نزار‭ ‬قباني: ‬الحديث‭ ‬لا‭ ‬الحداثي

أعترف‭ ‬أنني‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أكنُّ‭ ‬إعجاباً‭ ‬خاصاً‭ ‬بشعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭. ‬وأنا‭ ‬إذ‭ ‬أكتب‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬غيابه‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬قبل‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬بوصلة‭ ‬النقد‭ ‬لدي‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬أسيرة‭ ‬نظرة‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬والشعرية‭ ‬مفرطة‭ ‬في‭ ‬الذاتية‭.‬

الجديد  خلدون الشمعة [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(10)]

لوحة: جان حنا
المشهد‭ ‬الشعري‭ ‬الآن‭ ‬يبدو‭ ‬لي‭ ‬مغايرا‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭: ‬ثمة‭ ‬ثلاثة‭ ‬مؤشرات‭ ‬نقدية‭ ‬أحرصُ‭ ‬على‭ ‬إبرازها‭ ‬في‭ ‬استعادتي‭ ‬لتجربة‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭. ‬يتصل‭ ‬الأول‭ ‬بضرورة‭ ‬التمييز‭ ‬الإجرائي‭ ‬بين‭ ‬الحداثة‭ ‬والحداثية‭ ‬باعتبارهما‭ ‬تطويرين‭ ‬يناقض‭ ‬كل‭ ‬منهما‭ ‬الآخر‭. ‬والثاني‭ ‬بالعلاقة‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬أدعوه‭ ‬بشعبية‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬الجارفة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وجهاً‭ ‬لوجه‭ ‬أمام‭ ‬شعبوية‭ ‬الاستقبال‭ ‬التي‭ ‬جوبه‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬النظام‭ ‬المعرفي‭ ‬والسلطوي‭ ‬المهيمن‭. ‬أما‭ ‬الثالث‭ ‬فيتصل‭ ‬بالمغايرة‭ ‬بين‭ ‬أصالته‭ ‬وبين‭ ‬أصولية‭ ‬الاستقبال‭ ‬الشعبوي‭.‬

أولا،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬كنموذج‭ ‬ومثال‭ ‬مقوّمٌ‭ ‬للشعر‭ ‬العربي‭ ‬عموماً،‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الشكل‭ ‬والأداء،‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬ذروة‭ ‬ما‭ ‬سأدعوه‭ ‬بـ‮»‬الإرهاق‭ ‬الجمالي‮»‬‭.‬

هذه ‬الذروة‭ ‬استدعت‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬حداثة‭ ‬طبيعية‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أقطابها‭ ‬المميزين‭. ‬والملاحظ‭ ‬أن‭ ‬حداثة‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬كانت‭ ‬تحرص،‭ ‬باستمرار،‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬بثٍّ‭ ‬في‭ ‬الأداء‭ ‬لا‭ ‬يُخل‭ ‬بالاستقبال‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬مائة‭ ‬ألف‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬ديوان‭ ‬لنزار،‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬عربي‭ ‬محدود‭ ‬القراءة،‭ ‬إنما‭ ‬يؤكد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬انقلابه‭ ‬الشعري‭ ‬محقِّقاً‭ ‬لما‭ ‬يشبه‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬خاصتي‭ ‬البثّ‭ ‬والاستقبال‭. ‬وفوق‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬التي‭ ‬تُذَكِّر‭ ‬بحرص‭ ‬الشاعر‭ ‬الفرنسي‭ ‬مالارميه‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬تحوم‭ ‬حداثة‭ ‬نزار‭ ‬بملابساتها‭ ‬المعرفية‭. ‬يقول‭ ‬نزار‭ ‬إنه‭ ‬عندما‭ ‬فكر‭ ‬بالتجديد‭ ‬الذي‭ ‬وصفه‭ ‬بأنه‭ ‬خطير،‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬عليه‭ ‬التريث‭ ‬أو‭ ‬‮«‬العد‭ ‬إلى‭ ‬العشرة‭ ‬أولا‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقول‭.‬

والقصيدة‭ ‬التالية،‭ ‬ربما‭ ‬تمثل‭ ‬نموذجاً‭ ‬للحداثة‭ ‬الطبيعية‭ ‬المنزع،‭ ‬الحداثة‭ ‬غير‭ ‬المجلوبة،‭ ‬والمعبرة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬التريث‭:‬

«‬ذبحتنا‭ ‬الفسيفساءُ‭ ‬عصوراً

والدمى‭ ‬الزخارف‭ ‬البلهاءُ

نرفضُ‭ ‬الشِّعْرَ‭ ‬كيمياءً‭ ‬وسحراً

قتلتنا‭ ‬القصيدةُ‭ ‬الكيمياءُ

نرفضُ‭ ‬الشِّعْرَ‭ ‬مسرحاً‭ ‬ملكياً

من‭ ‬كراسيه‭ ‬يُحْرَمُ‭ ‬البسطاءُ

نرفضُ‭ ‬الشِّعْرَ‭ ‬أنْ‭ ‬يكونَ‭ ‬حصاناً

يمتطيه‭ ‬الطغاةُ‭ ‬والأقوياءُ

نرفضُ‭ ‬الشِّعْرَ‭ ‬عَتْمَةً‭ ‬ورموزاً

كيف‭ ‬تستطيعُ‭ ‬أنْ‭ ‬ترى‭ ‬الظلماءُ‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الحداثة‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬محمول‭ ‬معرفي‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬إنشاداً‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬مستودعاً‭ ‬للتحول‭ ‬والتغيير‭. ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أنها‭ ‬تقومُ‭ ‬على‭ ‬افتراضٍ‭ ‬بوجودِ‭ ‬فاصلٍ‭ ‬حادٍّ‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬قبلَ‭ ‬الحداثةِ‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬الافتراض‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬الحداثة‭ ‬تحرُّكاً‭ ‬شاملاً‭ ‬للتغير‭ ‬الشعري‭ ‬والمجتمعي،‭ ‬تحركاً‭ ‬أرضيته‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وسياسية‭ ‬وثقافية‭.‬

ولهذا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬خبز‭ ‬وحشيش‭ ‬وقمر‮»‬‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد،‭ ‬ليست‭ ‬قصيدة‭ ‬حديثة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬قصيدة‭ ‬شعبية‭ ‬بامتياز،‭ ‬قصيدة‭ ‬استنفرت‭ ‬رداً‭ ‬شعبوياً‭ ‬كاد‭ ‬ينقلب‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬صانعي‭ ‬القرار‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬انتماءاتهم‭ ‬إلى‭ ‬تراجيديا‭ ‬مفضية‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬الجنسية‭ ‬عن‭ ‬الشاعر،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬عقوبات‭ ‬أخرى‭.‬

II

ثانيا‭: ‬أدى‭ ‬ما‭ ‬دعوته‭ ‬بـ»الإرهاق‭ ‬الجمالي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬نوعين‭ ‬من‭ ‬التغيير‭: ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬ذات‭ ‬الأمشاج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬الحداثة‭ ‬النزارية،‭ ‬والحداثية‭ (‬المودرنزم‭) ‬التي‭ ‬يَفْصِلُها‭ ‬عن‭ ‬الحداثة‭ ‬برزخٌ‭ ‬معرفيٌّ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفاله‭.‬

هذه‭ ‬الحداثية‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬مقصود‭ ‬حيناً‭ ‬وغير‭ ‬مقصود‭ ‬حيناً‭ ‬آخر،‭ ‬على‭ ‬أيديولوجيات‭ ‬الأدب،‭ ‬كالواقعية‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬وواقعية‭ ‬الأدب‭ ‬الإسلامي‭ ‬التي‭ ‬حذت‭ ‬حذوها‭.‬

ربما‭ ‬كان‭ ‬أثر‭ ‬المصادر‭ ‬الغربية‭ ‬أشد‭ ‬بروزاً‭ ‬لدى‭ ‬الحداثيين‭ ‬من‭ ‬حداثة‭ ‬نزار‭ ‬الطبيعية‭. ‬ثمة‭ ‬نموذجان‭ ‬باهران‭ ‬لشعرية‭ ‬الحداثية‭: ‬نموذج‭ ‬أدونيس‭ ‬ومجلة‭ ‬شعر،‭ ‬ونموذج‭ ‬خليل‭ ‬حاوي‭ ‬والتجربة‭ ‬التموزية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬هذين‭ ‬النموذجين‭ ‬هما‭ ‬الأكثر‭ ‬انفتاحا‭ ‬على‭ ‬التجارب‭ ‬الشعرية‭ ‬الغربية‭. ‬وفي‭ ‬المقطع‭ ‬التالي‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬لخليل‭ ‬حاوي‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬حذر‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬مبالَغا‭ ‬فيه‭ ‬إزاء‭ ‬المؤثر‭ ‬الخارجي‭:‬

‮«‬نحن‭ ‬من‭ ‬بيروت،‭ ‬مأساةً‮»‬‭ ‬ولدنا

بوجوه‭ ‬وعقول‭ ‬مستعارهْ

تولد‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬بغياً

ثم‭ ‬تُمضي‭ ‬العمرَ‭ ‬في‭ ‬لفق‭ ‬البكارهْ‮»‬‭.‬

III

ثالثا‭: ‬إذا‭ ‬قارنا‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الحذر‮»‬‭ ‬مع‭ ‬‮«‬التريث‮»‬‭ ‬النزاري‭ ‬المشار‭ ‬إليه،‭ ‬أمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحداثي‭ ‬خليل‭ ‬حاوي‭ ‬يرى‭ ‬التجربة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬الثقافية‭ ‬الفلسفية‭ ‬والفكرية‭ ‬بشكل‭ ‬عام‭. ‬هذا‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬ينتقد‭ ‬‮«‬الدُّرجة‮»‬‭ ‬أي‭ ‬‮«‬الموضة‮»‬‭ ‬لا‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬المتسم‭ ‬بالخفة،‭ ‬على‭ ‬مؤثرات‭ ‬خارجية‭.‬

ولهذا‭ ‬فالأصالة‭ ‬عنده،‭ ‬بنماذجها‭ ‬الحداثية‭ ‬قد‭ ‬تنقلب‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أصولية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬بوجود‭ ‬مؤثرات‭ ‬خارجية‭. ‬وهذا‭ ‬ضرب‭ ‬من‭ ‬المحال‭. ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬إن‭ ‬خليل‭ ‬حاوي‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬شخصية‭ ‬مروِّعة،‭ ‬أزمة‭ ‬كينونة‭ ‬يصدر‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬‮«‬غلواء‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يصدر‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مغالاة‮»‬‭. ‬

والحال‭ ‬أن‭ ‬خليل‭ ‬حاوي‭ ‬المنفتح‭ ‬بتمكن‭ ‬وتحكم‭ ‬على‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬شأنه‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬أدونيس،‭ ‬كان‭ ‬يعني‭ ‬بـ»الأصالة‮»‬‭ ‬النزوع‭ ‬إلى‭ ‬الابتكار،‭ ‬معناها‭ ‬الحقيقي‭. ‬حداثة‭ ‬نزار‭ ‬كانت‭ ‬طبيعية؛‭ ‬حداثة‭ ‬الفطرة‭ ‬السليمة‭ ‬Common sense‭. ‬المديني‭ ‬بامتياز‭.‬


ناقد من سوريا مقيم في لندن