المختصر

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(146)]

حلقة الاسترقاق المنسية

“الإبادة المحجوبة” كتاب جريء لتيديان ندياي عالم الأنثروبولوجيا السنغالي، ومدير بحوث في المعهد العالي للتجارة بغوادلوب، يعالج فيه استرقاق العالم العربي الإسلامي للأفارقة على مدى ثلاثة عشر قرنا دون انقطاع. ويبيّن بالوثائق كيف أن تلك التجارة راح ضحيتها سبعة عشر مليون قتيل أو مخصي أو مستعبد، ويصف كيف كان الرقيق يضطرون إلى قطع الصحراء مشيا نحو المغرب العربي ومصر، وباتجاه الجزيرة العربية عبر زنجبار. هذا الاسترقاق، بعكس تجارة العبيد التي مارسها الغرب، سواء باتجاه أوروبا أو باتجاه الولايات المتحدة، قلل المؤرخون من أهميته، وظل حتى الساعة مسكوتا عنه، أو محجوبا كما يقول، ورغم أن اعتناق الإسلام يعد الوسيلة المثلى للتحرر، فإن السود لم ينعموا بتلك المعاملة، وظلوا عبيدا يباعون في سوق النخاسة. هذه الإبادة لا تزال الدول الأفريقية تتستّر عليها لأن أغلبها دخل في دين الإسلام ولا يريد أن يثير جروح الماضي.

علم الاجتماع لتفسير الأحلام

هل يمكن للعلوم الاجتماعية تفسير الأحلام؟ المعروف أن علماء الاجتماع يتجاهلون هذا الغرض الذي يبقى من خصائص التحليل النفسي وعلم النفس وطب الأعصاب، وها أن برنار لاهير، أستاذ علم الاجتماع بدار المعلمين العليا في ليون، يقترح في كتابه الجديد “التفسير الاجتماعي للأحلام” الدخول في منطق صنع الحلم وربط الأحلام بالتجارب التي عاشها الأفراد في الواقع الاجتماعي، لتأويل الحلم أو تفسيره. في نهاية البحث يتبدّى الحلم، خلافا لما كان يعتقده فرويد، كفضاء لعب رمزي متحرر من كل أشكال الرقابة، سواء أكانت نظامية أم أخلاقية، والتواصل بين الذات والذات نفسها الذي يتمظهر داخله الحلم يجعل منه أكثر المذكرات الشخصية حميمية. فهو يقدم لمن يريد الاهتمام به عناصر فهم عميق ودقيق عمّن نكون. ودراسته تسمح بأن نرى أمامنا ما يعتمل بداخلنا بصورة مبهمة، ونفهم ما يتم التفكير فيه دون إرادتنا.

حقيقة بوتين

كيف يمكن تحديد نظام بوتين؟ هل هو استبداد مغلف بديكور ديمقراطي؟ هل نحن أمام شكل من الأوتوقراطية، سيرا على خطى التاريخ الروسي، أم أوليغارشية مافيوزية؟ ما هو تأثير جهاز كا جي بي السابق على نمط تفكير رجال الكرملين وأساليبهم في الحكم؟ هل يمكن أن يبقى النظام بعد رحيل رجله الأقوى؟ لماذا تعطي المعارضة انطباعا بالضعف والانشقاق أمام سلطة تتبدى إخفاقاتها في كل مكان؟ للإجابة عن تلك الأسئلة، تركز فرنسواز طوم أستاذة التاريخ في السوربون، المتخصصة في الاتحاد السوفييتي وروسيا ما بعد الشيوعية، على نشأة البوتينية، وتؤكد على مكانة “الترويج” في منظومة تمزج بين الحداثة والتشبه بالقدامى. في كتابها الجديد “فهم البوتينية”، تحلل الباحثة سياسة روسيا الخارجية على ضوء تطورات سياستها الداخلية، فتتبدى مفارقة هذا البلد: إن التأكيد على “حضارة روسية” تدير ظهرها للغرب يخفي الشغف النيهيلي الذي يحرك الكرملين ويمارس تأثيرا مضرّا في روسيا وخارجها.

تقليب النظر إلى القيم

هل المتعة قيمة؟ هل تحتاج الفضيلة إلى العقل؟ هل الذوق غاية؟ هل يمكن تحديد ثمن لحياة شخص ما؟ هل تكون مسألة ما فكهة إذا لم تثر ضحك أحد؟ فيم تختلف الصداقة عن الحب؟ هل الانحياز غير أخلاقي؟ هل يكون العبد حرّا إذا كان سيّده لا يتدخل مطلقا في اختياراته؟ تلك بعض أسئلة يحفل بها كتاب “رسالة صغرى في القيم” من وضع الفيلسوف السويسري جوليان ديونّا وزميلته إيمّا تيفِّنْباخ، ويتضمن خمسا وثلاثين مقالة قصيرة وطريفة مخصصة لمبدأ من المبادئ. ويتبيّن من قراءتها أن المرء وإن كان لا يني يذكّر بتعلقه بالقيم، فإن وجود تلك القيم ليس دائما كما نتصور، فقد تكون انعكاسا لمواقفنا، وقد تكون عديمة الجمال والفائدة والمتعة في غياب من يقدّرها حق قدرها أو يجرّبها. كتاب ممتع يقلّب القيم على شتى أوجهها بأسلوب طريف، ليحيط بمعانيها ورهاناتها والتناقضات التي قد تثيرها.

العدم والنفي بين الشرق والغرب

في كتابها الجديد “وجوه العدم والنفي”، اختارت فرنسواز داستور أستاذه الفلسفة المتخصصة في الفلسفة الألمانية والفينومينولوجيا، البحث في فكر العدم والنفي بين الشرق الأقصى والغرب، جاعلة فكر هايدغر مرجعا أعلى للفكر الغربي، وتوقفت عند عدة أعلام بدءا بغورجياس الذي عاصر سقراط، ثم بيرّون مؤسس المدرسة الكلبية، إلى ناغرجونا أكبر مفكر في البوذية الهندية، وقد عاش ما بين القرنين الثاني والثالث ميلادي، ونيشيدا (1870-1975) أشهر ممثل لمدرسة كيوطو والبوذية “الزين”، قبل أن تعود إلى المثالية الألمانية مع كانط وهيغل، وإلى مسألة النيهلية الأوروبية مع شوبنهاور ونيتشه وهايدغر، ثم تنتقل إلى الفينومينولوجيا مع هوسرل وسارتر وميرلو بونتي ومالديناي، لتبيّن أن فكر الفراغ والعدم تطور في الشرق في نطاق البوذية التي كانت تضع علم الوجود نفسه موضع مساءلة، بعد أن ظهر في اليونان القديمة، ثم عاد ليظهر من جديد في الغرب مع نهاية العصر الكلاسيكي.

فوكو وتاريخ الجنسانية

“اعترافات الجسد” هو الجزء الرابع والأخير لـ”تاريخ الجنسانية” ولو أن أهل الذكر يؤكدون أنه الجزء الأول الذي انكب عليه ميشال فوكو بعد “إرادة المعرفة” الذي يشكل مدخلا عاما لسلسلته تلك. هنا عالج فوكو قواعد المسيحية ومذاهبها كما وضعها آباء الكنيسة ما بين القرنين الثاني والرابع، وكان على يقين بأن جوهر تلك القواعد والمذاهب كان إرثا محوّرا عن ألوان الانضباط الذاتي كما وضعها الفلاسفة اليونانيون واللاتينيون في العصر القديم. وقد عمد إلى تحليلها بشجاعة ونشر نتائج بحوثه عام 1984 في كتابين “استعمال المتعة” و”هوس الذات”. الكتاب الجديد إذن هو نسخة أولى كان يستعد لنشرها قبل أن توافيه المنية، وقد خصصه لفحص تجربة الجنس في المسيحية من خلال الآباء المؤسسين، وكيف أن الجسد، كلقاء بين الرغبة والحقيقة، يندرج ضمن ممارسات الحياة المسيحية بين العذرة والزواج والاستعداد للتعميد والتوبة.

آخر وصايا تودوروف

“القراءة والعيش” كتاب للمفكر ومؤرخ الأفكار تودوروف صدر بعد وفاته، ويتضمن جملة من المقالات كان يشتغل عليها بنيّة دفعها إلى المطبعة، وتعكس كلها تنوع اهتماماته، وسعة ثقافته، ووضوح رؤيته، وقدرته على تحليل المواضيع الجارحة بدقة وعمق، سواء ما تعلق منها بالهوية القومية أو مصير أوروبا أو مفهوم الحرب العادلة، متنقلا بين الأدب (رومان غاري)، والفنون التشكيلية (غويا) والموسيقى السيمفونية (فيردي) والأنثروبولوجيا (كلود ليفي ستروس) بنفس القدر من البساطة والوضوح والعمق. قال الفيلسوف أندري كونت سبونفيل في مقدمة الكتاب “لم يكن تودوروف دعيّا ولا مهرّجا، بل كان مثقفا نافذ الرؤية، وعالما متواضعا، وباحثا موسوعيا، ومربّيا، وإنسانيا بلا أوهام، ومواطنا من مواطني العالم، معتدلا وحازما. لهذا وجبت قراءته، لأنه يجعلنا أكثر ذكاء وتواضعا ودقة وعدلا، وأكثر وعيا بتعقّد العالم وبالجانب التراجيدي في حياتنا.”

غواية الشباب المدمرة

لئن كانت الكراهية تجربة نفسية ضرورية، فإن عدم كبت هذا الدافع مدمر للذات وللمجتمع. بيد أن الكراهية صارت حاضرة في حديث العامة وجدل النخبة السياسية، وباتت تنتج أشكالا جديدة من العنف. في كتابها “سوف تكره أخاك كما تكره نفسك: غوايات الشباب الراديكالية”، تنظر هيلين لويّي الأستاذة المحاضرة في الفلسفة والتحليل النفسي بجامعة السوربون، إلى الحركات الشعبوية والجهادية كآثار لهذه العلاقة الجديدة بالكراهية. فلا غرابة عندئذ أن نلاحظ أنها تجتذب من ولدوا في رحم هذا الخطاب، الذين نشأوا اجتماعيا على أيديها وهدهدة ضغائنها، أي الشباب. وتستعرض الكاتبة كل ما قيل لترغيب الشباب في هذا النوع من الراديكالية الذي نجده في الشعبوية والجهادية، حتى صار المرء لا يفهم كيف يرغب الشباب إلى هذا الحد في تدمير أنفسهم بأنفسهم.

مناهج الإرهاب الداعشي

“كارتل اسمه داعش” عنوان كتاب جديد لبونوا فوكون مراسل وول ستريت جورنال، المتخصص في قضايا البترول وتمويل الإرهاب وتبييض الأموال، بالتعاون مع كليمان فايول صحافي استقصائي يهتم بالشبكات السياسية والمضاربات المشبوهة. هذا الكتاب بحث دقيق في طرق اشتغال الدولة الإسلامية، ووصف لعمليات الكوماندو وبورتريهات المشرفين على عمليات تهريب البترول والقطع الفنية والأثرية المنهوبة، يكشف عن العملاء السرّيين ومروجي المخدرات وتجار الأسلحة والمنحرفين الذين تطاردهم مخابرات العالم أجمع. يستند الكتاب في فضح دواليب هذا التنظيم الذي جعل صناعة الجريمة في خدمة غايات أيديولوجية على وثائق التنظيم نفسه وشهادات البعض من أعضائه وأرشيف سري أميركي وبطاقات المخابرات الليبية عن الحركات الجهادية، لفهم الاستراتيجيا التي وضعها التنظيم كي يضمن بقاءه بعد ضياع الأراضي التي كان استولى عليها، وتصوّر الخطط لمقاومته في أشكاله المتحوّلة.

التسلح فكريا ضد الميديا المهيمنة

من الممكن أن نطفئ شيئا فشيئا الطابع الديمقراطي لمنظومة إعلامية دون المساس بالمظاهر، وهي الوضعية التي تعيشها فرنسا حاليا، حسب الإعلامية أود لانسولان في كتابها الجديد “الفكر رهينة”، حيث وضع كبار رؤوس الأموال المسجلين في مؤشر البورصة “كاك 40″ أيديهم على وسائل الإعلام، وفرضوا أيديولوجيا “الحياد” القاتل، ليدفعوا إلى الواجهة بمثقفيه المدجنين كي يجتاحوا الفكر العام. وكان لمراكمة الكذب والتدجيل والحقائق الزائفة والأساطير المخدرة ما حال دون إطلاع الناس على حقيقة تلك المساعي وخطورتها. والكاتبة المتخصصة في حياة الأفكار، التي كانت مديرة تحرير مساعدة في مجلتي ماريان ونوفيل أوبس، ترى أن الأوان قد يفوت إذا لم نبادر بالتصدي للكشف عن كل ما يحاك ضد الإعلام لتوجيهه وجهة لا تخدم مصالح المجتمع، فالرهان هنا هو الحقيقة كغاية جوهرية لا يمكن التفاوض بشأنها.

توتاليتارية الشركات المتعددة الجنسيات

هل يمكن وصف سلطة الشركات متعددة الجنسيات كما نشأت وفرضت هيمنتها منذ مطلع القرن العشرين بـ”التوتاليتاريا”؟ نعلم أن الممارسة السياسية الحديثة تقضي بأن يخضع رعايا المجتمع للقوانين وليس للأقوياء، ولكننا نشهد انقلابا منحرفا، فالشركات المتعددة الجنسيات هي التي تفرض على المجالس السياسية مناقشة قوانين أخرى، قوانينها هي، التي تحرص على جعلها فعالة وناجعة، مثل قانون السوق، قانون المنافسة، وقانون العرض والطلب. في كتابه “التوتاليتارية المنحرفة” يدرس ألان دونو، أستاذ الفلسفة بجامعة ننتار ومدير برامج الكوليج العالمي للفلسفة بباريس، الطريقة التي تشكلت بها الشركات النفطية، قبل أن تقلدها الشركات الأخرى، كسلطات سيادية ذات طابع خاص، كما هو الشأن مع شركة توتال، تسعى إلى فرض نفسها في نظام تتطور فيه الشركات المتعددة الجنسيات، في استقلال تام عن الدول التي أسستها على طريقة فرانكنشتاين.

دعوة إلى التفاؤل

“التفاؤل ضد اليأس″ كتاب يضم حوارات أجراها عالم اللسانيات والمفكر الأميركي نعوم تشومسكي ما بين عامي 2013 و2017، أي في الفترة التي بدأت فيها الولايات المتحدة الأميركية تنحدر نحو وضع آل بها إلى نظام شعبوي يميني متطرف بقيادة رجل أمّي فكريا وسياسيا هو دونالد ترامب. في هذه الأحاديث يتحدث تشومسكي الذي يعتبر الضمير الأخلاقي لأميركا عن مواضيع مختلفة من نهاية فترة أوباما إلى روسيا بوتين، ومن البريكست إلى تركيا سجينة أردوغان، ومن الإرهاب إلى أزمة المهاجرين، ومن القومية إلى صعود الأصوليات الدينية، ويدعو إلى التفاؤل رغم أن العالم يمر بمرحلة صعبة ومعقدة ويعاني من ألف علة. يقول “أمامنا خياران. التشاؤم المتمثل في التسليم بالأمر الواقع، فنساهم بذلك في حدوث ما نخشاه. أو التفاؤل من خلال اغتنام الفرص التي تسنح، والمساعدة في إمكانية عالم أفضل”.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا