سؤال الفلسفة وهويّة الفيلسوف

في الخطاب الفلسفي العربي المعاصر

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(16)]

لوحة: محمد عبدالرسول
لست في معرض سرد تعاريف الفلسفة التي تمتلئ بها كتب الفلسفة بالعربية وخاصة تلك التعليمية من قبيل مداخل الفلسفة المتنوعة. والتي غالبا ما تعود إلى أصلها اللغوي اليوناني وتسند موضوعاتها ومشكلاتها وهذا الرأي أو ذاك لجمهور الفلاسفة. أقول لست في معرض ذلك وإنما أتوقف عند التعاريف التي تنطوي على جدة وهي على أي حال ليست بالكثيرة.

وإني لأعتقد أن التوقف عند سؤال ما الفلسفة مظهر من مظاهر الإبداع، أو قل هو بداية البحث الفلسفي المبدع، والمدخل لإنجاب خصوصية التفلسف.

وليس بالضرورة أن يكون السؤال مباشرا ما الفلسفة حتى نحصل على جواب مباشر هو الآخر لدى الفيلسوف، بل إن فلسفة الفيلسوف هي دائماً جواب عن سؤال غير مباشر هو: ما الفلسفة؟

لنحصر اهتمامنا أولاً بالإجابة عن السؤال التالي: ما الفلسفة في بعض أنماط الخطاب الفلسفي العربي؟ لوعدنا إلى خرافة الميتافيزيقا لزكي محمود لوجدناه قد تبنّى وظيفة الفلسفة كما تراها الوضعية المنطقية. أي إن الفلسفة تحليل للألفاظ والعبارات وضرورتها تكمن في توضيح القضايا العلمية والعبارات الجارية في الحياة اليومية. ولما كانت الميتافيزيقا -كما يرى- الحكم على أشياء غير محسوسة وجب حذفها من دائرة المعارف الإنسانية “لأنها لا هي مزوّدة بأدوات المشاهدة التي تمكّنها من الحكم على الأشياء، ولا هي ارتضت لنفسها أن تسمع ما يقوله المؤهلون لذلك مكتفية بتوضيحه وفهمه”.

إن عودة زكي نجيب محمود لتعريف الفلسفة على النحو الآنف الذكر وطرد الميتافيزيقا من الفلسفة هو بالنسبة إلى الفلسفة العربية أمر جديد. لكنه في كل الأحوال تضييق لموضوع الفلسفة ومهمتها. إن طرد الميتافيزيقا من دائرة الفلسفة لا يعني على الإطلاق ترك الأشياء كالإنسان والمجتمع والتاريخ واللغة والطبيعة إلى العلوم، لأن العلماء، وحدهم، بما لديهم من أدوات ومناهج للبحث، هم القادرون على الوصول بهذه المباحث إلى نتائج يمكن الاعتماد على صدقها.

إنّا في حالة كهذه لا نعلن موت الميتافيزيقا فحسب، وإنما الفلسفة أيضاً، بما هي ميتودولوجيا عامة من جهة وموضوعات مرتبطة بالوجود الإنساني من جهة أخرى، كما سنبيّن لاحقا.

إننا لنقف حيارى حيال الجوانية، أهي فلسفة أم عقيدة، أم أصول عقيدة، وفلسفة ثورة.

ففي التقديم يقول عثمان أمين “الجوانية اسم أطلقته منذ سنين على فلسفة اهتديت إليها بعد إطالة النظر في أمور النفس، ومتابعة التأمل في بطون الكتب، مع مداومة التعرض لتجربة الوقائع والمعاناة لشؤون الناس″.

إذاً هي فلسفة، ولكن الفلسفة عند صاحب الجوانية ليست النقد المحكم والمغلق المحيط، إنما هي “عقيدة مفتوحة تأبى الركون إلى مذهب أو الوقوف عند واقع، وتتجه إلى المعنى والقصد من وراء اللفظ والوضع، وتنحو إلى الفهم والتعاطف لا إلى الحفظ والتقرير، وتدعو إلى العمل والبناء، مؤسسا على النظر الواعي وتلتفت إلى الإنسان في جوهره وروحه لا في مظهره وأعراضه، وتدرسه في حياته الداخلية لتنفذ إلى ما هو فيه أصيل، أعني في مشاعره ومنازعته، وفي أفكاره وهواجسه وفي أحلامه وأوهامه، وفي وقائعه وخيالاته، وفي حقائقه وأباطيله، وفي أحكامه واستدلالاته، وفي رشاده وضلاله”.

