كتلة حرجة

هاتف ذكي وفيسبوك

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/04/2018، العدد: 39، ص(160)]

لوحة: بشير قوشجي
لا يمكن الاستهانة بقوة وسائل التواصل الحديثة وقدرتها على إحداث التغيير. فما بدأ تقنية بسيطة للتواصل بين الأشخاص وإرسال الصور والمقاطع الموسيقية والفيديو، صار اليوم عالما متكامل الأوصاف، وهو قادر على إعادة توجيه مسار التاريخ بالفعل.

كانت الولادة عند نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة. ما نزال نذكر برامج الدردشة التي انتشرت سريعا في الغرب وفي عالمنا العربي. غرف الدردشة سرقت التركيز لدى مجموعة لا بأس بها من المهتمين بالشأن المعلوماتي، وممن يتقنون أساسيات التعامل مع الكمبيوتر. يزقزق جهاز المودم فيرتبط الكمبيوتر مع الشبكة وتبدأ عملية التصفح الأولية للأخبار وبعض الموضوعات أو القضايا، ثم يذهب المدردش إلى غرفته المفضلة. عالم جديد من الموضوعات والاهتمامات، على كبر أهميتها أو حجم تفاهتها.

بمرور الوقت، فتحت برامج أكثر تخصصا المجال للدردشة المباشرة. برامج مثل ام أس ان مسنجر وسكايب وياهو مسنجر جعلت الدردشة جزءا أساسيا من الحياة، سواء لأداء العمل أو الترفيه أو النقاش أو العراك.

الثورة الحقيقية جاءت مركبة. أولا بانطلاق وسائل التواصل الاجتماعي على شاكلة فيسبوك وتوتير، متلازمة مع العنصر الثاني الذي لا يقل أهمية وهو الهاتف الذكي. هذه التوليفة أنتجت الكتلة الحرجة لعملية تغيير غير مسبوقة بسرعتها ومدى انتشارها. البقية، كما يقال، صارت تاريخا.

لعلنا ظلمنا العالم الثالث عندما تحدثنا عن خلفيته في تقبله لتأثيرات التقنيات الجديدة بوجهيها من التواصل الاجتماعي وحركية الهواتف الذكية. بدا العالم العربي منبهرا بالتغيير أكثر من انبهار العالم الغربي المتقدم.

المواطن الغربي كان مطلعا دائما على ما يجري من حوله، على الأقل في عالمه. ثمة وفرة في التغطية الصحفية ووفرة أكثر في تنوع وسائل الإعلام المتاحة أو المصادر المعرفية. الصحيفة والشاشة التلفزيونية والكتاب كانت تنقل له ما يهمه، فجاء الانتقال سلسلا نسبيا إلى عالم التواصل الالكتروني. كان من السهل عقد ندوة أو تجمع أو الدعوة إلى تظاهرة كبيرة، بل ومليونية.

القانون في الغرب مستقر والسياسة حسمت خياراتها قبل قرون في الاستكانة لنموذج الحريات الذي لا يتعارض مع الأمن والاستقرار. لم يتنبه كثيرون في الغرب إلى أن التغيير الذي جاء مع الشبكات الاجتماعية/الهاتف الذكي سيكون بدوره كاسحا ويتفوق على ذلك الذي احدثته الطباعة قبل خمسة قرون.

العالم العربي، ببدائية وسائل الإعلام لديه وطريقة تقديمها الأفكار والمعلومات، كان يكفيه الحديث في العموميات مع القليل من التهويل. الاشاعة التي كانت تنتقل من اذن إلى اذن، صارت تتنقل عبر الشبكات الاجتماعية ورسائل الهواتف. لكنها بقيت إشاعة وصورة ملفقة ونُتفا من دردشة عابرة عادة ما تتم بلغة عربية ركيكة. إلا أن هذا لم يمنع تأثر العالم العربي، والدليل ما نشاهده من تغيرات، السلبية منها والإيجابية. موجة التشدد كان يكفيها أن تصبغ عالمنا بفرشاة عريضة وبتلوين من نوع واحد للوصول إلى الفوضى الراهنة. أما الرد على موجة التشدد هذه فكان بدوره رسالة عمومية تشخص أثر الإسلام السياسي بأوجهه الإخوانية والسلفية والخمينية.

هذه التغيرات قطعت عميقا في لحم الشعوب العربية الحي، لأنها كانت غير مستعدة. لكن الغرب ظل محصنا إلى حد كبير من هذه التأثيرات العامة الخالية من المعالم. إلى أن وصلنا يومنا هذا.

القدرة على التغيير، كما شهدنا في الاستفتاء البريطاني على الخروج من الاتحاد الأوروبي وفي الانتخابات الأميركية التي أوصلت شخصية مثل دونالد ترامب إلى الحكم، كانت تستخدم الأدوات الشعبوية القائمة على التواصل الاجتماعي/الهاتف الذكي نفسها، لكن الفرق كان في أن الرسالة صارت مفصلة على مقاس كل مواطن ومتابع. بدل الرسم على اللوحة البشرية بفرشات عريضة، كانت هناك قفزات في التقنية قادرة على رسم صورة منمنمة وتفصيلية لكل مواطن بما يروقه وما يستجيب لردود فعله.

الممتعض من ضيق سوق العمل في بريطانيا، ترسل له رسالة تحريض على الأوروبيين الشرقيين ممن "سرقوا" وظيفته. الكاره للأجانب، تكفيه صورة لطابور المهاجرين. ذلك الذي لم يعد يطيق ترهل الإدارة الأميركية وانعدام بوصلتها، يتسلم صورة المرشح المغامر الذي يريد أن يستعيد أمجاد الولايات المتحدة السابقة، حتى لو كانت الصورة مرسلة من ألد أعداء واشنطن، أهل موسكو الذين لن ينسوا هزيمتهم في الحرب الباردة.

هذه التغييرات المفصلة هي أشبه بعملية كسب حزبية أو دينية. الساذج ترسل له ناشطا بسيطا، والمثقف تحاكي نرجسيته، بحوار مع مثقف مثله. المهم هو النتيجة. إنها تغييرات ساعدت في خلقها تكنولوجيا مذهلة تحاكي العقل البشري ونوازعه وتستطيع أن تترصد سلوكياته، وسلوكيات من حوله من الأصدقاء والأقارب، من خلال برامج الذكاء الصناعي.

هذه تحولات مفصلية في تاريخ البشرية، لعل من العبث الوقوف بوجهها، كما كان من العبث الاستهانة بتأثيرها. لدينا، في عالمنا العربي، أمثلة أكثر من أن تحصى لمن لم يفهم كم تغير العالم.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • كوميكس: من 7 إلى 77
  • نزار قباني التسجيل الكامل لتاريخ ما لم يحدث
  • مطلوب أدب نسوي
  • لا تظلموا المثقفين ولا يظلمون وزراء الثقافة
  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة