شيء عن إليوت

عندما توفي توماس ستيرنز إليوت في العام 1965، لم يكن ثمّة الكثير من الشعراء الآخرين الذين بلغوا مبلغ حضوره الطاغي في المشهد الشعري الإنكليزي آنذاك. وبالإمكان القول إن نجم إليوت الشعري قد لمع مع ظهور قصيدته الشهيرة “الأرض الخراب” أو “الأرض اليباب” حسب ترجمةٍ أخرى، قصيدة غنيّة بقدر غموضها، نشرها إليوت لأول مرة عام 1922 لتفتح أعين النقاد على تجربة شعرية فذّة وعلى قصيدة عُدَّت واحدة من أروع القصائد في ذلك الجيل الشعري.

الجديد  إبراهيم قعدوني [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(140)]

أثارت القصيدة حركة نقدية واسعة ودراسات أكاديمية اختصّت بها وبمؤلّفها الشاب إليوت. غيرَ أنّ الظروف التي رافقت كتابة هذا العمل الملحمي ظلّت غير معروفة بصورةٍ مشبِعة للنقاد والمهتمّين، فمنذ رحيل إليوت وإلى اليوم ما يزال الكثير من الغموض يكتنف السيرة الشخصية للشاعر وما يتعلق بكتابة هذا النص على وجه الخصوص. كانت فاليري إليوت (وهي الوصيّة على إرثه الأدبي) قد أبَت حتى وقتٍ ليس ببعيد أن تجيز لأحدٍ حقوق كتابة السيرة الذاتية لزوجها الراحل؛ حتى أنّ هناك شائعات سرت حول اتهامه بمعاداة السامية وأنّ هناك ما تحاول الزوجة إخفاءه عن الجمهور. ومنذ ما يقرب من خمسين عاماً وحتى وقت قريب لم تناقش سيرة الرجل بتفصيلٍ يتناسب مع أهمية منجزه الشعري.

إلاّ أنّ كتاباً صدر في العام 2015 بعنوان “إليوت الشاب: من سانت لويس إلى الأرض اليباب” كتاب روبرت كراوفورد. الناشر: فارار، شتراوس وجيرو؛ 512 صفحة، يميط اللثام عن الكثير من الجوانب التي ظلّت مكتومةً في حياة إليوت ولربما يُشبع قدراً لا بأس به من فضول القرّاء وتطلّعهم لمعرفة المزيد عن هذا الشاعر. مؤلف الكتاب روبرت كراوفورد هو شاعر يدرِّس في جامعة سانت أندرو. يتتبع كراوفورد حياة إليوت منذ ولادته في سانت لويس بولاية ميسوري الأميركية، إلى لحظة نشره قصيدة “الأرض الخراب” حين لم يكن وقتها بعد قد بلغ الرابعة والثلاثين من العمر.

ليس كتاب كروافورد بالطبع أول كتاب يتناول السيرة الذاتية لإليوت، إلاَّ أنّ ما يميّزه أنه استطاع النفاذ إلى مرحلة الحياة المبكرة للشاعر والتي قلّما أتيحت تفاصيل حولها للدراسات الأخرى. قد يُعزى ذلك بصورةٍ جزئية إلى وجود عدد قليل جداً من الوثائق التي تسلّط الضوء على الفترة الواقعة ما بين عامي 1905 و1910، عندما كان إليوت مراهقاً في سن السادسة عشر وهي مرحلةٌ لم يعثر فيها كتّاب سيرة إليوت السابقون سوى على بطاقةٍ بريدية واحدة. أمّا كتاب كراوفورد، على النقيض من ذلك، فغني بالتفاصيل. يكرّس كراوفورد الجزء الأول من الكتاب لطفولة إليوت، مستحضراً حياة الأسرة التي عاش في كنفها مع والدَيه؛ الأم لوتي والأب هال الذي كان يعمل مديراً لإحدى شركات صناعة طوب البناء (وكان يقرِض الشعر في أوقات فراغه). وفي سنّ العاشرة من عمره، فاجأ إليوت عائلته بقراءة جون ميلتون، أحد أبرز شعراء القرن السابع عشر وأعقدهم نصّاً. وحين كان في الرابعة عشر، سأل أحد أساتذة جامعة هارفارد الشاب إليوت ممازحاً ما إذا كان يعرف الدرجة التي يسبق فيها سنّه الفعلي.