الفلسفة عقيدة، أو إن شئت قل العقيدة والفلسفة أمر واحد، ولما كان الأمر على هذا النحو، فإنا أمام تعريف للفلسفة نشتقها من قول المؤلف ذاته. الفلسفة اتجاه إلى المعنى والقصد القابع وراء اللفظ وتسعى إلى الفهم والتعاطف، وتنظر في جوهر الإنسان أي إلى داخله، ويضيف الفيلسوف الجواني إلى هذا التعريف تعريفاً موضحاً شارحاً حين يقول “إنها عندي فلسفة وخير من هذا طريقة في التفلسف، تفلسف مفتوح على النفس وعلى الدنيا، فتعرض لنفحات السماء في كل لحظة”.

الجوانية إذاً فلسفة تحاول أن ترى الأشخاص والأشياء رؤية روحية بمعنى أن تنظر إلى المخبر ولا تقف عند المظهر وأن تلتمس الباطن دون أن تقنع بالظاهر وأن تبحث عن الداخل بعد ملاحظة الخارج وأن تلتفت دائماً إلى المعنى وإلى الكيف وإلى القيمة وإلى الماهية وإلى الروح من وراء اللفظ والكم والمشاهدة والعرض والعيان.

ولأنها فلسفة روحية فمنهجها الرؤية الحدسية. الفلسفة بهذا المعنى ضرب من المعرفة التصوفية للروح في حقيقتها والكامنة خلف مظاهر الوجود.

من هنا نفهم عودة عثمان أمين الدائمة إلى الغزالي وبرغسون وياسبرز.

إني لأنظر إلى هذا الضرب من التفلسف على أنه نوع من الأدب الفلسفي أكثر منه فلسفة تعمل العقل والتفكير والاستدلالي في مشكلات حقيقية. إنها أقرب إلى تجربة المتصوف الذي يلغي حدوسه بنوع من الإيمان، بالتسامي والقدرة على التوحد بالإله. فالجوانية رؤية تختلط فيها العقائد الدينية مع النـزعة الروحية مع التعبير الأدبي.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخ مشكلات عرفنا طول حياة المشكلة الفلسفية والتي لا يبلى بعضها إطلاقا وبالتالي: فإن المشكلة ذاتها لا تحدد الانقطاع بل الإجابة عنها. غير أن الانقطاع الأكثر أصالة في تاريخ الفلسفة هو ذاك الذي يأتي كثمرة طرح مشكلات جديدة كل الجدة. وعندما ينزع الفيلسوف لطرح مشكلة جديدة يعود للسؤال ما الفلسفة؟ ولهذا فسؤال ما الفلسفة يُحيل مباشرة إلى الفيلسوف الطامح للتفلسف من جديد

لكنها في النهاية تجربة أصيلة، إذ إنه من الفلاسفة القلائل الذين أدخلوا التراث الروحي- الديني الإسلامي في هذه الرؤية التي أرادها صاحبها فلسفية.

وفي رأي مشتغل بالفلسفة آخر هو عبدالفتاح الديدي، أن الفلسفة هي الميتافيزيقا، ولكن قبل أن يحددها بوصفها ميتافيزيقا ينقد النقد الموجه إليها من قبل الوضعية الماركسية والذين يسميهم نقّاد الفلسفة من الخارج ويقول بالحرف، إن هاتين الفلسفتين -إن صح وصفهما بهذه التسمية- تقومان بالاعتراض على الفلسفة كمهمة من مهام العقل والفهم وتقومان من ثمّ بإلغائها دون تعرف على قضاياها أو نظر في موضوعاتها.

ويرى في نقد الوضعية والماركسية للميتافيزيقا نقدا للفلسفة ككل طالما وحد صاحبنا بين الفلسفة والميتافيزيقا.

ولهذا تراه يقول بعد أن يبرز دوغمائية الماركسي “لذلك يعدّ الرفض الماركسي للفلسفة نوعاً من الفلسفة الغيبية”.

وبعد هذا النقد الماركسي والوضعي يتساءل الدكتور الديدي ما هي الفلسفة أولاً وما هي مهمتها؟ ويجيب: تقوم الفلسفة برأيه على فكرة نقض رأي برأي ومناقشة حجة بحجة. فإذا هاجم الميتافيزيقا مهاجم فهنا أمر طبيعي معقول لأنه في طبيعة الميتافيزيقا ذاتها كعلم.. ليس هناك إذاً غرابة في أن تقوم الفلسفة بالنقض والاجتياز لأن هذه العملية ذاتها هي الفلسفة وكانط الفيلسوف هو الذي علمنا أن نقد الميتافيزيقا هو ميتافيزيقا الميتافيزيقا.. فالفلسفة قائمة لا محالة بوصفها ميتافيزيقا تبحث في وضعية الأشياء وحقائق الموجودات.

إذا كان هذا رأي الديدي في الفلسفة فإن للماركسي العربي محمود أمين العالم رأي آخر.

سؤال ما الفلسفة عند العالم سؤال فلسفي، إنه جواب عن سؤال ما هي فلسفتي؟

التحديد العام للفلسفة، كما يرى العالم، غير ممكن دون تحديد دلالاتها النفسية والفكرية والاجتماعية والتاريخية. وعندما نسأل ما الفلسفة فإنها تعني هذا كله، ومن هنا يتحدّد معنى الفلسفة بتاريخيتها. وتاريخ الفلسفة ليس مجرّد تجميع للمدارس والنظريات الفلسفية المختلفة وتبويبها وتصنيفها، بل تفسير لهذا التاريخ، وإدراك لأحداثه الرئيسية ومعانيه الأساسية، وكشف عن قوانين وحركته التاريخية. ولها هناك أكثر من تاريخ الفلسفة كما يختلف تعريف الفلسفة باختلاف المدارس والمواقف الفلسفية، ويختلف تاريخ الفلسفة كذلك باختلاف الموقف الفلسفي من التاريخ نفسه.

ويضيف العالم، بعد أن يعرض للعلاقة بين العلم والفلسفة قائلا: ألا نستطيع أن نقول إذا أن الفلسفة تعبير بشري عن الصفات الأكثر عمومية وشمولاً وجوهرية سواء في الوجود الإنساني أو الوجود الطبيعي. ولكن ما معنى جوهري وشامل؟ يجيب العالم “فما هو جوهري يختلف باختلاف المفاهيم والمصالح والمواقف الاجتماعية والطبقية، فما هو جوهري وشامل عند فيلسوف معبّر عن مجتمع عبودي أو إقطاعي، غير ما هو جوهري وشامل عند فيلسوف معبّر عن مجتمع رأسمالي أو اشتراكي”.

وبناء على ذلك يحدد العالم معالم الفلسفة “بأنها تعبير عن القسمات الأساسية والجوهرية في خبرة الإنسان إزاء وجوده الذاتي والبشري عامة، إزاء الوجود الطبيعي كذلك في غير عزلة عن حقائق العلم، وأوضاع المجتمع، وفي غير حياد منها.. إنها موقف من العلم والمجتمع والتاريخ أراد صاحبها ذلك أم لم يرد”.

وهكذا نجد أن العالم يقدم فهما ماركسيا للفلسفة في حدود ماركسية الستينات من القرن الماضي، ذلك أن “بلاش فلسفة” أو ما هي الفلسفة إنما كتبه عام 1965 ونشر في كتاب “معارك فكرية”، الذي صدر في القاهرة عام 1970.

ومدار الفلسفة عند ماجد فخري هو عالم الإمكانات أي علم الممكن الذي هو “الوجود الذي لم يحصل ولكنه قابل للحصول”، إنه النظر في عالم الماهية الذي يمكن رده ببساطة إلى الإمكان. فتحديد مقوّمات الماهية عبارة عن تحديد مقومات عالم الإمكان. وأقسام هذا النظر المنطق وعلم الأخلاق والميتافيزيقا وعلم الظواهر الإدراكية وعلم السياسة المعياري.

ولكن لمراد وهبة رأي آخر، يقوم على إن الفلسفة كوسمولوجيا، فبعد أن يورد الشائع من أن الفلسفة أنطولوجيا، ويعرج على آراء أرسطو الذي تجاوز الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، أي إلى العلم الإلهي، كما يقول، وموضوعه الوجود العام وليس الموجود والوجود العام هو الأنطولوجيا. ثم يتوقف عند أنطولوجيا هيدغر. إن صح التعبير يبرز في النهاية عقم الأيديولوجيا عموماً، لأن الأنطولوجيا تبتر الإنسان من الكون. وعلاقة الإنسان بالكون هي العلاقة الأساسية ذلك أن الإنسان لا يوجد في العالم وإنما يوجد في علاقة مع العالم، أو بالأدق مع الكون. وهذه العلاقة التي كانت مغموسة في الأساطير ظهرت في الحضارات الكبرى: وادي النيل، وادي الفرات، والهند والصين. في هذه المناطق حدثت ثورة في الإنتاج غيرت الأسلوب المادي والاجتماعي للوجود الإنساني. فأزمة الطعام في عصر الصيد دفعت الإنسان إلى إبداع التكنيك الزراعي. وكان من شأن ذلك تغيير علاقة الإنسان بالكون. إذ غدت رأسية وهذا يعني مجاوزة الإنسان للكون، أي تأنيسه. أي الوعي بوحدة الإنسان والكون وعندما لا يكون تأنيس الكون تاماً لا يكون الوعي تاماً، وتمام الوعي هو بتمام وحدة الإنسان مع الكون.

والواقع المادي الراهن يتمثل في” الفيزياء النووية وعلم الكون حديثاً” وهي بداية تحكم الإنسان في الكون، وغزو الفضاء الذي يستلزم تعود الإنسان على الحياة فيه. وهذا يُنبئ ببزوغ جديد من الإنسان يكون في مقدوره تمثلاً للكون ذي الأبعاد الأربعة الزمكانية التي تنبأ بها أينشتاين ومن شأن هذا التمثل أن يسمح للإنسان برؤية الأحداث قبل أن تقع فتزول غربته عن الكون.

ويخلص وهبه من كل هذا إلى القول “إن مستقبل الفلسفة أن تكون كوسمولوجيا وليس أنطولوجيا”.

لقد تركت تلك التعريفات أو الرؤى للغة ومعناها دون تعليق، قاصدا أن أقدّم ما أراه فلسفة.

لوحة: محمد عبدالرسول

الفلسفة كما أرى

أعود للسؤال لأطرحه من جديد ما الفلسفة؟ رأينا كيف وجد الفيلسوف العربي نفسه مُجبرا على تحديد الفلسفة للتدليل على شرعيتها أمام خصومها.

إن السؤال ما الفلسفة متجدد دائما، ولا ينتج عن شرعنة الفلسفة في كل الأحوال. بل هو سؤال فلسفي. إن سؤال الفلسفة عن وظيفتها وخاصة حين تجد نفسها في أزمة ما، أو حين يسعى فيلسوف إلى تجديد النظر الفلسفي. ولهذا نادرا ما تجد فيلسوفا قد تفلسف دون أن يبدأ بالسؤال ما الفلسفة، بصيغة مباشرة أو غير مباشرة.

وإذا نظرنا إلى تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخ مشكلات عرفنا طول حياة المشكلة الفلسفية والتي لا يبلى بعضها إطلاقا وبالتالي: فإن المشكلة ذاتها لا تحدد الانقطاع بل الإجابة عنها. غير أن الانقطاع الأكثر أصالة في تاريخ الفلسفة هو ذاك الذي يأتي كثمرة طرح مشكلات جديدة كل الجدة.

وعندما ينزع الفيلسوف لطرح مشكلة جديدة يعود للسؤال ما الفلسفة؟

ولهذا فسؤال ما الفلسفة يُحيل مباشرة إلى الفيلسوف الطامح للتفلسف من جديد، لأن الجواب قائم أصلا في ذهن فيلسوف عرف ما الذي سيقوم به على وجه الدقة. وعندها يكون سؤال ما الفلسفة صيغة لسؤال ما الفلسفة التي أطرح؟

وما الفلسفة التي أطرح تعني ما المشكلة الفلسفية التي أراها قمينة بالنظر، ما المنهج الذي أراه أكثر صلاحاً في فض المشكلة. وتعني أيضا الأمرين معا. فتارة تكون الفلسفة جوابا عن سؤال ما الوجود، وتارة جوابا عن سؤال ما المعرفة، وعن سؤال ما السلطة، ما التاريخ، ما الحرية الخ.

إذ ذاك، نحدد الفلسفة مبدئيا بأنها جواب عن أسئلة كبرى في لحظة من التاريخ أو من تطوّر المجتمع.

ولهذا تتعدد الأجوبة بتعدد زوايا رؤية الفلاسفة إلى ما يعتقدون أنه السؤال الحقيقي.

غالبا ما لا يحتاج الفيلسوف إلى طرح السؤال مباشرة ما الفلسفة حسبه التفلسف لكي يحدّد لنا جوابا عن سؤال مضمر ما الفلسفة؟ ففي كل فلسفة سؤال مُضمر: ما الفلسفة؟

وهذا السؤال المُضمر عند الفيلسوف مختلف عن السؤال ما الفلسفة حين يخف الفيلسوف للدفاع عنها في وجه خصومها من أصحاب الوعي العادي أو الاعتقاد الديني، لأنه في هذه الحالة الأخيرة، إنما يسعى إلى تأكيد شرعيتها -كما رأينا سابقاً- في وسط العداء المتمكّن من هؤلاء الذين أشرنا إليهم. يسعى إلى إبراز ضرورتها وتميّزه. سؤال ما الفلسفة: سؤال عن ضرورة مفاهيم جديدة لوعي العالم – المشكلة.

فالفلسفة بوصفها وعيا مستقلا تعيش هي الأخرى لحظات أزمة تتجلّى أكثر ما تتجلّى في جهازها المفهومي أو المقولي. وليست المفاهيم والمقولات -كما أرى- إلا صورا تاريخية لوعي العالم.

وتاريخية المفاهيم تفرض علينا دائما التحقّق من درجة تطابقها مع العالم، ومع مستوى تطوّر معرفتنا به.

هل يمكن للفيلسوف الآن الإجابة عن سؤال: ما الوجود؟ انطلاقا من جهاز مفاهيم قُدَّ لفهم الوجود في القرون الوسطى، أي انطلاقا من تقسيم الوجود إلى واجب الوجود بذاته وواجب الوجود بغيره، أو انطلاقاً من المثال والواقع والصانع. أو تأسيسا على مفهومي النومين والفينومين؟

فعندما تتغيّر دلالة الوجود ذاته، ويصير معنى الوجود هو الوجود الإنساني، فإن تغيّر دلالة الوجود تفترض بالضرورة تغيير جهاز المفاهيم.

فتحديد الوجود بالوجود الإنساني، بوجود الأنا، غير بدوره دلالة مفهوم العدم، حيث صار العدم، الموت، عدمي أنا، كل هذا أدى إلى تغير كبير في مبحث الانطولوجيا.

نصل إلى القول إن سؤال ما الفلسفة؟ وهو سؤال ما المشكلة الفلسفية وعليه سؤال ما المفاهيم الجديدة؟

إنّ وضع الصيغة على هذا النحو تفضي بنا إلى تغير في طبيعة السؤال، إذ باستطاعتنا الآن أن نسأل: ما الفيلسوف؟ قلنا ما الفيلسوف ولم نقل من هو الفيلسوف، لأننا نقصد من السؤال تحديد الماهية.

هل هناك فرق بين السؤال ما الفلسفة وبين سؤال ما الفيلسوف؟

إذا طرحنا السؤال ما الفلسفة فإننا أمام عدة احتمالات للإجابة عن هذا السؤال. كأن يقول الفيلسوف الإسلامي: الفلسفة المعرفة العقلية بالصانع. أو هي الطريق إلى التسامي والاتحاد بالمسيح عند التومائي الجديد، أو هي المعرفة الجدلية بقوانين تطوّر الطبيعة والمجتمع والوعي عند الماركسي. أو هي خطاب في الحرية الإنسانية.. إلخ. لكن سؤال ما الفيلسوف لا يحتمل ويجب ألاّ يحتمل إلا إجابة واحدة ألا وهي: الفيلسوف هو الذي ينتج جهازا في المعرفة، جهازا من المقولات أو المفاهيم التي تكون وعيه بالعالم وبالمشكلة الأساسية التي يراها. وفي ضوء ذلك ينتج نظرة إلى العالم.

ولاشك أن لا فلسفة بلا فيلسوف غير أن الفلسفة تضم جمهورا أكبر من جمهور الفلاسفة بالمعنى الذي أشرت إليه.

فأفلاطون فيلسوف: فهو الذي أنتج مفهوم الخير والمثال والمادة والصانع والتذكر… إلخ. فيما الأفلاطوني هو مشتغل بالفلسفة وكذا الفرق بين هيغل والهيغلي وماركس والماركسي. ومعيار التمييز هنا هو التالي: الفيلسوف يقدّم المفاهيم، فيما المشتغل بالفلسفة إن كان منحازا لهذا الفيلسوف أو ذاك يتبناها.

وأسارع إلى القول إن مفاهيم الفيلسوف ذاته عندما تغتني بنشاط فيلسوف آخر، فإننا في هذه الحالة نتحدث عن فيلسوف داخل المذهب.

فعندما نقول عن غرامشي إنه فيلسوف ماركسي فإننا نتحدث هنا عن جملة مفاهيم جديدة: الاستقلال التاريخي، الكتلة التاريخية، المثقف العضوي، المجتمع المدني حرب المواقع… إلخ.

الفلسفة بوصفها وعيا مستقلا تعيش هي الأخرى لحظات أزمة تتجلّى أكثر ما تتجلّى في جهازها المفهومي أو المقولي. وليست المفاهيم والمقولات -كما أرى- إلا صورا تاريخية لوعي العالم. وتاريخية المفاهيم تفرض علينا دائما التحقّق من درجة تطابقها مع العالم، ومع مستوى تطوّر معرفتنا به. هل يمكن للفيلسوف الآن الإجابة عن سؤال: ما الوجود؟ انطلاقا من جهاز مفاهيم قُدَّ لفهم الوجود في القرون الوسطى

وهكذا فإن الفلسفة إذ تتحوّل إلى مذهب، فإن المذهب عندها يضم مجموعة فلاسفة ومشتغلين بالفلسفة.

