ثلاثية الشجر البابلي

الجديد  حميد سعيد [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(52)]

زيارات الشجر البابلي

كُلَّما زارني الشجرُ البابليُ..

أدخلتُهُ سلالةَ العواصفِ.. ثمَّ انتسبتُ إليهْ

ومضيتُ لأبحث عنهُ..

في كتبٍ.. لم أعدْ أتذكَّرُ أين هي الآنَ..

مُذْ فارقتها عناوينُها

وسأسأل عنهُ بلاداً جفتهُ

وأسألهُ..

عن بلادٍ إذا ما رَحلْنا إليها معاً..

أتراها ستعرفنا؟

. . . . . .

. . . . . .

خجِلٌ نخلُنا

كانَ ذلكَ يومَ افترقنا ..

وخبَّأَ في خبزنا .. قمراً ونشيداً جديداً

يُذكِّرُنا؟!

أيُذكِّرُنا.. برفيفِ طيورٍ تَمُرُّ بنا

وتجيء بما وعدَ الليلُ قبلَ الرحيلْ؟

أمْ يُذكِّرُنا..

يومَ كنا نُغَنّي لها..

أنْ تَمُرَّ بأحبابنا.. وبقية أصحابنا

وتنقل عنا تحياتنا..

لبيوتٍ رَعتْنا..

وللنهرِ.. كان أخاً طَيِّباً وحيِّياً

يُشارِكُنا فرحاً.. ويُشاركنا الحزنَ..

أينَ هو الآن؟

كانت شبابيكُ تلكَ البيوتِ

أعطتهُ.. سحرَ عيونٍ تُباغتهُ حين يدنو

أتنتظِرُ الآنَ مَن رحلوا.. أمْ طواها الغيابْ؟

أينَ هو الآن؟

هل ظلَّ حيث أَقمْنا معاً..

أم طواهُ الغيابْ؟

. . . . . .

. . . . . .

كلما زارني الشجر البابليُ..

خَطَّ على الباب أهزوجَةً غامضة

تستظلُ بها آخر القصائد..

تبحث عَمّا اختفى في ثنايا الحروفِ..

من حكمَةٍ فائضة

تتعلَّمُ منها القراءات..

كانوا هناك..

أين هم الآن؟

ظلَّ المغنّي يواصلُ في آخر الليلِ

ما كان في أول الليلِ

لكنَّ إطلاقةً مُتوحِشةً..

دخلت بين ورد مقام الصَبا..

وغصون مَقام الحجازِ..

فما عاد يعرفُ كيفَ يلِمُّ نثار مواجعِهِ

وطواه الغيابْ

. . . . . .

. . . . . .

تقولُ التي طالما حدثتني.. بما كان

إنَّ الطيورَ إذا هاجرتْ..

سَتُغيِّر عاداتها

هل أقولُ..

إن طباعَ الطيور في هذه المدينةِ..

غيرُ طباع الطيورْ

تتصابى الثواني وتُخفي ظلال العصورِ..

كان الزمان يدورْ

وتوقَّفَ مُذْ أطفأت اُمُّهُ نار تنورها

صار خبزُ البلادْ

بارداً..

وكساه الرمادْ

. . . . . .

. . . . . .

بانتظار الذي ستحدثه عنه..

مما تعلَّمَهُ الشجرُ البابليُ

سيبقى وحيداً

خائفاً

أستأتي المواسِمُ بعدَ الأوانْ؟

يسبقها النَخْلُ..

تبدو الحكاياتُ مبتدأً للحكاياتِ

ما كان منها..

وما سيكونْ

وأبقى على موعدٍ..

كلَّما زارني الشجر البابليُ..

معَ اللحظة العاصفة

15- 11- 2017

يوميات الشجر البابلي

تخطيط: حسين جمعان

قبلَ أنْ تبدأ القافلةْ

في سراها إلى القارة السابعة

نجمةٌ ضائعة

يتقدَّمها النحلُ وهو الدليلُ..

ويبقى النخيلُ..

يلمُّ عراجينَهُ في مواجهة القارعة

بلبلٌ أخرسٌ يتخيَّل لونَ الغناءْ

يُحاولُ..

لكنَّ جارته سبقته إلى ظلِّهِ

شاركته انتظار المساءْ

. . . . . .

. . . . . .

مرَّ بين الحقول..

رأى سدرةً وارفة

قال.. أيتها المتكبرة ابتعدي عن طريقي

فما سمعتهُ

ولمّا تزلْ واقفة

ومضى يتعثَّرُ بالريح.. تتبعهُ حيث كانَ..

في الجُب..

في رحم العاصفة

وإذْ عاد منها.. إليها

التقى سدرةَ الأمسِ .. مُرتابةً خائفة

. . . . . .

. . . . . .

للصوص البساتين ما يدفعونَ به الخوفَ.. من كذِبٍ

ولحرّاسها مثلُهُ

ولكلٍ روايتُهُ..

وله من يُصَدِّقُها.. ويُرَدِّدُ ما جاء فيها..

وليس له من شهودْ

نَبَحتْهُم كلابُ القرى من بعيدٍ.. ففرّوا

وإذْ وجدوا مَنْ يُحدِّثُهم في الطريقِ..

استجاروا بما حدَّثوا..

وبما حُدِّثوا..

حيثَ مرّوا

. . . . . .

. . . . . .

وعلى غير عادته..

يدخلُ الماءُ حقلَ اليتامى

تقافَزُ بين يديه الجنادِبُ

تصحو العناكبُ

تنسابُ من فُوَّهات الثقوب.. العقاربُ

تنضو الثمار الجديدةُ قمصانها..

بانتظار القطافْ

امرأةٌ في خطوط يديها .. بلادٌ يهاجر نخلُ بساتينها

وتُفارقُ أنهارها..

ويحلُّ الجفافْ

. . . . . .

. . . . . .

نسوَةٌ فَرِهاتٌ..

تضجُّ بهن الحقولْ

يرفعنَ أصواتهنَ.. ليُسمِعنَ جاراتهنَ..

وكلٌ لها ليلها

كانَ .. أو تتخيَلهُ

يتحررن من فقرهِنَ..

بما كشف الليلُ.. مما اكتنزن بأجسادهن..

من ذهب الرغبةِ..

حتى إذا فُتِحَ البابُ عند الصباح..

كان الكلامُ المباحْ

. . . . . .

. . . . . .

وكانتْ تمرُّ اللقالقُ..

عائدةً نحو أعشاشها..

كلما جاء صيفْ

حيث كانت تُقيمُ على ما تبقى من الجُدُرِ البابليةِ..

عاليةً كانت الجُدُرُ البابليةُ

مذ مرَّ صيفٌ.. وصيفٌ وصيفٌ

وما عادت اللقالقُ وانهارت الجُدُرُ العالية

واختفى كل ما خلَّفَ الملوكُ القدامى

وما كتبَ الشعراءُ

وما كانَ في الذاكرة

11-12- 2017

منازل الشجر البابلي

تخطيط: حسين جمعان

قرأنا على رُقُمِ الطينِ..

إنَّ قُرىً عَلَّمتها البساتينُ.. فاتِحَةَ الماءِ

كانَ الفراتُ يمرُّ بها..

فيضيِّفهُ النخلُ والتينُ

جاءَ عن الأوَّلينْ..

إن أبهى النساءْ

تُخرِجُ الأخضرَ الذي اختطفتهُ ليالي الشتاءْ

يُدفِّئُ ليلتها..

وتُدَفِّئُ ليلته..

ويعودُ إلى رحِمِ الأرض.. ما كان من شَجَرٍ طيِّبٍ

في منازله كانت البداياتُ..

مُذْ خَطَّ أولى ملاحمِهِ..

وتَعَلَّمَ منها..

وعَلَّمنا..

أنْ نُقيمَ قريباً.. من الكاف والنونْ

كلُّ ماضٍ.. يرى فيه ما لا يرى الآخرونْ

وكلُّ غدٍ.. سيزور حدائقَ أسلافهِ..

فتُحدِّثُهُ عن منازل أسلافها

ويُحدِّثُ كلَّ غدٍ سيجيءُ..

بما حدَّثتْهُ

. . . . . .

. . . . . .

المتاهاتُ ضَيِّقَةٌ

والطريق إلى مدنٍ لم تَعُدْ تتذكَّرُ.. ما خبأته الفصولْ

ضَيِّقٌ..

والرياحُ التي يستدلُ بها العشبُ..

فارقَتْ العُشبَ..

واقترنتْ برمالٍ رماديَةٍ..

كُلَّما حاولت أنْ تعودَ إلى العشبِ..

أنكرها العُشبُ

وابتعدَتْ عن طريق سُراها الحقولْ

. . . . . .

. . . . . .

تتوارى المنازل خلفَ ظلال العصورْ

وتمضي الرياح إلى غير غاياتها..

وتضيعُ..

تحاولُ أنْ تَجِدَ الشجرَ البابليَّ..

وليسَ لها من دليلْ

تَسْتَفيقُ الثواني التي خبَّأتها الأساطيرُ ..

بعدَ سُباتٍ طويلْ

فتدنو المنازلُ منها.. وتقرأُ في كَفِّها ..

. . . . . .

. . . . . .

إنَّ أبهى النساءْ

تُخرِجُ الأخضر الذي اختطفته ليالي الشتاءْ

5-1- 2018


شاعر من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • التمرد على الزمن
  • ثلاث قصائد