يبرع كراوفورد في اقتفاء التأثيرات المبكرة في حياة إليوت: الحماس للتعلّم، الذي طبع شخصيته في شبابه ودأبه على تعلّم الفرنسية ليصبح في ما بعد “فرانكوفونيّاً عظيماً” كما يقول كراوفورد، فقد تعلّم الفرنسية في سن مبكرة. كما يلقي الكتاب الضوء على ولع إليوت المبكّر بقصص الكاتب آرثر كونان دويل “التي لا ينقصها الشعر بعوالمها وتشابك خطوطها النفسية”. وخلال فترة عمله في جامعة هارفارد، حيث أمضى وقتاً طويلاً في كتابة القصائد الغنائية الماجنة ويقضي الوقت مع أصحابه في شرب الكحول الذي كان يساعده في التخفيف من خجله، وهناك بدأ احتكاكه العميق بالشعر الفرنسي الحديث، الأمر الذي كان من شأنه أن يغيّر بشكل عميق الأسلوب الشعري الذي ركن إليه إليوت. وبينما راح إليوت الشاب يحضّر رسالة الدكتوراه، أكبّ على دراسة السنسكريتية والبالِي (لغة من اللغات الهندية الآرية الوسطى)، ولعلّ ذلك ما يفسّر تردد صدى القصائد واللغات الأخرى في قصيدة “الأرض اليباب”.

كانت حياة إليوت غير سعيدة، ذلك ما ساهم بشكلٍ كبير في تكوين خلفيته الأدبية التي ألهمت قصيدته العظيمة. في سنّ السادسة والعشرين، بينما كان يدرس في جامعة أكسفورد ويعاني “نوبات جنسية عصبية” متكررة، التقى فيفيان هايوود، امرأة شاذة ومضطربة عاطفياً. لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً حتى تزوّجا بعد ثلاثة أشهر، وقد كتب إليوت في وقت لاحق حول علاقتهما قائلاً بأنها “جلبت معها المناخ النفسي الذي واكب كتابته قصيدة ‘الأرض اليباب'”.

يدلف كراوفورد إلى تفاصيل الحياة الزوجية المضنية لإليوت حيث الزوجة فيفيان، المرأة المضطربة عاطفياً تغازل عشاقها القدامى وتتودّدُ إلى الفيلسوف برتراند راسل، الذي ستقيم معه علاقةً في وقتٍ لاحق. يرصد كراوفورد تنقّلات الزوجين في لندن، حيث يعيشان في أحياء فقيرة، وفي الريف، حيث تشاطرا كوخاً استئجراه مع راسل، وحيث يعاني كلاهما “أعطاباً عاطفية” ونوبات عصبية وتوهّمات جنسية مريرة خيّمت على قصيدة إليوت. في نهاية المطاف، انفصل الزوجان في عام 1933 وأُدخِلَت فيفيان إلى ملجأ نفسي بعد خمس سنوات بعد أن لعبت دوراً لا يمكن إغفاله في تشجيع إليوت على كتابة الشعر حسبما يقول كراوفورد. فقد كانت القارئ الأول “للأرض الخراب” في وقت مبكر من تأليفها وما يزال بالإمكان مشاهدة تعليقاتها وخربشاتها التي وضعتها على هامش مسودة القصيدة.

يُنقّبُ روبرت كراوفورد في شعر إليوت ونثره ومقابلاته وأرشيفه ومذكّراته التي لم يُكشف عنها من قبل، مُبيّناً كيف أن خلفية إليوت في ميسوري وماساتشوستس وباريس جعلته من روّاد الحداثة الأكثر إثارة للإعجاب، غير أنّ أكثر ما يستوقف القارئ في سيرة إليوت الشاب هو ذلك الاضطراب النفسي الذي هيمن على شخصية الفتى التي لم ينقصها العمق والتلهّف للمعرفة، ذلك ما تعكسه سيرته الشعرية منذ “العاشق ألفريد بروفوك” وصولاً إلى “الأرض اليباب”. شخصية معقدة ومركّبة. نرى إليوت الطالب وإليوت الحبيب، النتن والفاجر، إليوت المصرفي والفيلسوف، ولكن الأهم من ذلك إليوت الشاعر الذي يكافح لإنتاج كل هذا الفن وسط كوارثه الشخصية، ذلك الفن الذي صاغ حقبته الشعرية بأسرها.

لا يتردد كراوفورد في إظهار ما يسميها عيوب أو سقطات إليوت الشاب الذي “أدلى بتعليقات معادية للسامية في رسائله وكذلك في العديد من القصائد على الرغم من وجود بعض “الأصدقاء اليهود” في عداد أصدقائه وذلك بحسب ما يسوقه كراوفورد. كما يكشف عن شخصية إليوت العصبي وحادّ المزاج والمكتئب غير السعيد في معظم أوقاته، إلاَّ أنّ كراوفورد مع ذلك لا يتوانَى عن الإشادة بعبقرية إليوت الشعرية وقصيدته الخالدة كما يصفها.

جاء نشر الجزء الأول من الكتاب في بريطانيا وأميركا تزامناً مع الذكرى السنوية الخمسين لوفاة ت. س. إليوت، ابن راغتيم سانت لويس الأميركية، الذي هاجر إلى المملكة المتحدة متحدّياً رغبة والديه ليُصبح واحداً من أهم شعراء القرن العشرين، فيما يعكف كراوفورد على إتمام الجزء الثاني من السيرة والذي يتوقع أن يُعلَن عن موعد صدوره في وقتٍ لاحق.


شاعر ومترجم من سوريا