نزار‭ ‬والجغرافيات‭ ‬المنسية

الجديد  أحمد حيدري [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(114)]

يكتب قصيدته‭ ‬ويودعها‭ ‬في‭ ‬قنينة‭ ‬وينساها،‭ ‬بين‭ ‬تحليق‭ ‬وعوم‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬الأزرق‭. ‬لم‭ ‬يتخيّل‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬أن‭ ‬الموج‭ ‬سيعيد‭ ‬كتابة‭ ‬ملامح‭ ‬القصيدة‭ ‬بلغات‭ ‬أخرى‭ ‬ثم‭ ‬تنثني‭ ‬في‭ ‬اللهجات‭.‬

منذ‭ ‬القراءة‭ ‬الأولى‭ ‬صدمني‭ ‬نزار،‭ ‬أعاد‭ ‬نصه‭ ‬الشعري‭ ‬صياغة‭ ‬ذائقتي،‭ ‬حسب‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬يد‭ ‬المفردة‭ ‬وهي‭ ‬تكور‭ ‬عجين‭ ‬الإنسان‭. ‬شدني‭ ‬إليه‭ ‬عبر‭ ‬الأشرطة‭ ‬المهرّبة،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬آخرون‭ ‬يصدحون،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬الأقوى،‭ ‬صوت‭ ‬بلقيس‭ ‬يرافقه‭ ‬وصرخات‭ ‬لم‭ ‬نقو‭ ‬على‭ ‬سكبها‭ ‬في‭ ‬الهواء‭ ‬الضحل،‭ ‬ومحرمات‭ ‬نسينا‭ ‬كيف‭ ‬كان‭ ‬شكلها،‭ ‬فنترك‭ ‬ليد‭ ‬المفردة‭ ‬الشعرية‭ ‬أن‭ ‬تكور‭ ‬ما‭ ‬تكور‭ ‬من‭ ‬عجين‭ ‬آدمي‭.‬

الشعر‭ ‬بين‭ ‬التكفير‭ ‬والتحليق

في‭ ‬الحوزة‭ ‬الدينة‭ ‬مازال‭ ‬طلاب‭ ‬العلم‭ ‬يجلسون‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬فوق‭ ‬تلك‭ ‬الحُصْر‭ ‬التي‭ ‬بهت‭ ‬لونها،‭ ‬يتوسطهم‭ ‬أستاذهم‭ ‬وهو‭ ‬يشرح‭ ‬لهم‭ ‬الدرس،‭ ‬ثم‭ ‬يختلون‭ ‬في‭ ‬الغرف‭ ‬الكثيرة‭ ‬المبعثرة،‭ ‬مازلت‭ ‬أذكره‭ ‬يعرف‭ ‬بأبي‭ ‬عبدالله‭ ‬في‭ ‬السبعين‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬الجميع‭ ‬يحترمه‭ ‬ويصغي‭ ‬لكل‭ ‬كلمة‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬فم‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬أربع‭ ‬أسنان‭ ‬في‭ ‬المقدمة،‭ ‬نسيت‭ ‬ديوان‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬تملكني‭ ‬وأنا‭ ‬أسرع‭ ‬للحاق‭ ‬بدرس‭ ‬ابن‭ ‬هشام،‭ ‬كنت‭ ‬أجلس‭ ‬بين‭ ‬الحشد‭ ‬الذي‭ ‬يرصد‭ ‬كلمات‭ ‬أبي‭ ‬عبدالله،‭ ‬لمح‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬يدي،‭ ‬رفع‭ ‬يده‭ ‬قال‭:‬

تقرأ‭ ‬لهذا‭ ‬الكافر‭ ‬الفاجر‭ ‬الـ‭ ‬‮…‬‭.. ‬أليس‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬قال‭:‬

‮……‬

لم‭ ‬أخف‭ ‬ولم‭ ‬أرتبك،‭ ‬فقد‭ ‬انسابت‭ ‬الأبيات‭ ‬من‭ ‬فمه‭ ‬كموج‭ ‬هادر،‭ ‬من‭ ‬أنزل‭ ‬رأسه‭ ‬رفعه‭ ‬ومن‭ ‬غفا‭ ‬صحا،‭ ‬قرأ‭ ‬الأبيات‭ ‬بارتعاش‭ ‬وحِمَمَيّة،‭ ‬سقط‭ ‬الكافر‭ ‬والفاجر‭ ‬والباذخ‭ ‬وبقي‭ ‬الشعر‭ ‬سيدا‭ ‬للموقف‭.‬ أبوعبدالله‭ ‬الآتي‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬عربية‭ ‬حرك‭ ‬هوس‭ ‬الشعر‭ ‬الجالس‭ ‬على‭ ‬الحصر‭ ‬البالية‭ ‬لينتزعوا‭ ‬نزار‭ ‬ويغيب‭ ‬بين‭ ‬الأيدي‭.‬

أصفهان‭ ‬وقصاصة‭ ‬شعر‭ ‬وبندقية

في‭ ‬تلك‭ ‬المدينة‭ ‬العجائبية‭ ‬التي‭ ‬تنضح‭ ‬شعرا‭ ‬كان‭ ‬نزار‭ ‬يحيي‭ ‬ليالي‭ ‬الجنود،‭ ‬كانت‭ ‬اللغة‭ ‬الفصحى‭ ‬تشكل‭ ‬عائقا،‭ ‬لكن‭ ‬نزار‭ ‬يتجاوب‭ ‬مع‭ ‬اللغات‭ ‬الآتية‭ ‬من‭ ‬جغرافيات‭ ‬لم‭ ‬نسمع‭ ‬بها،‭ ‬يقترب‭ ‬بحنو‭ ‬ويندمج‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬اللحظة‭ ‬بلغتهم‭ ‬أو‭ ‬بلهجتهم،‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬جنود‭ ‬عرب‭ ‬يعيدون‭ ‬متابعين‭ ‬صياغة‭ ‬المفردة‭ ‬بأقرب‭ ‬لهجة‭ ‬لهم،‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يهبط‭ ‬المساء‭ ‬حتى‭ ‬يتحلّقون‭ ‬مغامرين‭ ‬بساعات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬النوم‭ ‬مع‭ ‬قصيدة‭ ‬كتبت‭ ‬في‭ ‬لندن‭ ‬أو‭ ‬إشبيلية‭ ‬أو‭ ‬دمشق‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مدنهم‭.‬

تمر‭ ‬الأشهر‭ ‬بل‭ ‬يمضي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام،‭ ‬اسمه‭ ‬حسن،‭ ‬يرعى‭ ‬الجاموس‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ (‬العمى‭) ‬لا‭ ‬كهرباء‭ ‬ولا‭ ‬ماء‭ ‬ولا‭ ‬غاز‭ ‬إلا‭ ‬سحب‭ ‬هاربة‭ ‬وصوت‭ ‬الجاموس‭ ‬يكسر‭ ‬صمت‭ ‬الطين،‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الحويزة،‭ ‬لهجته‭ ‬الجنوبية‭ ‬تناسب‭ ‬صمته‭ ‬وقصر‭ ‬قامته،‭ ‬مد‭ ‬لي‭ ‬يدا‭ ‬غابت‭ ‬لأيام‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬قصاصة‭ ‬صحيفة‭ ‬متهرئة‭ ‬امحّى‭ ‬لونها،‭ ‬أذابتها‭ ‬سياط‭ ‬الشمس‭ ‬قال‭ ‬«هذه‭ ‬هديتي‭ ‬لك‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬أعلم‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬تنتمي‭ ‬هذه‭ ‬القصاصة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاءت‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬حملت‭ ‬«متى‭ ‬يعلنون‭ ‬وفاة‭ ‬العرب‮»‬‭.‬

في‭ ‬نفس‭ ‬تلك‭ ‬المدينة،‭ ‬وبينما‭ ‬كنت‭ ‬أقضي‭ ‬مناوبتي‭ ‬الليلية‭ ‬محتضنا‭ ‬بندقية‭ ‬صدئة‭ ‬يرافقني‭ ‬مذياع‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬حجمه‭ ‬إصبعين‭ ‬لو‭ ‬كشف‭ ‬لحُبست،‭ ‬أعلنت‭ ‬إذاعة‭ ‬مونت‭ ‬كارلو‭ ‬وفاة‭ ‬شاعر‭. ‬الأرض‭ ‬باردة‭ ‬ورطبة‭ ‬والبندقية‭ ‬الأكثر‭ ‬برودة‭ ‬تجفف‭ ‬دمعا‭ ‬شعريا‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬أكثر‭ ‬شاعر‭ ‬عربي،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الوحيد‭ ‬بين‭ ‬الشعراء‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬تخطوا‭ ‬الحاجز‭ ‬الذي‭ ‬يفصل‭ ‬المتلقي‭ ‬عن‭ ‬النص‭ ‬ويجعله‭ ‬يشارك‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬القصيدة‭.‬

ولكن‭ ‬الآن‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬10‭ ‬أعوام‭ ‬على‭ ‬رحيله،‭ ‬أحيانا‭ ‬أعود‭ ‬إلى‭ ‬قصائده‭ ‬تأخذني‭ ‬لحظته‭ ‬الشعرية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تلك‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تشكلني‭ ‬معها‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬مازلت‭ ‬أدين‭ ‬لهذا‭ ‬الشاعر‭ ‬بالكثير‭.‬


كاتب ومترجم من إيران