجة كانت أو كاتبة تعود واعية أو غير واعية لإفراز عالم نوعها ونكهته الخاصة بشكل أو بآخر في أفلامها، وربما تكون المرأة بذاتها ككائن يموج بعنفوان من التناقضات وروح حياة متحركة؛ جاذبة بذاتها للتناول الدرامي كما تنبه الإغريق والرومان في مسرحيات عنونوها فقط باسم بطلتها.

والحقيقة أن مسمى “أفلام المرأة” إن نسب لمجرد جنس صانعاته دون إطلالة حقيقية لقضايا وروح المرأة وكينونتها لكان مسمى متعسفا عنصريا أيا كان جنس مطلقه، لذا فمن الأقرب منطقا وصوابا اعتباره مقترنا بهذه الإطلالة، ومن هذا المنطلق سنتتبع في دراستنا مرحلة محددة نرصد فيها أفلام المرأة بهذا المفهوم لصناع رجال ونساء مستعرضين كيفية التناول في كل منها، فنتناول نماذج أفلام جادة في السينما المصرية أنتجت في الفترة من مطلع الألفية وحتى الآن لعدد من أهم المخرجين والمخرجات لإلقاء الضوء على طبيعة هذه الأفلام وأهم ملامحها وأفكارها ونمط المرأة السائد فيه.

الباحثات عن الحرية

بعد أول أفلامها في مطلع الألفية “مذكرات مراهقة” عام 2001، تكمل المخرجة إيناس الدغيدي بفيلمها التالي له “الباحثات عن الحرية” عام 2004 المأخوذ عن قصة “غابة من الشوك” للكاتبة السورية هدى الزين بسيناريو وحوار لرفيق الصبان؛ نقلة أكثر وضوحا لرؤيتها الثورية لعالم المرأة بالتركيز على فكرة الحرية والتي تنوي ضمنيا في الفيلمين على تحريرها الجنسي كجزء من تحرير كيانها وإرادتها، و”الباحثات عن الحرية” قد لا يكون أجود أفلامها بل على العكس فهو شديد التواضع نسبة لغالبية أعمالها، لكنه أكثر وضوحا في خطه وفكرته التحررية للمرأة في العموم لا إزاء قضية بعينها، الفيلم مصري لكن موضوعه يتسع ليشمل المرأة العربية في عمومها والتي تشترك أينما كانت في القيود وشكلها اللسان أو الأسلوب، هنا ثلاث نساء عربيات يلتقين في باريس، أتين سعيا أو تحقيقا لحرية أعيقت أو افتقدت في بلادهن، جئن هاربات إلى الحرية التي يحققها لهن بلد أوروبي خارج المنطقة العربية التي تبدو قاهرة مكبلة لنسائها على الأخص وربما لرجالها بشكل آخر، سعاد (سناء موزيان) مغربية أحبت جارها فكاد إخوتها الرجال أن يقتلوها ففرت منهم إلى باريس حيث لا يستنكفون قبول أموال منها لا يعلمون مصدرها رغم مقاطعتهم لها في إشارة واضحة إلى البرغماتية وازدواجية الرجل العربي.

إلا أنها لكونها اعتادت الوصاية الذكورية كان فرارها لأحضان عربي مستغل آخر.. مغربي أيضا يحاصرها كما لو لم تتحرك، تاجر كبير السن صاحب “بوتيك” يستغل جسدها ويفرض وصايته الكاملة عليها وعلى كل تصرفاتها، مقابل توفير مسكن لها وإنفاقه عليها بسلطة المال هنا لا سلطة الدم. تبدو مستسلمة خاضعة وكأنها لا شعوريا أدمنت القهر حتى وهي تفر منه، وهذا الملمح أراه الأفضل في الفيلم. فقصتها الأفضل بناء بين قصصها، عايدة (داليا البحيري) فنانة تشكيلية مصرية ناجحة، جاءت إلى باريس في بعثة بسبب تميزها، دفعت ثمنها بالحرمان من ابنها والانفصال عن زوجها الذي يغار من نجاحها، فمنع ابنهما عنها في محاولة لعرقلتها مسقطا غيرته في تهمة جاهزة لها بالأنانية والإهمال له ولابنها، لكن عايدة أصرت على الذهاب وعدم الخضوع رغم ألم حرمانها من التواصل مع ابنها، فالحرمان هنا سلوك عقابي ذكوري إزاء نجاح المرأة وتمسكها بحريتها كما يعرض الفيلم، أمل (نيكول بردويل) صحافية لبنانية أتت هاربة من ويلات الحرب اللبنانية وقد عانت فيها جسديا ونفسيا وفقدت فيها حبيبها فريد الذي لم تستطع نسيانه. صدمتها من العنف والقهر اللذين تعرضت لهما جعلتها تلجأ لتنمية قوتها البدنية بممارسة لعبة الكاراتيه، وتعزيز آليات الدفاع الحاد المتحفز عن نفسها جسديا وسلوكيا، لتبدو قوية صارمة، حتى تتحرر مساء من وعيها الثقيل، فتنفس عن مكبوتاتها بالخمر وبعلاقات جنسية سادية ومازوكية في آن واحد، تخضع فيها وتتحكم معا بوعيها الممتلىء بالألم والكبت. ربما هذه القصة كانت أقلهن اتساقا مع سياق الفيلم، حيث الفيلم الناقد لإفرازات الحياة العربية المؤثرة في النساء، لن تضيف له بحق قصة حرب واضطهاد ناشىء عنها قد يحدث في أي مكان في العالم، حتى باريس.

