الكلمة‭ ‬الشجاعة الفضيحة‭ ‬الجميلة

الجديد  أسماء الغول [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(112)]

أشعر في‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬أننا‭ ‬جميعا‭ ‬أحببنا‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬ربما‭ ‬كرهناه‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬ربما‭ ‬تجاوزناه،‭ ‬ربما‭ ‬نسيناه،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬يحب‭ ‬نزار؟

كنت‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬قصائد‭ ‬بصوته‭ ‬قبل‭ ‬قليل‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬«اليوتيوب‮»‬،‭ ‬فكانت‭ ‬من‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬ظهرت؛‭ ‬مقاطع‭ ‬فيديو‭ ‬لرجال‭ ‬دين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬التيارات‭ ‬يهاجمونه؛‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬«المشايخ‮»‬‭ ‬يختلفون‭ ‬معا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلا‭ ‬أنهم‭ ‬اتفقوا‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬على‭ ‬مهاجمته‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هناك‭ ‬متسع‭ ‬للابتسام‭ ‬فقد‭ ‬لاحظت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬هاجم‭ ‬قباني‭ ‬قام‭ ‬بقراءة‭ ‬قصائده‭ ‬عن‭ ‬غيب‭!‬،‭ ‬هكذا‭ ‬سكن‭ ‬نزار‭ ‬ذاكرة‭ ‬من‭ ‬يرفضه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يسكن‭ ‬قلب‭ ‬من‭ ‬يقبله،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬تأسيسنا‭ ‬الثقافي‭ ‬ربما‭ ‬غير‭ ‬المقصود‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نرحل‭ ‬عنه،‭ ‬إنه‭ ‬أول‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬قرأناه‭ ‬خفية،‭ ‬وأول‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬تجرأنا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬والسياسة‭.‬

لا‭ ‬أتذكر‭ ‬متى‭ ‬بدأت‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬أحببت‭ ‬فيها‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬لكني‭ ‬أتذكر‭ ‬جيدا‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬أختلس‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬قصائده‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬أعماله‭ ‬الكاملة‭ ‬بمكتبة‭ ‬خالي‭ ‬بالمخيم؛‭ ‬ابتداء‭ ‬بديوانه‭ ‬الأول‭ ‬«قالت‭ ‬لي‭ ‬السمراء»؛‭ ‬تأخذني‭ ‬الدهشة‭ ‬حين‭ ‬أصادف‭ ‬غزلا‭ ‬صريحا‭ ‬أو‭ ‬وصفا‭ ‬حسيا‭. ‬كنت‭ ‬لا‭ ‬أزال‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬المراهقة،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أفهم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يقصده‭ ‬أو‭ ‬يهدف‭ ‬إليه‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قصائده‭ ‬السياسية،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬مرت‭ ‬حتى‭ ‬استمعت‭ ‬إلى‭ ‬أغاني‭ ‬المطرب‭ ‬العراقي‭ ‬كاظم‭ ‬الساهر،‭ ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬الأخير‭ ‬يبدل‭ ‬بعض‭ ‬الكلمات‭ ‬الحسية‭ ‬بأخرى‭ ‬بموافقة‭ ‬نزار‭ ‬إذ‭ ‬جمعتهما‭ ‬بعض‭ ‬اللقاءات،‭ ‬ولم‭ ‬يقلل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬سحرها،‭ ‬بل‭ ‬جعلها‭ ‬الساهر‭ ‬في‭ ‬متناول‭ ‬الجميع،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬نزار‭ ‬من‭ ‬جعل‭ ‬الساهر‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬الجميع‭.‬

هذه‭ ‬الشعبية‭ ‬أصبحت‭ ‬بمثابة‭ ‬كابوس‭ ‬أرق‭ ‬معلمنا‭ ‬المحافظ‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬أسمعه‭ ‬يدعو‭ ‬على‭ ‬قباني‭ ‬في‭ ‬الإذاعة‭ ‬المدرسية‭ ‬كل‭ ‬صباح،‭ ‬فنسخر‭ ‬منه‭ ‬همسا‭ ‬نحن‭ ‬الصديقات‭ ‬اللواتي‭ ‬أحببن‭ ‬نزار‭ ‬وكاظم‭ ‬وتبادلن‭ ‬أشرطة‭ ‬الأغاني‭ ‬والكُتب‭. ‬لقد‭ ‬انتشرت‭ ‬كتبه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان؛‭ ‬على‭ ‬الأرصفة،‭ ‬وفي‭ ‬واجهات‭ ‬المكتبات،‭ ‬ولم‭ ‬تسكت‭ ‬إذاعات‭ ‬المدرسة‭ ‬وخطب‭ ‬الجمعة‭ ‬عن‭ ‬اسمه‭.‬

استطاع‭ ‬شعره‭ ‬المباشر‭ ‬الفصيح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مرغوبا‭ ‬ومرفوضا‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬بالوقت‭ ‬عينه،‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬اختبارا‭ ‬للنخبوي‭ ‬والمتدين‭ ‬والمحافظ‭ ‬والعلماني،‭ ‬جعل‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬يحمل‭ ‬ناحيته‭ ‬موقفا،‭ ‬إنه‭ ‬«باردكوس‮»‬‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬فإلى‭ ‬هذه‭ ‬الدرجة‭ ‬بلغت‭ ‬شهرته،‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬اللقاءات‭ ‬الإعلامية‭ ‬معه‭ ‬«لا‭ ‬أؤمن‭ ‬أن‭ ‬يقرأني‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬منظوري‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقرأني‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬عربي،‭ ‬وحين‭ ‬يتخلف‭ ‬واحد‭ ‬عن‭ ‬قراءتي‭ ‬فأذهب‭ ‬إليه‭ ‬معتذرا،‭ ‬ربما‭ ‬الخطأ‭ ‬خطأي‮…»‬‭.‬

كانت‭ ‬كتبه‭ ‬تمثل‭ ‬مرحلة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬إلا‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬لها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تجاوزناها،‭ ‬كأن‭ ‬تحب‭ ‬شعارا‭ ‬ما‭ ‬خلال‭ ‬شبابك‭ ‬وتؤمن‭ ‬به‭ ‬ثم‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬الهتاف‭ ‬به‭. ‬هكذا‭ ‬كان‭ ‬حب‭ ‬نزار‭ ‬عُمرا‭ ‬قطعنا‭ ‬عنه‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يتكرر‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬الأجيال،‭ ‬لذلك‭ ‬يبقى‭ ‬حاضرا‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬فلا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬مع‭ ‬شعره‭.‬

كذلك‭ ‬انتهت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬عند‭ ‬كاظم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غنى‭ ‬«مدرسة‭ ‬الحب،‭ ‬إني‭ ‬خيرتك‭ ‬فاختاري،‭ ‬أحبيني‭ ‬بلا‭ ‬عقد،‭ ‬أشهد‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬امرأة،‭ ‬صباحك‭ ‬سكر،‭ ‬هل‭ ‬عند‭ ‬شك؟‭ ‬وغيرها‮»‬‭.‬

هذه‭ ‬الشعبوية‭ ‬لنزار‭ ‬بمقدار‭ ‬ما‭ ‬جعلته‭ ‬أسطورة‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ظلمته،‭ ‬فإن‭ ‬مجرد‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭ ‬الآن‭ ‬أو‭ ‬الكتابة‭ ‬عنه‭ ‬كأنما‭ ‬تذكر‭ ‬«كليشيه‮»‬‭ ‬شديد‭ ‬المشاع‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬لوصفه‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وبمقدار‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬قباني‭ ‬الشعر‭ ‬بمتناول‭ ‬الجميع،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التناول‭ ‬أصبح‭ ‬رديفا‭ ‬للتنكر‭ ‬الآن‭.‬

محزن‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التنكر‭ ‬والاتهامات‭ ‬لا‭ ‬يزالان‭ ‬يصدران‭ ‬عن‭ ‬جهات‭ ‬ثقافية،‭ ‬جهات‭ ‬تناست‭ ‬أن‭ ‬الشاعر‭ ‬يكتب‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يريد‭ ‬وما‭ ‬يعطي‭ ‬للقصائد‭ ‬ظلها‭ ‬هو‭ ‬استقبال‭ ‬المتلقي‭ ‬لها،‭ ‬فكيف‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المتلقي‭ ‬يعتبر‭ ‬هذه‭ ‬القصائد‭ ‬من‭ ‬الأساس‭ ‬«تابوها‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬الغالب‭ ‬من‭ ‬يرفض‭ ‬قصائد‭ ‬غزله‭ ‬الصريح،‭ ‬يرفض‭ ‬كذلك‭ ‬قصائد‭ ‬الهجاء‭ ‬السياسي‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الضعف‭ ‬العربي‭ ‬والخذلان‭ ‬السياسي‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬عقود،‭ ‬فالانفتاح‭ ‬على‭ ‬الحب‭ ‬مرفوض‭ ‬كما‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬السياسي‭. ‬وقد‭ ‬قال‭ ‬قباني‭ ‬في‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬حواراته‭ ‬المنشورة‭ ‬على‭ ‬«اليوتيوب‮»‬‭ ‬«الشعر‭ ‬عملية‭ ‬مواجهة،‭ ‬عملية‭ ‬صدامية‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الأول‭..‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬فضيحة‭ ‬جميلة‭ ‬مثلما‭ ‬الوردة‭ ‬الجميلة‭ ‬فضيحة‭ ‬جميلة،‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬المرأة‭ ‬الجميلة‭ ‬فضيحة‭ ‬جميلة‭..‬كذلك‭ ‬الكلمة‭ ‬الشجاعة‭ ‬هي‭ ‬فضيحة‭ ‬جميلة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعراء‭ ‬الكبار‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الثورة‭ ‬على‭ ‬الملوك‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سمتهم‭ ‬المشتركة،‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬مقدمة‭ ‬هدفها‭ ‬تبرير‭ ‬قبول‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬بمنصب‭ ‬دبلوماسي،‭ ‬فقد‭ ‬قبله‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬واعدة‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬أثار‭ ‬خلال‭ ‬عمله‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬بسبب‭ ‬قصائده؛‭ ‬أشهرها‭ ‬كانت‭ ‬قصيدة‭ ‬«خبز‭ ‬وحشيش‭ ‬وقمر‮»‬‭ ‬عام‭ ‬1954،‭ ‬والتي‭ ‬تعالت‭ ‬بسببها‭ ‬الأصوات‭ ‬المطالبة‭ ‬بفصله‭ ‬من‭ ‬الخارجية‭ ‬السورية،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يعر‭ ‬الأمر‭ ‬اهتماما‭ ‬حتى‭ ‬استقال‭ ‬عام‭ ‬1966‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬السياسي،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السياسة‭ ‬لم‭ ‬تتركه‭ ‬فقد‭ ‬فجع‭ ‬بمقتل‭ ‬زوجته‭ ‬بلقيس‭ ‬في‭ ‬حادثة‭ ‬تفجير‭ ‬سفارة‭ ‬العراق‭ ‬ببيروت‭ ‬عام‭ ‬1981،‭ ‬وأصبحت‭ ‬في‭ ‬قصائده‭ ‬بمثابة‭ ‬معادلا‭ ‬موضوعيا‭ ‬لكل‭ ‬الهزائم‭ ‬العربية‭ ‬والخسارات‭.‬

بقيت‭ ‬قصائد‭ ‬قباني‭ ‬متمردة‭ ‬وغير‭ ‬مطيعة‭ ‬أو‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬«ما‭ ‬أجبنَ‭ ‬الشعرَ‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يركبِ‭ ‬الغضبا‮»‬،‭ ‬فعلى‭ ‬مر‭ ‬سنين‭ ‬طويلة‭ ‬تم‭ ‬منع‭ ‬كتبه‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬وحذف‭ ‬أبياته‭ ‬من‭ ‬كتبها‭ ‬المدرسية،‭ ‬وظلت‭ ‬موضع‭ ‬غضب‭ ‬وجدل‭ ‬في‭ ‬البرلمانات‭ ‬العربية‭ ‬والأروقة‭ ‬السياسية‭.‬

أعتقد‭ ‬والاعتقاد‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬وليس‭ ‬التردد،‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬نظرية‭ ‬موت‭ ‬المؤلف‭ ‬للشاعر‭ ‬«ت‭.‬اس‭.‬اليوت‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أهمية‭ ‬وعدالة‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬الأدبي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬المؤلف،‭ ‬لكن‭ ‬مع‭ ‬نزار‭ ‬يكاد‭ ‬يكون‭ ‬الأمر‭ ‬مستحيلا‭ ‬فهو‭ ‬وضع‭ ‬كل‭ ‬أحزانه‭ ‬في‭ ‬قصائده،‭ ‬وحوَل‭ ‬الشخصي‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬منذ‭ ‬تأثره‭ ‬بوفاة‭ ‬شقيقته‭ ‬في‭ ‬صباه‭ ‬حتى‭ ‬مقتل‭ ‬زوجته‭ ‬في‭ ‬كهولته،‭ ‬لقد‭ ‬عاش‭ ‬حياة‭ ‬مأساوية‭ ‬ومات‭ ‬وحيدا،‭ ‬يدفعه‭ ‬خلالها‭ ‬الشغف‭ ‬في‭ ‬حب‭ ‬دمشق‭ ‬والشعر‭ ‬وأطفال‭ ‬الحجارة‭.‬

أشعر‭ ‬أنني‭ ‬الآن‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬الحالة‭ ‬التي‭ ‬تركها‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬منظار‭ ‬من‭ ‬اختلست‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬شعره‭ ‬في‭ ‬مراهقتها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬قناعتي‭ ‬أن‭ ‬تأثيره‭ ‬هو‭ ‬ذاك‭ ‬الخليط‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬والخيبة‭ ‬والتحدي‭ ‬وما‭ ‬يشكله‭ ‬من‭ ‬إزعاج‭ ‬عند‭ ‬الأغلبية‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬جرأته‭ ‬السياسية‭ ‬والعاطفية،‭ ‬بل‭ ‬أيضا‭ ‬لأنه‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬النخبة‭ ‬المتعالية‭ ‬عليه‭ ‬بسبب‭ ‬كونه‭ ‬مباشرا‭ ‬وحسيا‭ ‬وشعبيا،‭ ‬أنه‭ ‬بقي‭ ‬ذاته‭ ‬طوال‭ ‬خمسين‭ ‬عاما؛‭ ‬لم‭ ‬يعرف‭ ‬فيها‭ ‬الخوف،‭ ‬ولم‭ ‬يخفت‭ ‬ألق‭ ‬كلمته،‭ ‬وأحد‭ ‬القلة‭ ‬النادرين‭ ‬من‭ ‬الشعراء‭ ‬الذين‭ ‬كانت‭ ‬أمسياتهم‭ ‬الشعرية‭ ‬مُظاهرة‭.‬


ناقدة من فلسطين