عد‭ ‬إلى‭ ‬نزار طفلا

الجديد  حسين طرفي عليوي [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(117)]

كلما عدت‭ ‬إلى‭ ‬طفولتي‭ ‬متذكرا‭ ‬أقلامي‭ ‬الملونة‭ ‬والألعاب‭ ‬الصغيرة‭ ‬والعفوية،‭ ‬عدت‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭ ‬أبحث‭ ‬عن‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬بيوت‭ ‬أصدقائي‭ ‬الكبار‭ ‬حتى‭ ‬أجده‭ ‬صباحا‭ ‬عند‭ ‬أصدقائي‭ ‬الأطفال‭. ‬نزار‭ ‬الحب‭ ‬ونزار‭ ‬العفوية‭ ‬ونزار‭ ‬الإنسانية،‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬مدننا‭ ‬فيغير‭ ‬خارطتها‭ ‬ويربك‭ ‬المرور‭ ‬عليها‭.‬

أتذكر‭ ‬أنني‭ ‬اشتريت‭ ‬من‭ ‬معرض‭ ‬طهران‭ ‬الدولي‭ ‬سنة‭ ‬1997‭ ‬مجموعة‭ ‬شعرية‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬16‭ ‬كتيبا‭. ‬كتبت‭ ‬اسمي‭ ‬وعنواني‭ ‬على‭ ‬صفحاتها‭ ‬الأولى،‭ ‬وأنها‭ ‬تختص‭ ‬بمكتبتي،‭ ‬وبعد‭ ‬قراءتها‭ ‬أعرتها‭ ‬لبعض‭ ‬الأصدقاء‭ ‬ليقرؤها‭ ‬لأني‭ ‬وجدت‭ ‬فيها‭ ‬شيئا‭ ‬يعجبهم‭. ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬شهر‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬شرائها‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬مجلد‭ ‬واحد‭ ‬أحتفظ‭ ‬به،‭ ‬سألت‭ ‬أصدقائي‭ ‬عنها،‭ ‬فقالوا‭ ‬إن‭ ‬هناك‭ ‬أصدقاء‭ ‬مقربين‭ ‬أخذوها‭ ‬منهم‭ ‬وسوف‭ ‬يرجعونها‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬فرصة‭ ‬ممكنة‭. ‬وحتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬وقد‭ ‬مرت‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬لا‭ ‬أعرف‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بيت‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المجموعة‭ ‬لنزار‭.‬

لا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬أحدا‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وفي‭ ‬مدينة‭ ‬الأهواز‭ ‬خصوصا،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يحتفظ‭ ‬بكتب‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬مكتبته‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬مكتبته‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭. ‬نعم‭ ‬إن‭ ‬نزار‭ ‬يتجول‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬وينتقل‭ ‬بسرعة‭ ‬ويمنح‭ ‬البساطة‭ ‬والرقة‭ ‬والحب‭ ‬بسرعة‭ ‬ليعطي‭ ‬ثقافة‭ ‬معاصرة‭ ‬ونظرة‭ ‬جديدة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحياة،‭ ‬للمرأة،‭ ‬للحب،‭ ‬وللإنسان‭ ‬نفسه‭.‬

من‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬ويعطي‭ ‬كتب‭ ‬نزار‭ ‬للآخرين‭ ‬سوف‭ ‬ينتزعونها‭ ‬منه‭ ‬بالقوة،‭ ‬وهكذا‭ ‬رأينا‭ ‬الكثيرين‭ ‬وسمعناهم‭ ‬يرددون‭ ‬أشعار‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭.‬

إن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬في‭ ‬الأهواز‭ ‬يختلف‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬آخر،‭ ‬إنه،‭ ‬هنا،‭ ‬فتح‭ ‬مدارس‭ ‬ومعاهد‭ ‬لتعليم‭ ‬الحب‭ ‬وممارسة‭ ‬الحياة،‭ ‬ولم‭ ‬يكتف‭ ‬بهذا‭ ‬القدر،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬غير‭ ‬لغة‭ ‬الغرام‭ ‬وأعطى‭ ‬خطابا‭ ‬جديدا‭ ‬بالنسبة‭ ‬للحياة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ومن‭ ‬الصعب‭ ‬جدا‭ ‬أن‭ ‬يستطيع‭ ‬شاعر‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬يجتاح‭ ‬المدينة‭ ‬بهذه‭ ‬السرعة‭ ‬ويسحر‭ ‬أهلها‭. ‬قلة‭ ‬من‭ ‬شعراء‭ ‬العالم‭ ‬استطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يحتلوا‭ ‬مكانا‭ ‬لدى‭ ‬قراء‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬نزار‭.‬

عندما‭ ‬قرأت‭ ‬القصائد‭ ‬النثرية‭ ‬والأشعار‭ ‬المعاصرة‭ ‬انتبهت‭ ‬إلى‭ ‬ذكاء‭ ‬كتابها‭ ‬كيف‭ ‬نجحوا‭ ‬في‭ ‬دفن‭ ‬لغة‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬كتاباتهم،‭ ‬والأفضلية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬أصبحت‭ ‬لمن‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يخبئه‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭.‬

هناك‭ ‬شعراء‭ ‬عرب‭ ‬جدد‭ ‬جاءوا‭ ‬بقصائد‭ ‬تتواكب‭ ‬مع‭ ‬الفكر‭ ‬الحديث،‭ ‬والحياة‭ ‬الحديثة،‭ ‬والتقاليد‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬تفاجأنا‭ ‬بصورها‭ ‬الرائعة‭ ‬والذكية‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬كنا‭ ‬نشاهدها‭ ‬عند‭ ‬نزار‭ ‬ولا‭ ‬غيره‭.. ‬من‭ ‬معاصريه،‭ ‬لكن‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬الجدد‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬لهم‭ ‬شاعر‭ ‬كنزار‭ ‬جسرا‭ ‬من‭ ‬الكلمات‭ ‬الجديدة‭ ‬حتى‭ ‬يعبروا‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ويكون‭ ‬لهم‭ ‬شعرهم‭ ‬الجديد‭.‬

كان‭ ‬نزار‭ ‬مختبرا‭ ‬شعريا‭ ‬مهما‭ ‬أثرى‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭ ‬والأدب‭ ‬العربي‭ ‬الجديد‭ ‬وشكل‭ ‬بتجربته‭ ‬مساحة‭ ‬لعبور‭ ‬نصوص‭ ‬نوعية‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬إلينا،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬يظهر‭ ‬نزار‭ ‬لما‭ ‬قرأنا‭ ‬أشعارا‭ ‬جديدة،‭ ‬ولما‭ ‬تعرفنا‭ ‬على‭ ‬خطاب‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬وطفولة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬الكتابة،‭ ‬لهذا‭ ‬أرى‭ ‬نفسي‭ ‬أحب‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر،‭ ‬وكلما‭ ‬ابتعدت‭ ‬عن‭ ‬شعره‭ ‬أحسست‭ ‬أنني‭ ‬طعنت‭ ‬في‭ ‬السن،‭ ‬لكن‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬يبقى‭ ‬طفلا‭ ‬دائما‭ ‬ومن‭ ‬يريد‭ ‬العودة‭ ‬إليه‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يصغر‭ ‬أولا،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يؤمن‭ ‬بالطفل‭ ‬فيه‭.‬


شاعر من إيران