في الفيلم ثلاث نساء شابات في عمر متقارب مختلفات في الجنسية والمهن، اثنتان منهن تتشابهان في موقفهما الصامد المتمسك بالحرية، فلا تنوع كبيرا في مواقفهما المتخذة إزائها ونموذجيهما الطليعي، ثلاثتهن في ماضيهن رجل مفقود أو مضطهِد، وفي حاضرهن رجل ينتظر، كلهن أصلحن حياتهن بخيار الحرية والتمسك بها في النهاية، فسعاد تخلصت من الثري الكهل المتحكم بها واتجهت للفرنسي الذي تميل له ويحبها بإشارة سريعة لإسلامه بقراءته الفاتحة معها. فمهما كان حجم التمرد، لا شيء يكسر تماما التقليدية في مسار الأحداث التي تسير نحو الحلول المنضبطة والنهايات السعيدة للجميع. وتعود عايدة إلى مصر لمواجهة زوجها السابق بحقها في ابنها وتستطيع استرداده مع الاحتفاظ بحبيبها كمال (أحمد عز) في باريس بلقاءات كيفما اتفق، أما أمل فبعدما أحبت عمر (هشام سليم) يعيد لها الأخير حبيبها السابق المفقود في الحرب دون تفسير، لتكون من جديد قصة أمل أضعف القصص ومظهر انتصارها الأخير لحريتها يكمن فقط في قتلها الثري ذي النفوذ الذي حاول استغلالها.

هناك أفلام تتخذ من حالة الأنثى نفسها والحفاوة بروحها موضوعا، على رغم اختلاف الطرح والأسلوب. مهما اختلفت التفاصيل تظل فيها حالة الأنثى وحضورها أكثر ما يهيمن عليك

ورغم الدوران في فكرة الحرية إلا أن الإطار السردي بدا مدرسيا سيمتريا ببناء تقليدي إلى حد كبير بحبكات غير مشبعة مما يسطح القضية ويخلق شعورا بالافتعال القصدي لبث فكرة مسبقة، لكن تبقى الأهمية للفكرة العامة والمواقف المتخذة إزاء أزمة الحرية وتحققها، وأهمية الإشارة إلى اشتراك المرأة العربية تحديدا في قهر واحد وإن اختلفت أماكنها؛ يدور بها في فلك التعاسة، وإن قويت واستشرست، وإن فرت حتى باريس. أما ملمح الحرية الجنسية هنا فكان قاسما مشتركا أيضا في الحكايات الثلاث بتنوعات استخدامه، وقد أحسن استخدامه بشكل يجعله مصاحبا للدراما نابعا منها، فسعاد من ثار عليها إخوتها من حب بريء لابن الجيران آلت بفرارها الخائف لأن تكون وعاء جنسيا لمستغل من نفس بلدها تسلم باحتباسها لديه بإرادتها، وعايدة تمارس حريتها الجنسية في إطار بسيط لمشاعر حقيقية، مما بدا كنوع من التصالح مع الذات مع من يبادلها نفس النظرة للأمور. أما أمل فحريتها الجنسية كانت تنفيسا عن عقدها النفسية وتفريجا لها، فلم نجد إشارة إلى استخدام الجنس لمجرد اللذة البحتة، فلا ادعاء لحالة نموذجية للحرية ولا استدعاء أيضا لحالة متطرفة لها، بل إنها هنا جزء من ممارسة الإنسانية بما فيها حق الخطأ والتنفيس والاختيار، وإن ظهرت نماذج في أول الفيلم لنساء تطرفن في الحرية، كما تطرف بهن الكبت في بلادهن. ويظل الفيلم استمرارا لتقديس حالة الحرية كحق منزوع من المرأة العربية، تسعى وتناضل إيناس الدغيدي بصمود في اكتسابه طوال مشوارها الفني.

إحكي يا شهرزاد

في هذا الفيلم للمخرج يسري نصرالله ووحيد حامد مؤلفا عام 2009، تتسرب فكرته الناقدة بدءا من تتره الذي يصور رسوما غرافيكية تتراوح بين بعض ثمار الطبخ وخضرواته المستديرة كرموز مزدوجة الرمزية الأنثوية في استدارتها وفي كونها ثمارا للطبخ المرتب عادة بالأنثى، فنرى ثمار البصل والطماطم مع شوَك طعام برؤوس حادة وخط مستقيم توحي بتجريدها الخطي بالذكورة، تنغرس هذه الشوك في الثمار ثم تشكل بعدها العلامات الرمزية للوقت في دائرة الساعة فتبدو كمن تحاصرها وتدور داخلها عقارب الوقت، بإيحاء بدائرة لا متناهية من القسوة والعنف المستقر في دورانه ودوامه، لتبدأ الحكاية، لدينا شهرزاد حديثة بإطلالة وشقة عصرية وحكايات معاصرة لكل منها شهريارها الذي يفزع غفوتها بمسروره إذا ما تراخت للأحلام، شهرزاد الفيلم لا تحكي لشهريار بل عنه، فهن عدة شهرزادات، مع راوية تتيح البوح لأخريات، لتنتقل في النهاية من راوية للحكايات الأخرى إلى حكاية جديدة وشهرزاد جديدة، وكأن كل امرأة لديها ما يجب أن يقال، في عنوان يمثل جملة تحريضية للبوح وعدم السكات “إحكي يا شهرزاد”، هبة يونس (منى زكي) مذيعة مشاكسة تعنيها الحقيقة وأدبياتها. ثورية جريئة، بينما تعري الحقائق في عالم السياسة، لا تعرف الكثير عن حقيقة من يعيش معها، زوجها كريم (حسن الرداد) الصحافي في إحدى الصحف القومية، يقنعها بالتحول عن مواضيع السياسة حتى تتم ترقيته لمنصب رئيس التحرير لجريدة قومية، ترضخ رغم المقاومة، وتتجه لتقديم حلقات عن المرأة وقصص اضطهادها، والتي تلوح بين طياتها السياسة دوما بشكل أو بآخر، تحركها قصة لم تستضفها عن فتاة تلقب بـ”سلمى حايك المصرية” تعمل في محل لأرقى الماركات العالمية للتجميل، تخبرها عن انقسامها لاثنين بموجب التضاد بين بيئتها شديدة الفقر وعالم عملها، فهي بلا حجاب نهارا بينما ترتديه فور خروجها من العمل بوطأة القهر الاجتماعي، فهي تضعه مكرهة مؤثرة السلامة، تبرهن لها على ذلك باصطحابها معها في رحلة للمترو حيث تصفع فيه هبة نظرات احتقار النساء أنفسهن لها، فتضع الحجاب أيضا مذعورة بوطأة هذه النظرات، لتسير الإثنتان معا ونراهما من الخلف بنفس الهيئة والمشية تتساويان في سطوة هذا القمع رغم اختلاف الإثنتين طبقيا وثورية ورقي شخصية هبة، فالمرأة بدت جزءا من عوائق حرية المرأة ذاتها.

تستضيف هبة في برنامجها ثلاث نساء في ثلاث حلقات لتتقاطع حياتها مع فواصل قصصهن في مونتاج متواز لتبدو تجميعيا كمن تسير بالتوازي مع مصيرهن، من دون أن تدري. القصة الأولى بطلتها أماني (سوسن بدر) التي آلت لمصحة نفسية وقد ذهب شبابها الذي كانت فيه فائقة الجمال مرغوبة، لكنها رفضت أن تتحول لسلعة، فهي أبية مستنيرة بما يبدو سببا كافيا بواقع ذكوري مادي عايشته لوجودها بمصحة نفسية في آخر المطاف، حيث تروي عن فضل الله (حسين الإمام) أحد المتقدمين لزواجها فيفرض شروطه مستغلا فرصة مضي العمر بها، شروط تبين خبايا تفكير ذكوري يبدو سائدا، حيث يستدعي الرجل فكرة حق القوامة في ما يخص سيطرته على المرأة في كل شيء متغاضيا عنها في إنفاقه ورعايته، ليكون كل ما يقدمه لها مسكنا تفرشه وتخدمه فيه، وفراشا يرى نفسه فيه مانحا لا مشاركا، في نقد لنموذج منتشر من الرجال الشرقيين يسلعون المرأة ويطالبونها بشكر الاستخدام، قدمت هذه الشخصية بشكل يدفع لتأمل متفحص لوجهها المجرد بإظهاره لزوجته بابتسامته الفاترة وتعبيراته المصنوعة المتبلدة وإيقاعه الخالي من الروح وهو ما أتقن أداءه بشكل كبير حسين الإمام.

الحكاية الثانية لثلاث شقيقات (رحاب الجمل، نسرين أمين، ناهد السباعي) ترويها أكبرهن بعد خروجها من السجن بتهمة القتل، يأخذنا السرد مخفيا عنا شخصية القتيل، فيجعل المشاهد يستبعد شكوكه إذا ما بدت تجاه الشخصية المستحقة للقتل، كنوع من مؤازرة راوية الحكاية وبطلاتها في صدمتهن في النهاية، وإبراز حجمها لتحقيق تعاطف تلقائي معها ومعهن، في حبكة تذكرنا بمسرحية “لوركا” الشهيرة “بيت برناردا ألبا” حيث هناك واقع أنثوي مجدب لثلاث بنات فقدن الأب تضاف له الأم هنا، مضى بهن الزمن بلا زواج، بلا زوج، بلا أب عائل، بلا رجل، ليصبح أقل الرجال جائزة يتنافسن عليها، في تجسيد لحالة الجدب إزاء حياة تسكن الأنثى بطبيعتها تسعى للانطلاق، لكن القيم العربية تحدد تحققها بواسطة الرجل، فهو السند والحماية وبوابتها الشرعية للاستمتاع بالحياة، مما بذاته يشجع بقوة على الاستغلال الذكوري وإن كان هنا من خادم وأجير، هو سعيد الخفيف (محمد رمضان) العامل في ورشة حدادة والدهن، الذي يبدو شهما مستكينا كحمل بينما نفاجأ بوجهه الذئبي في النهاية، فيتلاعب سعيد بالشقيقات الثلاث لحد معاشرتهن جنسيا جميعا دون علمهن بذلك.

يذهب بنا الفيلم لحالة من التعاطف إزاء هذا الضعف والحرمان وفقر الأمل متصاعدا بنا نحو المفاجأة وصدمتها التي تبرر قتل الأخت الكبرى له، بعد اتضاح الحقيقة في مشهد شديد العنف.

أما القصة الثالثة فصاحبتها ناهد وهي طبيبة أسنان ناجحة (سناء عكرود) تقع ضحية خبير اقتصادي، محمود حميدة، محتال متخصص في التحايل على الأرامل والمطلقات لابتزازهن، يبهرها بمركزه وإعجابه بها وتعجله للارتباط الرسمي لحد عقد القران، فيغويها قبل إتمام الزواج حتى إذا ما حملت شكك في صاحب هذا الحمل، مدعيا العقم وملوحا بفضيحتها لابتزازها الذي تخضع له رغم شرعية زواجهما مما يبين مدى وطأة الحكم الاجتماعي على المرأة حتى إن كانت هي الضحية، لنصل أخيرا بالحكايات إلى الراوية نفسها التي تصبح هي الحكاية الجديدة، حين يحمّلها زوجها الوصولي المناقض لشخصيتها مسؤولية عدم ترقيته بسبب برنامجها “المسيء لسمعة مصر” والوزراء الحكوميين، ليتصاعد التوتر المبني كقطع الثلج الحادة إلى عنف جسدي شديد يسيل دماءها، لتظهر الشخصية العنيفة الراقدة وراء فتوره الانفعالي ومهادنته الماجنة، ليبدو وجهه الآخر ككل شخصيات الرجال في القصص، الذين صوروا كمن يفهمون تماما مواضع ضعف المرأة فقط لاستغلالها بالعاطفة واستخدام الجنس عاطفيا سواء لأغراض مادية أو لغايات أخرى، فتمت غوايتهن كلهن بمسمى شرعي اجتماعيا ودينيا هو الزواج أو الوعد به، مما يشير إلى وصولية ذكورية وانفصام اجتماعي، ليرصد الفيلم بمهارة مواطن المرض والخلل في التفكير الاجتماعي، واضعا يد الشفقة على مشاعر الأنثى الداخلية ومحذرا لها من صمتها، ويد الإدانة للفكر الذكوري، في سرد حيوي متدفق غذته موسيقى تامر كروان ببلاغة دون إسراف، بلمسات شجن هادئة وسط إيقاع نغمي متدفق كسريان الحياة، يتماشى مع الإحساس الذي تعكسه فكرة الساعة المستديرة كحالة أنوثة التي ظهرت في التتر وتبدو منتظمة الدوران، وإن كانت محاطة بالشوك الحادة، مع حركة كاميرا جذابة بزوايا غير متوقعة، وملابس أكثرها تراوحت بين الأبيض الآمن والخافي للأعماق والأحمر الثوري زيا أو في لون أحمر شفاه هبة دائما، مع تسريب نقد سياسي يحيط بكل الحالات دون الاستغراق المباشر فيه والإشارة إلى كون كل ما يحدث يرتبط ويتصل بالسياسة بشكل أو بآخر وينبع من فساد عام، مما يربطنا بمدخل الفيلم الذكي بحلم هبة حيث تتجول الكاميرا ليلا في منزلها الساكن إلا من أصوات الحركة التي لا نراها كحالة الفيلم التي تخفي الحقيقة تحت جبل ثلج وكأنها تفتح عينيها في الظلام، مع صوت طفل تتمناه ويحرمها منه زوجها، فالعلاقة غير الحقيقية علاقة عقيمة لا تنجب، وتتجول الكاميرا في الحلم في منزلها لنراه منفتحا على بعضه بلا أبواب في ظلام، لتصرخ مستيقظة “مفيش أبواب” فكل أبواب الحياة منفتحة على بعضها وتنفذ إلى بعضها كما تؤثر السياسة في كل شيء وكل القصص وفي الحياة كما يشير الفيلم كثيرا.

678 ثورة دائرة التفريغ

من رقم أوتوبيس نقل عام متخيل “678” اتخذ المخرج محمد دياب عنوان فيلمه الروائي الطويل الأول عام 2010 الذي ألفه أيضا، حيث يتسبب الزحام بما له من دلالات اقتصادية في أغلب حالات التحرش بالمرأة والذي اختاره قضية لفيلمه، منطلقا منه لنقد حال اجتماعي وسياسي أعم مسؤولية عن إفرازه، مختارا أرقاما متتالية صاعدة تعدت المنتصف نسبة لذروة عشرية يتجه لها العد كما قنبلة تتجه لتوقيت انفجارها الزمني، بدلالة تحذيرية واضحة وذكية. هناك ثلاث نساء من طبقات مختلفة في أعمار متقاربة نوعا ما وإن كانت إحداهن في بداية الشباب، تتعرض ثلاثتهن لحوادث تحرش بأشكال مختلفة ليجتمعن في دورة للدفاع عن النفس مدربتها إحداهن “صبا”، متخذات قرارا بالانتقام من النماذج المماثلة للمتحرشين في المجتمع، هن فايزة (بشرى) وهي موظفة من طبقة بسيطة محجبة ومتزوجة ولديها أبناء، تعاني وسواسا من التحرش لكثرة ما تعرضت له في الأوتوبيسات، فصارت لا تستقل إلا “التاكسي” رغم إرهاقه المادي لها ولأسرتها، صبا (نيللي كريم) فنانة ومصممة حلي وزوجة لطبيب (أحمد الفيشاوي)، تعرضت لحادثة تحرش في الاستاد أثناء هتافها باسم مصر مع زوجها، ساءت بعدها نفسيتها وعلاقتها بزوجها لتبدأ في تقديم دورات لتدريب النساء للدفاع عن أنفسهن، ونيللي (ناهد السباعي) فتاة استاند آب كوميدي مخطوبة، وقد تعرضت لحادث تحرش أمام منزلها.

اختار الفيلم قضية تتعلق بالمرأة بشكل مباشر، من حيث استغلال أنوثتها وإهانتها وجعلها محطا لتنفيسات أمراض مجتمع متداخل المشكلات، حيث يصب اليأس والكبت وعدم القدرة النفسية في أمراض التحرش، التي قد تصيب في النهاية حتى من بدا سويا كزوج فايزة (باسم سمرة) الذي هجرت فراشه بسبب تعبها النفسي من متحرشين آخرين، في الوقت الذي تسبب نفقات ركوب فايزة التاكسي العجز عن دفع مصاريف مدارس أبنائها الذين يدفعون الثمن من جديد. فنحن باستمرار نجد أنفسنا في حالة دائرية متصلة من المشكلات المتوالدة التي تصب في بعضها، فالكبت عادة تدفع ثمنه أضعف الفئات التي قد تفرز بدورها قهرا اجتماعيا آخر للتنفيس تدان بعده لتصبح من جديد في دور الضحية المكبوتة التي تسكت خوف البوح والفضيحة، فيذيق الفيلم الرجال المتحرشين أيضا سطوة القهر الاجتماعي، خوف الخزي، فهم يخشون الإبلاغ عن النسوة المنتقمات منهم بإيذائهم في مواضع شهوتهم. يتعرض الفيلم كذلك للتفكير الرجعي، وكونه جزءا أساسيا من مشكلة التحرش وانتشارها بعدم الردع، لسهولة إدانة المرأة لسلوكها أو مظهرها في كل الأحوال، بما فيهن فايزة إحدى ضحايا التحرش نفسها التي تدين زميلتيها وتحملها إلى عدم ارتداء الحجاب نتيجة ما يحدث، لترى أنها وأمثالها من المحجبات من يدفع ثمنه، ولتفاجأ بزميلتها في العمل المحجبة في موقف التحرش راضية به كتفريغ لكبت آخر، ويتسبب رأيها في شعور بالذنب لدى صبا التي تقص شعرها الطويل بقسوة بينما كانتا الاثنتان ضحية نفس السلوك وإن اختلفت ملابسهما، نشعر بشرارة عنف وبقسوة تشوههن جميعا، ونرى تبدلات واضحة للشخصيات وأبرزها حالة صبا التي توقفت بعد الحادث عن صنعها لحلية لرجل وامرأة يرقصان في مشهد افتتاحي بدا كلوحة رقيقة زادتها موسيقى هاني عادل الموفقة رونقا، ما يتزامن مع ما آلت إليه علاقتها السعيدة بزوجها من تعاسة بتخليه عنها ثم إجهاضها، إلى جانب تحولها لمدربة ألعاب عنيفة للحماية والانتقال من تشجيع مصر لتشجيع زامبيا انتقاما من ضياع حقها، ثم قص شعرها الطويل في نهاية الفيلم كحالة ذبول متصاعدة نبعت من تجربتها العنيفة مع التحرش، فبالظلم تحولت الأشياء الرقيقة إلى حادة عنيفة، مع حصار بصري نشعر به في عالم البطلات خاصة فايزة التي عادة ما تكون ضمن منظور بصري ضيق يبديها منعزلة، فكثيرا ما تأتي لقطاتها في المنزل من خارجه أو من خارج غرفة تواجدها.

يتقاربن وتذوب حواجز العداء في ما بين بعضهن، يتذكرن التزين المنسي تحت السواتر، يضحكن ويغنين، فينتعشن كما لو أن الحياة أخذت تدب في جسد ميت كان يبدو حيا

الفيلم اتخذ أسلوبا واقعيا يبدو توثيقيا سواء برصده للقطات واقعية يومية أو بكثرة مشاهد الشارع والزحام أو لقطاته التي تبدو تلقائية دون تأنق بكاميرا أحمد جبر، خاصة مع إعلانه في تيتره بأنه مستوحى من عدة قصص واقعية، معلنا بهذه البداية انطلاقه نحو المرأة من الواقع الاجتماعي ليواصل من خلال إحدى قضاياها النقد الاجتماعي، خاصة عبر استعراض محيط الضحايا بما في ذلك موقف الرجال الثلاثة، بسرد جيد ينتقل في بدايات الفيلم من حاضر إلى ماض موصول بالحاضر من جديد، كنوع من جذب الانتباه لحالة حكاية، مع تنوع وتنقل جيد بين الحكايات الثلاث في ظل ربطها بواقعها الاجتماعي وتصاعدها، بما يبرز القضية وأثرها النفسي في ضحاياها. هناك أيضا تنوع مناسب في النماذج المقدمة سواء النساء الثلاث أو رجالهن الثلاثة ومواقفهم بين متخل أو داعم أو غافل، أو في مواقف الشرطة في الفيلم بين أمين شرطة متواطىء مع الذكورية الاجتماعية والضابط عصام (ماجد الكدواني) الذي يتعاطف مع المذنبات، لكن رغم هذا الإتقان في البناء نستشعر روح الصنعة في الكتابة بهذه السيمترية؛ نموذج مختلف من كل شيء، مع حالات تبدو بعضها إما ملفقا لصالح اكتمال البناء والقضية المختارة، وإما مبالغا أحيانا، كما هو الحال بالنسبة لبعض حوادث التحرش التي تبدو مفتعلة الحدة كحادث نيللي وتطوره المبالغ فيه من قبل الطرفين، وكذلك حالة تحرش صبا أمام زوجها بعد المباراة وردود الفعل النفسية الحادة بالنسبة لطبيعة المشهد الذي رأيناه. وما رأيناه أيضا في معظم الحوادث خاصة في ظل اتفاق النساء الثلاث على الانتقام، فبوجه عام اتسم الفيلم رغم انضباطه الحرفي، بنبرة ثورية زاعقة، وحدة متأججة ساهمت في تساوي الجميع أمامنا في العنف، ضحية وجان، مما أرجع حالة التعاطف الفعلي بضع خطوات، ليبقى تعاطفا نظريا افتراضيا، لكن الفيلم يبقى دافعا ومحفزا لتحريك مقاومة المرأة وإيجابيتها في رفض ما يهينها والدفاع عن كيانها.

أفلام أنثوية

هناك أفلام تتخذ من حالة الأنثى نفسها والحفاوة بروحها موضوعا، على رغم اختلاف الطرح والأسلوب. مهما اختلفت التفاصيل تظل فيها حالة الأنثى وحضورها أكثر ما يهيمن عليك، فالأنثى وتأثيرها الكوني وبحثها عن نافذتها الأثيرية هي جوهرها وبؤرة نظر هذه الأفلام، ومن هذا النوع لدينا عدة أفلام يمكن ذكرها نسوق منها هنا:

خلطة فوزية

فيلم للمخرج مجدي أحمد علي إنتاج عام 2008، مصاغ بقالب واقعي كوميدي، يقترب من حالة فانتازية حرصت هناء عطية مؤلفة العمل على إنجاز حبكة واقعية مقنعة، حيث البيئة الشعبية المصرية بتفاصيلها حاضرة، لكن بشكل غير مأساوي التأثير، على رغم مأساوية تفاصيلها، وهو الأمر الذي يرجع لطبيعة شخصية البطلة فوزية وخلطتها الشخصية الخاصة التي شكلت عنوان الفيلم، في حالة متخيلة لامرأة تجمع حولها أربعة رجال بإرادتهم .. يدورون في فلكها، رغم طلاقها منهم وزواجها من أحدهم في حالة كاركاتيرية تحاكي حالة مناقضة يجمع فيها الرجل أربع نساء، ليصبح الوضع هنا طبيعيا ومنطقيا بمذاق فانتازي. هؤلاء الرجال يرضخون راضين بما تقرره وتنتهجه فوزية (إلهام شاهين) ومنقادين مستمتعين بصحبتها ونمط حياتها، هذه المرأة البسيطة غير المتعلمة لكن المفعمة بتناغم مع الطبيعة وحالة أنثوية أمومية مبهجة تهون من أمر كل شيء، يسلمون لها دون حالة تسلطية أو استبدادية بل بحالة أمومية أنثوية، وحالة من البهجة وحب الحياة والبساطة يجدونها معها فلا يكادون يذكرون امرأة غيرها، فتجمع في شخصها ومن حولها، الجميع وكل الأضداد في حالة مبهجة ضاحكة دوما تموج بألذ الأكلات والجلسات ذات السمر، مما يخفف من وطأة البيئة وقسوة ظروفها حتى أمام المشاهد، ويجعل تأثيرها متراجعا باهتا أمام هذه الروح السائدة وخلطة فوزية المتشربة للطبيعة والفواحة بالأنوثة الطبيعية البسيطة. فروح الأنثى في “فوزية” كما قدمها الفيلم جعلت المستحيل ممكنا برضا وحب وسعادة، وحلت محل وجه الحياة البائس، ليرسم الفيلم، رغم حضور تفاصيل الواقع، مع موسيقى مبهجة دافئة تنساب بهدوء لراجح داوود؛ حالة من البسمة والارتياح للمشاهد، والفيلم يتسع لأبعاد أخرى، لكن تظل روح الأنثى الخالصة جوهره وحالته المفعم بها وأساس خلطته.

فتاة المصنع

كالكثير من أفلام المخرج محمد خان التي بطلتها امرأة أو موضوعه عنها، فإن هذا الفيلم إنتاج عام 2013 عن المرأة وبطلته امرأة، أو فتاة كما يبين اسم الفيلم وقد كتبته وسام سليمان، ويجمع شقاه بين كلمتين تبدوان متباعدتين؛ فتاة ومصنع، والحالتان حاضرتان، المصنع بما فيه من رمزية لآلية الحياة وجفافها، والفتاة بما تعنيه هذه الكلمة من حالة حياة وإشراقة متدفقة، وكأنما وجودها يتصدى لحالة المصنع الآلية، هنا هيام (ياسمين رئيس) فتاة شابة من طبقة فقيرة تعمل في مصنع ملابس كل عاملاته من الفتيات، في حضور عام للحالة الأنثوية التي تجعل من المكان الآلي مكانا مرحا بصورة بدت مشرقة بصريا بأبسط مكوناتها المكانية الطبيعية، حيث تتناثر قصاصات الملابس الحمراء في معظم المكان مضفية دفئا مرحا، مع لقطات حيوية بكادرات غير تقليدية الزوايا بواسطة كاميرا محمود لطفي، أو بضحكات الفتيات وأغانيهن، وموسيقى جورج كازازيان المبهجة سرديا مع أغنيات سعاد حسني التي أهداها الفيلم ومخرجه لروحها في ذكراها، موظفا أغانيها ببراعة في أجزاء تناسبها من الفيلم، ليضفي صوتها بهجة خاصة تحيط بأجوائه، حتى في تصاعده الدرامي الأكثر حدة. هيام فتاة عاشقة للحياة تملك طاقتها وتتطلع لحياة أجمل وأسعد، تكسر أطرها الضيقة وتفسح لها فيها مكان صدارة، كما تقيّم نفسها وتراها، في نزعة تمردية تؤكدها نغمة موبايلها التي تردد مقطعا من موسيقى “كارمن” لجورج بيزيه يشير إلى روح “كارمن” الغجرية المتمردة. تحلم كل فتيات المصنع بالمهندس الجديد هاني عادل، لكن هيام من تحاول نقل حلمها بجرأة فورية لمنطقة الفعل والتنفيذ بلفت انتباهه وإقامة علاقة معه لا ترضخ لرفضه المهين لها، بل تتمسك بفكرة انتصارها ولو بكذبة حملها منه التي تدفع ثمنها غاليا من أسرتها ومحيطها، لتنتهي المأساة برقصة في زفاف حبيبها تعلن بها انتصار هذه الروح رغم كل الخسارة، ورغم تعرض الفيلم في مسار قصة هيام لاضطهادها واقتصاص أسرتها منها لسوء سلوكها بضربها وحبسها وقص شعرها الطويل، بينما هي بريئة لم تمس في حقيقة الأمر، بما في ذلك من نقد للنظرة القاسية والآسرة المحاصرة مجتمعيا للأنثى ومشاعرها، إلا أن الحالة الأكثر بروزا وتسيدا في الفيلم كانت في ذلك الحضور للشعور الأنثوي، والحالة الأنثوية المبطنة بأغاني سعاد حسني، ولأساطير شعبية عن البنات في ظل الصورة الممتلئة بالحياة والحركة، بفعل جو بنات المصنع، والانتصار أخيرا لروح الأنثى الجريحة عبر الرقص.

يوم للستات

في فيلم نسائي اسما وموضوعا “يوم للستات”، وإخراجا فهو آخر أفلام المخرجة كاملة أبوذكري في 2016، وكتابة لهناء عطية وإنتاجا لإلهام شاهين “شاهين فيلم” وتصويرا لنانسي عبدالفتاح، تحضر الروح النسائية في حالة ثورية تطالب بحق الاستمتاع بالحياة وربط ذلك بحل الكثير من مشكلات الحياة، فأحداثه تبدأ إثر افتتاح حمام سباحة في مركز شباب بأحد الأحياء الشعبية، وتخصيص يوم للنساء فيه، بما في هذا المعنى من إيحاء واضح إلى الحق الشحيح للمرأة نسبة للرجل في الحياة العامة، رغم هذا يكون هذا الحق الشحيح محل استنكار ونزاع من الرجل، وترقب حذر من المرأة المتمثلة هنا في نساء الحي الفقير الشبيهات بعموم نساء الشعب، اللواتي صرن بعيدات بفراسخ عن معنى المتعة وتدليل الذات المغذي لروح الأنثى، الفيلم عبر حمام سباحة يحمل حالة تحاكي حالة البعث، حيث تعيد النساء اكتشاف أنوثتهن والإحساس بها، ويتخلصن من قيود ملابسهن الثقيلة، يتقاربن وتذوب حواجز العداء في ما بين بعضهن، يتذكرن التزين المنسي تحت السواتر، يضحكن ويغنين، فينتعشن كما لو أن الحياة أخذت تدب في جسد ميت كان يبدو حيا، يذقن المتعة عبر الماء برمزيته للحياة ويفرجن فيه عن مكبوتاتهن، تبوح شامية (إلهام شاهين) بحكايتها كموديل للرسم وقد كانت تنبذها النساء فيصادقنها حول الحمام، وتبكي فيه ليلى (نيللي كريم) لأول مرة منفسة عن صدمتها المكبوتة بعد غرق طفلها، أما عزة (ناهد السباعي) بلهاء الحي فكانت أكثرهن حفاوة بالحمام، وأولهن إقبالا عليه، وأكثرهن استمتاعا بتخففها من ملابسها لملابس البحر على العكس من جميع اللاتي مازلن محبوسات في ملابس أثقل، فعزة معادل للروح الحرة الطبيعية للأنثى دون كبت، هي الأكثر تخففا في أفعالها، والأكثر إقبالا على الحياة لتخففها من حسابات المجتمع المعرقلة، وقد رصدت روحها في لقطات شعرية منتشية بحريتها سواء تحت مياه الحمام أو فوق الدراجة البخارية مع حبيبها، أحمد داوود، ومع الوقت تبدأ النساء اللاتي لم يكن يكترثن بهذا في البداية بالدفاع عنه بقوة في وجه الرجال، فالفيلم، في إطار خفيف، رصد الكثير من مشاكل الحارة المصرية، واقترح نموذجا عمليا لتنفيسها وتفريجها من خلال الحصول على المتعة الشخصية، أكانت للرجل أو للمرأة على نحو خاص والتي تستطيع بتدفقها المسترد تغيير وجه الحياة وحالها البائس.


ناقدة سينمائية من مصر