فمفهوم الوعي الممكن عند لوكاتش ينقله من مجرد ماركسي إلى فيلسوف. وكل من يقدّم دلالة جديدة لمفهوم مُعيّن هو فيلسوف لأن الدلالة الجديدة للمفهوم هو قدّ مفهوم جديد.

خذ مثلا مفهوم الاغتراب. فهذا المفهوم نجده لدى هيغل وفورباخ وماركس وسارتر. لكننا أمام مفاهيم وليس أمام مفهوم واحد، اغتراب الروح، الاغتراب الديني، اغتراب العمل اغتراب الإنسان في الآخر.

ولهذا فإن الفيلسوف إذ يعيد إنتاج مفهوم شائع ويغنيه بدلالة جديدة فإنه ينتج مفهوما جديدا.

نضيف إلى هذا، الفيلسوف إذ ينتج مفاهيم نظرية فإنه عمليا ينتج أحكاما نظرية؛ لأن كل مفهوم هو حكم نظري أو أكثر. فإن قلت: الوجود لذاته وهو مفهوم سارتري، قلت إن الإنسان كائن حرّ، الإنسان وجوده سابق على ماهيته، الإنسان إمكانية. وبالتالي سيّان إن قلنا إن الفيلسوف ينتج الأحكام النظرية أو المفاهيم النظرية.

يجبرنا التعريف السابق للفيلسوف أن نعرف المفهوم. ونكشف عن المفهوم الفلسفي، أي الذي ينتجه الفيلسوف.

فنحن نعرف أن المفهوم اسم يدلّ على السمات الجوهرية للشيء أو لمجموعة من الأشياء، هذا التعريف العام للمفهوم لا ينفي أن هناك أنواعا ثلاثة من المفاهيم: المفهوم العادي أو العامي- أي مفاهيم المعرفة العادية، والمفهوم التجريبي أي مفاهيم المعرفة العلمية، ثم المفهوم الفلسفي النظري.

ففي المفهوم العادي هناك علاقة مباشرة بين المفهوم والشيء. فمفهوم الكرسي لا يحيل إلا إلى الكرسي في كل أشكاله. إنه اسم للشيء والعلاقة الكامنة فيه هي الأخرى مباشرة، ونقصد بالعلاقة القائمة فيه الحكم المضمر فالكرسي كمفهوم هو آلة للجلوس والبياض لون من الألوان.

والمفهوم العادي- بهذا المعنى يعبّر عن معرفة بسيطة بالشيء وعن علاقاته الواضحة. ومن تلك المفاهيم تتكون اللغة العادية -العامية في أكثر مفرداتها أما المفهوم التجريبي، فهو كشف لعلاقات أعمق في الشيء – الظاهرة.

والحكم المضمر فيه هو قانون تجريبي، إنه ثمرة الملاحظة والتجربة الهادفتين، إنه بهذا المعنى مفهوم تركيبي معمم لعلاقات اختبارية.

فالجاذبية كمفهوم هو علاقة بين جسمين: الأرض والجسم المعلّق في الهواء أو المُلقى عليها وهذا حكم، يخضع للقياس الكمي.

وكل مفاهيم العلم هي من هذا القبيل، القوة، السرعة، الضوء، الوراثة… إلخ.

أما المفهوم الفلسفي – النظري، فليس معطى مباشرة من التجربة إنه قوة تركيبية توسطيّة لمفاهيم متعدّدة في مفهوم واحد.

فمفهوم البنية هو تركيب بين مفهومي التغيّر والثبات. إنه تركيب تناقض.

ومع ذلك قد يكون هناك اشتراك في المفاهيم وفي كل المستويات، لكنّ هذا الاشتراك لا يعني وحدة الدلالة، فمفهوم الإنسان حاضر في كل مستويات المفاهيم السابقة العادية، التجريبية النظرية غير أنّ دلالته في كل مستوى من هذه المستويات مختلفة.

الفيلسوف يتجاوز مفاهيم العقل العادي والاختباري، لأنه يسعى إلى تقديم معرفة كلية عن العالم في مختلف جوانبه.

إن المفهوم الفلسفي هو تعبير عن مشكلة فلسفة.

والمشكلة بالتعريف لا تنشأ إلا من تناقضات المعرفة بالعالم فالانتقال من اللا معروف إلى المعروف لا ينتج بعد مشكلة.

