نزار‭ ‬قباني‭.. ‬المُقْـلِق

الجديد  شاكر لعيبي [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(110)]

نزار قباني‭ ‬من‭ ‬معلمي‭ ‬الشعر‭ ‬الكبار‭. ‬حقيقة‭ ‬لا‭ ‬نعترف‭ ‬بها‭ ‬أحيانا‭ ‬ونطمرها‭ ‬بسبب‭ ‬بداهتها‭ ‬المطلقة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬الشعري‭ ‬العربي‭. ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬سنيِّ‭ ‬انفتحت‭ ‬شهيّتنا‭ ‬على‭ ‬الشعر‭ ‬فوجدنا‭ ‬فيه‭ ‬بعضا‭ ‬أو‭ ‬كل‭ ‬ضالتنا‭ ‬وحساسيتنا‭. ‬بعدئذ‭ ‬كانت‭ ‬شعبيته‭ ‬بين‭ ‬الأوساط‭ ‬المتوسطة‭ ‬والمتعلمة،‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬النساء،‭ ‬أمرا‭ ‬مقلقا‭ ‬للكثير‭ ‬منا‭. ‬

لقد‭ ‬كانت‭ ‬رديفا‭ ‬للقول‭ ‬الشعري‭ ‬المباشر،‭ ‬المبسَّط‭ (‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بسيطا‭) ‬واللاعب‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬المكبوت‭ ‬الجسدي‭ ‬والسياسي‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬النبش‭ ‬في‭ ‬المحرَّم‭ ‬والإيروتيكي‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهؤلاء‭ ‬البعض‭ ‬ونحن‭ ‬منهم،‭ ‬سوى‭ ‬توطين‭ ‬لفكرة‭ ‬سائدة‭ ‬محض‭ ‬شهوانية‭ ‬وذكورية،‭ ‬أي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬توطيد‭ ‬لاستلاب‭ ‬المرأة‭ ‬وإنْ‭ ‬بلغةٍ‭ ‬شعرية‭ ‬محايثة،‭ ‬طريّة‭ ‬وسهلة‭ ‬وعذبة‭ ‬وأسيانة‭. ‬وبدا‭ ‬للبعض‭ ‬أن‭ ‬صورة‭ ‬الشاعر‭ ‬العربي‭ ‬«دونجوانا‮»‬‭ ‬و»دانديا‮»‬‭ ‬Dandy‭ ‬و‮»‬غندورا‮»‬‭ ‬و»مروّضا‭ ‬للنساء‮»‬‭ ‬و»معسول‭ ‬الكلام‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يمثلها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يمثلها‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬عن‭ ‬جدارة‭. ‬

مازلتُ‭ ‬مقيما‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬بتشذيبات‭ ‬وتعديلات‭ ‬مهمة،‭ ‬أولها‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ (‬الصورة‭ ‬للشاعر‭) ‬العربي‭ ‬هي‭ ‬العلامة‭ ‬المميّزة‭ ‬لقباني‭ ‬الأرستقراطي‭ ‬الدمشقي‭ ‬المدلل،‭ ‬وهي‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬الفردانية‭ ‬والخصوصية‭ ‬بمكان،‭ ‬وإنَّ‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬أرغب‭ ‬فيه‭ ‬في‭ ‬مقامها‭ ‬لا‭ ‬معنى‭ ‬له‭ ‬طالما‭ ‬أنه‭ ‬قُدِّم‭ ‬أو‭ ‬قَدَّم‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشاكلة‭. ‬لقد‭ ‬تقدَّم‭ ‬قباني‭ ‬منذ‭ ‬البدء‭ ‬بهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ (‬الأسطورة‭) ‬التي‭ ‬أحيطت‭ ‬به‭ ‬ووجدت‭ ‬لها‭ ‬رواجا‭ ‬عربيا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬ينقصه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬معسولو‭ ‬الكلام‭ ‬«الغندورون‮»‬‭ ‬والدونجوانات‭ ‬من‭ ‬النمط‭ ‬الإسباني‭ ‬الرفيع‭ ‬الذين‭ ‬يمتهنون‭- ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭- ‬إغواء‭ ‬النساء‭.‬

بعد‭ ‬شهرته‭ ‬الكبيرة،‭ ‬عزز‭ ‬هذه‭ ‬الأسطورة‭ ‬ارتباطه‭ ‬ببلقيس‭. ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬لشيء‭ ‬آخر،‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬سوى‭ ‬الرنين‭ ‬والوقع‭ ‬اللذين‭ ‬يحدثهما‭ ‬الاسم‭ ‬بلقيس‭. ‬وهو‭ ‬اسم‭ ‬يمتلك‭ ‬شحنات‭ ‬عاطفية‭ ‬وتاريخية‭ ‬تليق‭ ‬بأساطير‭ ‬العشق‭ ‬العربية‭ ‬الكبيرة‭: ‬ليلى،‭ ‬لبنى،‭ ‬سعدى،‭ ‬بلقيس…إلخ‭. ‬لو‭ ‬كان‭ ‬اسمها‭ ‬شيئا‭ ‬آخر‭ ‬لاختلف‭ ‬أمر‭ ‬القران‭ ‬الأسطوري‭ ‬ذاك،‭ ‬فهو‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬القرانات‭ ‬العشقية‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬صدى‭ ‬في‭ ‬الضمير‭ ‬الشعبي‭ ‬المشحون‭ ‬بإرث‭ ‬غزلي،‭ ‬حسيّ‭ ‬أو‭ ‬عذري،‭ ‬هو‭ ‬الأشهر‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬ثقافات‭ ‬العالم‭.‬

2

معلم‭ ‬كبير‭ ‬لا‭ ‬يُنكر‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الشعراء‭ ‬المشاهير‭ ‬الحاليين‭ ‬تأثيره‭ ‬على‭ ‬شعرهم‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬تطورهم‭ ‬الجمالي‭ ‬والأسلوبي‭. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬مقلدي‭ ‬نزار‭ ‬قد‭ ‬استمروا‭ ‬بتقليد‭ ‬أسلوبه‭ ‬ولغته‭ ‬الناصعة‭ ‬وطرافة‭ ‬زوايا‭ ‬نظره‭ ‬فهم‭ ‬لم‭ ‬يقدّموا‭ ‬إلا‭ ‬نسخا‭ ‬باهتة‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬وإعادة‭ ‬كتابة‭ ‬لا‭ ‬غير‭ ‬لشعره‭. ‬اثنان‭ ‬منهم‭ ‬معروفان‭: ‬سيدة‭ ‬وسيد‭. ‬على‭ ‬أن‭ ‬آخرين‭ ‬ممن‭ ‬تتلمذوا‭ ‬على‭ ‬شعره‭ ‬في‭ ‬بداياتهم‭ ‬ثم‭ ‬انتقلوا‭ ‬إلى‭ ‬فسحة‭ ‬رحبة‭ ‬مخصوصة‭ ‬لهم‭ ‬لم‭ ‬ترتفع‭ ‬أصواتهم‭ ‬بدينهم‭ ‬له‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬استيحاء‭ ‬وفي‭ ‬مناسبات‭ ‬قليلة‭. ‬

إن‭ ‬حيوية‭ ‬شعره‭ ‬وطلاقته‭ ‬ومباشرته‭ ‬المخادِعَة‭ ‬ومعالجته‭ ‬لقضايا‭ ‬العرب‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬جمهرت،‭ ‬كلها،‭ ‬أكبر‭ ‬أعداد‭ ‬المستمعين‭ ‬له‭ ‬ممن‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬حضورهم‭ ‬أي‭ ‬شاعر‭ ‬عربي‭ ‬آخر‭ ‬–‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تقوله‭ ‬طبعات‭ ‬دواوينه‭ ‬أو‭ ‬أعماله‭ ‬الكاملة‭ ‬العشرات‭ ‬من‭ ‬المرات‭- ‬قد‭ ‬جمهرت‭ ‬أيضا‭ ‬الأعداء‭ ‬حوله‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬المشاهير‭. ‬وهؤلاء‭ ‬هم‭ ‬تلخيص‭ ‬بليغ‭ ‬لواقع‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬بقضّها‭ ‬وقضيضها‭ ‬رغم‭ ‬مزاعمهم‭ ‬الجَّلَل‭.‬

3

سوى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يقلق‭ ‬البعض،‭ ‬ونحن‭ ‬منهم،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشعري‭ ‬والجمالي‭ ‬الخالص‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬كما‭ ‬يخيّل‭ ‬إلينا‭ ‬بقي‭ ‬عند‭ ‬تخوم‭ ‬محدّدة،‭ ‬وظلت‭ ‬قصيدته‭ ‬تنويعا‭ ‬على‭ (‬نموذج‭) ‬واحد‭ ‬ناجح‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور،‭ ‬لم‭ ‬تبرح‭ ‬منه‭ ‬طيلة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬كتابته‭ ‬للشعر‭. ‬لكن‭ ‬ألا‭ ‬يكتب‭ ‬الشاعر،‭ ‬أي‭ ‬شاعر،‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬سوى‭ ‬تنويعات‭ ‬لا‭ ‬نهائية‭ ‬على‭ (‬أنموذج‭)‬،‭ ‬أنموذجه‭ ‬المثالي؟‭ ‬سؤال‭ ‬مشروع‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬لم‭ ‬يقبل‭ ‬النزعات‭ ‬الجمالية‭ ‬والتجريبية‭ ‬اللاجماهيرية‭ ‬التي‭ ‬وسمت‭ ‬شعر‭ ‬معاصريه‭. ‬

وكان‭ ‬الأمر‭ ‬حقا‭ ‬من‭ ‬حقوقه،‭ ‬كما‭ ‬من‭ ‬حقوقنا‭ ‬التساؤل‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬توقف‭ ‬قصيدته‭ ‬في‭ ‬مراوحةٍ‭ ‬أسلوبية‭ ‬مقيمة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التطورات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ (‬الشعر‭ ‬الحديث‭) ‬بتياراته‭ ‬وروافده‭ ‬كلها،‭ ‬الصغيرة‭ ‬والكبيرة‭. ‬سؤال‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬تتعلق‭ ‬بمعنى‭ (‬الشعرية‭) ‬عند‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يقبلها‭ ‬الجميع‭ ‬لأنها‭ ‬تبدو‭ ‬اهتماما‭ ‬بحساسية‭ ‬المتلقي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تبرهن‭ ‬دائما‭ ‬على‭ ‬الرفعة،‭ ‬قبل‭ ‬اهتمامه‭ ‬بمتطلبات‭ ‬الشعر‭ ‬ومناطقه‭ ‬الداخلية‭.‬


شاعر من العراق