قارئة‭ ‬الفنجان

الجديد  ناهد خزام [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(113)]

كان لقائي‭ ‬الأول‭ ‬بكلمات‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قصائده‭ ‬المغناة،‭ ‬وإلى‭ ‬اليوم‭ ‬مازلت‭ ‬أستمع‭ ‬إلى‭ ‬الموسيقى‭ ‬في‭ ‬كلماته،‭ ‬وأحوّل‭ ‬قصائده‭ ‬حين‭ ‬أقرأها‭ -‬من‭ ‬دون‭ ‬قصد‭ ‬مني‭- ‬إلى‭ ‬لحن‭. ‬ربما‭ ‬يرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬علاقتي‭ ‬الأولى‭ ‬بقصائده،‭ ‬أو‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬لطبيعة‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬وكلماته‭ ‬المسكونة‭ ‬بالموسيقى‭. ‬لم‭ ‬أندهش‭ ‬حين‭ ‬عرفت‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مغرما‭ ‬بالموسيقى‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬وسعى‭ ‬لتعلمها،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يطمح‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬موسيقيا‭ ‬أو‭ ‬رساما‭. ‬لكنه‭ ‬اهتدى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬الوسيط‭ ‬الأقدر‭ ‬على‭ ‬بث‭ ‬أفكاره‭ ‬ومشاعره‭. ‬اهتدى‭ ‬نزار‭ ‬إلى‭ ‬الشعر‭ ‬لكنه‭ ‬احتفظ‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬بوشائج‭ ‬من‭ ‬صلة‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬العشق‭ ‬الأول،‭ ‬هي‭ ‬الموسيقى‭ ‬التي‭ ‬ظلت‭ ‬تسكن‭ ‬رغما‭ ‬عنه‭ ‬روح‭ ‬قصائده‭.‬

جلست‭ ‬والخوف‭ ‬بعينيها

تتأمل‭ ‬فنجاني‭ ‬المقلوب

قالت‭ ‬يا‭ ‬ولدي‭ ‬لا‭ ‬تحزن

فالحب‭ ‬عليك‭ ‬هو‭ ‬المكتوب

كنت‭ ‬صغيرة‭ ‬حين‭ ‬استمعت‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ‭ ‬وهو‭ ‬يغني‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬اختلطت‭ ‬في‭ ‬مخيلتي‭ ‬تلك‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬ترسمها‭ ‬الكلمات‭ ‬بصوت‭ ‬عبدالحليم‭.. ‬كانت‭ ‬الصورة‭ ‬بالغة‭ ‬الغموض،‭ ‬وأحيانا‭ ‬موحشة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭.. ‬قصر‭ ‬مهجور،‭ ‬وأسوار،‭ ‬وامرأة‭ ‬حبيسة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬التسلّل‭ ‬إليها‭. ‬كنت‭ ‬أتلقى‭ ‬الأغنيات‭ ‬حينها‭ ‬كأفكار‭ ‬لمطربيها،‭ ‬هم‭ ‬الذين‭ ‬يبوحون‭ ‬بأسرارهم‭ ‬للناس،‭ ‬وهم‭ ‬من‭ ‬وضعوا‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬بلا‭ ‬شك‭. ‬كنت‭ ‬مغرمة‭ ‬بكلمات‭ ‬قارئة‭ ‬الفنجان،‭ ‬القصة‭ ‬وحالة‭ ‬الغموض‭ ‬وأجواء‭ ‬الترقب‭. ‬رسمت‭ ‬صورة‭ ‬للعرّافة‭ ‬في‭ ‬مخيلتي،‭ ‬امرأة‭ ‬عجوز‭ ‬تحرك‭ ‬الفنجان‭ ‬ثم‭ ‬تحاول‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬فيه‭. ‬رأيت‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أمام‭ ‬عيني،‭ ‬كان‭ ‬طقسا‭ ‬تمارسه‭ ‬جدتي‭ ‬أمامنا‭ ‬لمن‭ ‬يطلب‭ ‬منها‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬الضيوف‭ ‬الذين‭ ‬يعرفون‭ ‬مدى‭ ‬ولعها‭ ‬وشطارتها‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭. ‬كانت‭ ‬صورة‭ ‬العرافة‭ ‬في‭ ‬الأغنية‭ ‬تشبه‭ ‬صورة‭ ‬جدتي‭ ‬كثيرا،‭ ‬أو‭ ‬هكذا‭ ‬كنت‭ ‬أتخيلها‭. ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬مازالت‭ ‬صورة‭ ‬قارئة‭ ‬الفنجان‭ ‬عالقة‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬تذكرني‭ ‬بجدتي‭ ‬وهي‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬مكانها‭ ‬المفضل‭ ‬في‭ ‬ركن‭ ‬البيت،‭ ‬بابتسامتها‭ ‬ونظرتها‭ ‬الساهمة،‭ ‬وهيئتها‭ ‬وهي‭ ‬تقرأ‭ ‬لأحدهم‭ ‬ما‭ ‬يسرّه‭ ‬وتخفي‭ ‬عنه‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يضايقه‭.‬

مرت‭ ‬الأيام‭ ‬وأدركت‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬ليست‭ ‬لعبدالحليم‭ ‬حافظ،‭ ‬وأنها‭ ‬لنزار‭ ‬قباني،‭ ‬وسعيت‭ ‬بكل‭ ‬جهدي‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬للعثور‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬دواوينه‭. ‬أتذكر‭ ‬جيدا‭ ‬أول‭ ‬لقاء‭ ‬لي‭ ‬بشعر‭ ‬نزار،‭ ‬كنت‭ ‬حينها‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬المرحلة‭ ‬الثانوية‭. ‬حين‭ ‬تلقفت‭ ‬الكتاب‭ ‬أسرعت‭ ‬بالبحث‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬التي‭ ‬غناها‭ ‬عبدالحليم‭ (‬قارئة‭ ‬الفنجان‭) ‬خاب‭ ‬أملي‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬أعثر‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الديوان،‭ ‬لكني‭ ‬بحثت‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عثرت‭ ‬عليها،‭ ‬اندهشت‭ ‬لذلك‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬القصيدة‭ ‬والأغنية‭ ‬بالحذف‭ ‬والإضافة،‭ ‬اختلاف‭ ‬يرتبط‭ ‬بمحاذير‭ ‬الدين‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬مراعاة‭ ‬لأحكام‭ ‬اللحن‭ ‬الموسيقي‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬استمعت‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬للعشرات‭ ‬من‭ ‬القصائد‭ ‬المغناة‭ ‬لأشعار‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬لمطربات‭ ‬ومطربين‭ ‬كثر‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬الوطن‭ ‬العربي‭. ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬الكثيرون‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬أم‭ ‬كلثوم‭ ‬غنت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭ ‬أغنيتين‭ ‬غير‭ ‬ذائعتي‭ ‬الصيت‭ ‬لأسباب‭ ‬مجهولة،‭ ‬وهما‭ ‬«أصبح‭ ‬عندي‭ ‬الآن‭ ‬بندقية‮»‬‭ ‬و»عندي‭ ‬خطاب‭ ‬عاجل‭ ‬إليك‮»‬،‭ ‬الأغنية‭ ‬الأخيرة‭ ‬غنتها‭ ‬رثاء‭ ‬لجمال‭ ‬عبدالناصر‭. ‬بكيت‭ ‬حين‭ ‬سمعت‭ ‬تلك‭ ‬الأغنية‭ ‬لأول‭ ‬مرة،‭ ‬وأنا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬أعاصر‭ ‬سنوات‭ ‬جمال،‭ ‬لكنّ‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬الأغنية‭ ‬دفعني‭ ‬إلى‭ ‬البكاء،‭ ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬السحر‭ ‬والشجن‭ ‬والصدق‭ ‬الذي‭ ‬كتب‭ ‬به‭ ‬نزار‭ ‬قصيدته‭. ‬كانت‭ ‬كلمات‭ ‬نزار‭ ‬المغناة‭ ‬رفيقتي‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬المراهقة‭ ‬وسنوات‭ ‬العاطفة‭ ‬المتأججة،‭ ‬من‭ ‬عبدالحليم‭ ‬حافظ‭ ‬إلى‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬وفيروز‭ ‬وماجدة‭ ‬الرومي‭ ‬وفايزة‭ ‬أحمد‭ ‬ثم‭ ‬كاظم‭ ‬الساهر‭.‬

أيظن‭ ‬أني‭ ‬لعبة‭ ‬في‭ ‬يديه

أنا‭ ‬لا‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬الرجوع‭ ‬إليه

اليوم‭ ‬عاد‭ ‬كأن‭ ‬شيئا‭ ‬لم‭ ‬يكن

وبراءة‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬عينيه

ليقول‭ ‬لي‭ ‬إني‭ ‬رفيقة‭ ‬دربه

وبأنني‭ ‬الحب‭ ‬الوحيد‭ ‬لديه

على‭ ‬رأس‭ ‬من‭ ‬غنوا‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭ ‬كان‭ ‬صوت‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬رفيقي‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬التوهج‭ ‬العاطفي‭. ‬الحزن‭ ‬والشجن‭ ‬الذي‭ ‬يلف‭ ‬صوت‭ ‬نجاة‭ ‬وهي‭ ‬تغني‭ ‬أغنيتها‭ ‬الاستثنائية‭ ‬«أيظن‮»‬‭ ‬كان‭ ‬عظيما‭ ‬ومؤثرا‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭. ‬مازالت‭ ‬الأغنية‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬تمثل‭ ‬لي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أروع‭ ‬أغنياتها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬هذه‭ ‬الأغنية‭ ‬الرائعة،‭ ‬ربما‭ ‬تشبه‭ ‬قارئة‭ ‬الفنجان‭ ‬في‭ ‬كونهما‭ ‬تعتمدان‭ ‬معا‭ ‬على‭ ‬قصة،‭ ‬إنها‭ ‬حكاية‭ ‬تروى‭ ‬بالشعر‭ ‬والموسيقى،‭ ‬حب‭ ‬وانتظار‭ ‬وخلاف،‭ ‬ثم‭ ‬عتاب‭ ‬ومغفرة‭ ‬ولقاء‭ ‬جديد،‭ ‬توليفة‭ ‬ساحرة‭ ‬من‭ ‬الحب‭ ‬والشغف‭ ‬والحنين‭ ‬تلمس‭ ‬القلوب‭ ‬المكلومة‭. ‬غنت‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قصيدة‭ ‬لنزار‭ ‬قباني،‭ ‬كان‭ ‬لكل‭ ‬منها‭ ‬مذاقها‭ ‬وذكرياتها‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها‭.. ‬ماذا‭ ‬أقول‭ ‬له،‭ ‬وإلى‭ ‬رجل،‭ ‬وأسألك‭ ‬الرحيل،‭ ‬ولكن‭ ‬ظل‭ ‬لوقع‭ ‬أغنية‭ ‬«أيظن‮»‬‭ ‬تأثيره‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يضاهى‭. ‬لكل‭ ‬بيت‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القصيدة‭ ‬لحنه‭ ‬الخاص،‭ ‬هكذا‭ ‬أراد‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬حين‭ ‬وضع‭ ‬لحنها‭. ‬سمعت‭ ‬نفس‭ ‬الأغنية‭ ‬بصوت‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬مرات،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬صوت‭ ‬نجاة‭ ‬ظل‭ ‬مرتبطا‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬بتلك‭ ‬الكلمات‭ ‬وبالذكريات‭ ‬الحلوة‭ ‬التي‭ ‬تستدعيها‭ ‬كلما‭ ‬سمعتها‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

لا‭ ‬تسألوني‭ ‬ما‭ ‬اسمه‭ ‬حبيبي

أخشى‭ ‬عليكم‭ ‬ضوعة‭ ‬الطيوب

والله‭ ‬لو‭ ‬بحت‭ ‬بأي‭ ‬حرف

تكدس‭ ‬الليلك‭ ‬في‭ ‬الدروب

وكأن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬كان‭ ‬يكتب‭ ‬قصائده‭ ‬ليغنيها‭ ‬أحدهم‭ ‬دون‭ ‬غيره،‭ ‬هكذا‭ ‬كنت‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬حين‭ ‬أستمع‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬فيروز‭ ‬وهي‭ ‬تغني‭ ‬له‭ ‬أغنياتها‭ ‬الثلاث،‭ ‬لا‭ ‬تسألوني،‭ ‬وموال‭ ‬دمشقي،‭ ‬ووشاية‭. ‬ثلاث‭ ‬أغنيات‭ ‬فقط‭ ‬هي‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬غنت‭ ‬فيروز‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬نزار،‭ ‬كأنها‭ ‬قصائد‭ ‬كتبت‭ ‬لها‭ ‬وحدها‭ ‬لتغنيها‭ ‬بصوتها‭ ‬دون‭ ‬غيرها،‭ ‬لا‭ ‬أتصور‭ ‬أن‭ ‬أحدهم‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬بهذه‭ ‬القصائد‭ ‬الثلاث‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المكانة‭ ‬غيرها‭. ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬ألحان‭ ‬الأخوين‭ ‬الرحباني،‭ ‬فهما‭ ‬اللذان‭ ‬وضعا‭ ‬اللحن‭ ‬للأغنيات‭ ‬الثلاث‭. ‬صوت‭ ‬فيروز‭ ‬لا‭ ‬يضاهيه‭ ‬صوت‭ ‬آخر،‭ ‬صوت‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الحزن‭ ‬والفرح‭ ‬في‭ ‬آن‭. ‬هكذا‭ ‬كانت‭ ‬فيروز‭ ‬رفيقتي‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬الشجن‭ ‬والسعادة،‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬أهم‭ ‬اكتشاف‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬بواكير‭ ‬أيامي‭.‬


كاتبة من مصر