فهذه حركة المعرفة، ولكن عندما تنشأ لدينا معارف متعددة مختلفة ومتناقضة حول ما كان غير معروف عندها توجد المشكلة.

فالمشكلة العلمية مثلا لا تنشأ من المعرفة إلا إذا كانت المعرفة متعدّدة حول الشيء.

فالكشف عن طبيعة النور معرفة بالنور وقد تمّت في حقل المعرفة الاختيارية. وقد وصل العلماء إلى تحديدين للنور. فمن قائل إن للنور طبيعة موجية ومن قائل أن للنور طبيعة حبيبية. المشكلة تظهر عندما نطرح السؤال: ما طبيعة النور أهي موجية أم حبيبية؟

ومشكلة أصل العالم لم تنِشأ إلا بوصفها تركيب بين إجابات متعددة. والمعرفة لم تظهر كمشكلة إلا بتعدّد الإجابات التي أنتجت مذاهب شتّى، فمفاهيم العقل والتجربة والحسّ والإدراك والأفكار الفطرية والمعرفة القبلية والذات والموضوع كلها مفاهيم نشأت بنشأة مشكلة المعرفة.

فالمشكلة إذاً هي سؤال داخل المعرفة. ومن هنا كلما تطوّر المجتمع وتطوّرت المعرفة وتطوّر العلم ظهرت الفلسفة واتسع تأثيرها غير المباشر. والتطوّر الكلّي يفرض على الفيلسوف أسئلة – مشكلات. ولهذا فالمشكلة الفلسفية هي مشكلة واقع متعيّن. والفيلسوف هو هذا التكثيف الشديد لتلك المشكلة أو المشكلات والمجيب عنها.

ويتأسس على قولنا السابق في المشكلة الفلسفية بوصفها مشكلة مجتمع محدّد تاريخيا حكم آخر ألا وهو: الفيلسوف هو فيلسوف مجتمع محدّد تاريخيا.

غير أنّ الفيلسوف بما هو منتج للمفاهيم النظرية يحوّل المشكلة الفلسفية المعيشة إلى مشكلة عامة، وبالتالي يخلق المفهوم النظري الفلسفي، وآية ذلك أن قوله مرتبط بمفهوم الحقيقة بمعزل عن ارتباط المشكلة بواقعها.

فلو رصدنا تطوّر مشكلة العقل والنقل في إهابها الفلسفي، والتي هي واحدة من مشكلات الفلسفة العربية – الإسلامية لوجدنا أن ظهورها قد بدأ أولا في علم الكلام، وأصل المشكلة النص وتأويل النص. وهذا بعد ليس في وضع المشكلة الفلسفية لأن تناولها في علم الكلام قد تمّ في حقل النصّ الديني، وما إذا كان من المحكمة أن نقرأ النصّ الديني قراءة ظاهرية أم أن نعمل العقل في تأويله.

لكن تطوّر هذا النـزاع، وما أفضى إليه من اختلاف قد أنتج المشكلة الفلسفية التالية: هل يحقّ للعقل أن ينتج خطابه المستقل عن النصّ أم لا، أي هل الفلسفة والنص الديني متناقضان أم لا؟

مشكلة كهذه ولا شك مشكلة ثقافة عربية – إسلامية. أي ثقافة حضارة محدّدة. لكن الفيلسوف كابن رشد قد حوّلها إلى مشكلة عامة وفاضت إجابته عن أن تكون إجابة خاصة بالثقافة العربية. بل تحوّلت إجابته إلى إجابة كلية قابلة للانتقال إلى ثقافات أمم أخرى. وهكذا نحصل على صفة أساسية من صفات الفيلسوف ألا وهي قابليته للانتشار. وهذه أيضا صفة الفلسفة.

وقابلية انتشار الفيلسوف، بوصفها قابلية انتشار إجاباته العامة على مشكلته الخاصة، ما كانت مُمكنة لولا جهاز المفاهيم التي أنتجها الفيلسوف، الحقيقة، ازدواجية الحقيقة، البرهان، الخطاب… إلخ.

غير أنّ الفيلسوف بما هو منتج للمفاهيم النظرية يحوّل المشكلة الفلسفية المعيشة إلى مشكلة عامة، وبالتالي يخلق المفهوم النظري الفلسفي، وآية ذلك أن قوله مرتبط بمفهوم الحقيقة بمعزل عن ارتباط المشكلة بواقعها. فلو رصدنا تطوّر مشكلة العقل والنقل في إهابها الفلسفي، والتي هي واحدة من مشكلات الفلسفة العربية – الإسلامية لوجدنا أن ظهورها قد بدأ أولا في علم الكلام، وأصل المشكلة النص

هذا ما حوّل ابن رشد من فيلسوف عربي إلى فيلسوف عالمي.

وكذا الأمر بالنسبة إلى ديكارت. فديكارت واجه على نحو فلسفي مشكلة الصراع بين الفلسفة – العقل، والكنيسة، وكان هاجسه تأكيد حرية الفكر في ارتياد العالم.

وهكذا تحوّل الكوجيتو إلى مبدأ عام.” أنا أفكر إذا أنا أكون” وتحوّلت مفاهيمه إلى مفاهيم عامة، الجوهر، الروح، الفكر، الامتداد، الحركة… إلخ.

ولقد استقبلت كل الثقافات الحديثة ديكارت بوصفه فيلسوف العقل، ولهذا قيل إن العودة إلى ديكارت التي ترافقت مع عودة الفلسفة إلينا كانت دلالة على تأكيد أهمية العقل، لكن الثقافات استقبلته كل وفق حاجتها ومنطقها.

فلقد ترجم الكوجيتو الديكارتي “cogto ego sum” “بأنا أفكر إذن أنا موجود”، ولم تترجمه “بأنا أفكر إذا أنا أكون” كما ترجمناه سابقا.

أشير بداية أن هناك فرقا كبيرا بين الحكمين: أنا أفكر إذا أنا أكون، وبين أنا أفكر إذا أنا موجود.

وأنا أفكر إذا أنا أكون هي الصيغة العربية الحقيقية لترجمة الحكم الديكارتي باللاتيني. وأكون هنا مضارع كنت ولكن لماذا جاءت صيغة sum أكون على نحو موجود. أي اسم مفعول. الحق أن وجد عرف اشتق منه الوجود. ولم يشتق منه أي فعل بمعنى أكون، ومن الوجود، اشتق منه الموجود.

والموجود كما جاء في تاج العروس ثلاثة أضرب “موجود لا مبدأ له ولا منتهى، وليس ذلك إلا الباري تعالى. وموجود له مبدأ ومنتهى، كالجواهر الدنيوية، وموجود له مبدأ وليس له منتهى كالناس في النشأة والآخرة”.

وبالتالي فالإنسان موجود، لأن له مبدأ، أي إنه مخلوق، ولكن ديكارت يقصد أن الإنسان المفكر يوجد، أي هو كائن أقصد إنه كما كان هناك إيفروس -أي ابن رشد اللاتيني- فهناك ديكارت العربي، فبانتقال الفيلسوف من بيئة ثقافية إلى أخرى يحصل على زيّ الثقافة الناقلة.

وإذا كان الإبداع الفلسفي -إبداع المفاهيم النظرية- شرطا ضروريا لعولمة الفيلسوف، فإنه ليس شرطا كافيا. فالفيلسوف لا يغدو عالميّا إلا إذا انتمى إلى أمة عالمية. ذات ثقافة عالمية، إذ يحصل أن ينتج شعب محلّي أو أمة غير عالمية فيلسوفاً على جانب كبير من الإبداع، دون أن يمارس تأثيره العالمي.

فيوسف كرم الذي ذكرنا -فيلسوف تومائي جديد- لا يقلّ عن أي فيلسوف تومائي غربي، إن لم يكن يبزهم معرفة، لكنه ظل أسير عالمه المحيط، فيما تحوّل التومائيون الفرنسيون الجدد بفضل عالمية الثقافة الفرنسية إلى فلاسفة عالميين.

ومع ذلك لا نقصد أن كرم فيلسوف محلي رغم ضيق عالم تأثيره لأن الفيلسوف المحلي لا وجود له. فعندما يفكر إنسان ما بمشكلاته الخاصة حتى ولو كانت مشكلات شعب، ولا يرفعها إلى مستوى المشكلة العامة فإنه يظل محليّا، عندما لا ينتج معرفة قابلة للانتشار يظل محليا، وقابلية الانتشار، رغم أهميتها لا تخلق فيلسوفا بالمعنى الذي أشرت إليه للفيلسوف.

وإذا كان البعض يعتقد أنّ العرب لم ينتجوا الفيلسوف العالمي، فهذا ليس بسبب أنه أقل شأنا من غيره بل لأن أمته لم تحمله إلى العالم. من هنا كانت مهمة الفيلسوف العربي أن يفكر بعالمية أمة لم تحصل بعد على شروط تحققها الكلّي، ولم تحتلّ مكانة بارزة بين الأمم. ومن هناك نفهم لماذا يظل التفكير بالأمة هاجسا أول للفيلسوف العربي.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات