عمـارة‭ ‬نـزار

أو‭ ‬سؤال‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة

الجديد  عبد القادر الجموسي [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(118)]

مضت‭ ‬عشرين‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬رحيل‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الشاعر‭ ‬يقف‭ ‬بعنفوان‭ ‬على‭ ‬منبر‭ ‬الشعر‭ ‬العالي،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬صوته،‭ ‬بدفقانه‭ ‬السري‭ ‬اللا‭ ‬منقطع،‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬سطوعا‭ ‬ونفاذا‭ ‬ومسموعية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬شعرنا‭ ‬العربي‭ ‬الحديث‭. ‬بغنائيته‭ ‬الآسرة‭ ‬ومعجمه‭ ‬البسيط‭ ‬اللاذع‭ ‬وحرفيته‭ ‬النادرة،‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬الصنعة‭ ‬الباهرة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬سليقة،‭ ‬استطاع‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬أن‭ ‬يؤسس‭ ‬عمارة‭ ‬جمالية‭ ‬متفردة‭ ‬وراسخة‭ ‬في‭ ‬قارة‭ ‬الشعر‭ ‬المترامية‭.‬

إن‭ ‬ظاهرة‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬مستقبل‭ ‬الشعر‭ ‬وليس‭ ‬إلى‭ ‬ماضيه،‭ ‬لأنها‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬معادلات‭ ‬جمالية‭ ‬ونوعية‭ ‬لم‭ ‬تسجل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬الحديث،‭ ‬على‭ ‬أقل‭ ‬تقدير‭. ‬لقد‭ ‬كسب‭ ‬نزار‭ ‬مجمل‭ ‬الرهانات‭ ‬التي‭ ‬وسمت‭ ‬منجزه‭ ‬الشعري‭: ‬رهان‭ ‬جماهيرية‭ ‬الشعر،‭ ‬وصفاء‭ ‬اللغة،‭ ‬ورهافة‭ ‬الوجدان،‭ ‬وعدالة‭ ‬قضايا‭ ‬الإنسان‭ ‬والمرأة‭ ‬والحب‭ ‬وحرية‭ ‬الوطن‭. ‬رهانات‭ ‬أمدت‭ ‬شعره‭ ‬بعناصر‭ ‬الوجود‭ ‬الضرورية‭ ‬وبالشحنة‭ ‬اللازمة‭ ‬التي‭ ‬ضمنت‭ ‬له‭ ‬البقاء‭ ‬والتألق‭ ‬المتجدد‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬مستقبل‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭.‬

الشعر‭ ‬عند‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬«عمل‭ ‬حضاري‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‮»‬‭. ‬لذلك‭ ‬فهو‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الجدل‭ ‬العمومي‭ ‬والرهان‭ ‬الحضاري‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬اللغة،‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬الأكثر‭ ‬خطورة،‭ ‬وبناء‭ ‬الشخصية‭ ‬وصوغ‭ ‬الوجدان‭ ‬العام،‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التمدن‭ ‬والارتقاء‭ ‬بالحس‭ ‬الجمالي‭ ‬والإبداعي‭ ‬للإنسان‭. ‬والشاعر،‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنظور،‭ ‬صوت‭ ‬ضمن‭ ‬أصوات‭ ‬جماعية،‭ ‬حامل‭ ‬لموقف‭ ‬ورسالة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬«الرسام‭ ‬بألوانه،‭ ‬والمثال‭ ‬بكتلة‭ ‬الحجر،‭ ‬والموسيقي‭ ‬بأوتاره‮»‬‭. ‬

رسالة‭ ‬تدعوه‭ ‬بإصرار‭ ‬إلى‭ ‬الانخراط،‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬الجمالي،‭ ‬للدفع‭ ‬بعجلة‭ ‬التطور‭ ‬وتهذيب‭ ‬الذوق‭ ‬وصناعة‭ ‬الجمال‭ ‬الملازم‭ ‬لكل‭ ‬رقي‭ ‬حضاري‭. ‬المبدعون‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬«خلقوا‭ ‬ليزرعوا‭ ‬القنابل‭ ‬تحت‭ ‬القطار‭ ‬العثماني‭ ‬العجوز‭ ‬الذي‭ ‬ينقلنا‭ ‬من‭ ‬محطة‭ ‬الجاهلية‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬الجاهلية‭ ‬الثانية‭. ‬

أما‭ ‬الكتاب‭ ‬الذين‭ ‬يتكومون‭ ‬تحت‭ ‬الشراشف،‭ ‬بانتظار‭ ‬رحيل‭ ‬العاصفة،‭ ‬فسوف‭ ‬يبقون‭ ‬معزولين‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬كالدببة‭ ‬القطبية‮»‬‭. ‬ذا‭ ‬الوعي‭ ‬الصريح‭ ‬بمسؤولية‭ ‬الشاعر‭/‬المثقف،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬جعله‭ ‬يعبر،‭ ‬في‭ ‬أحايين‭ ‬كثيرة،‭ ‬بلغة‭ ‬النثر‭ ‬الجارحة،‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاختلالات‭ ‬والتشوهات‭ ‬التي‭ ‬أصابت‭ ‬الوعي‭ ‬والممارسة‭ ‬العربيين‭ ‬في‭ ‬محطات‭ ‬حاسمة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭. ‬مواقف‭ ‬كشفت‭ ‬وجع‭ ‬الشاعر‭ ‬وتفاعله‭ ‬مع‭ ‬مجريات‭ ‬واقعه‭ ‬الحي‭ ‬بمزاج‭ ‬حاد‭ ‬متحلل‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬رومانسية‭ ‬كاذبة‭ ‬ومراوغة‭.‬

لقد‭ ‬فاوض‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬وهو‭ ‬الشاعر‭ ‬والدبلوماسي‭ ‬المجرب،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬الشعر‭ ‬ديوان‭ ‬العرب‭ ‬الأول‭. ‬والظاهر‭ ‬أنه‭ ‬حقق‭ ‬فتوحات‭ ‬لافتة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المضمار،‭ ‬حيث‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الشعر‭ ‬خبزا‭ ‬وموسيقى‭ ‬يومية‭ ‬لكل‭ ‬الناس‭. ‬لقد‭ ‬صاغ‭ ‬نزار،‭ ‬عبر‭ ‬قراءاته‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‭ ‬والعالمي‭ ‬أسلوبا‭ ‬وسيطا،‭ ‬لا‭ ‬مبتذلا‭ ‬ولا‭ ‬مستغلقا‭ ‬على‭ ‬الأفهام؛‭ ‬أسلوبا‭ ‬ينتظم‭ ‬في‭ ‬جديلة‭ ‬واحدة‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬وتيرة‭ ‬حكائية‭ ‬انسيابية‭ ‬وغنائية‭ ‬عذبة،‭ ‬لمس‭ ‬بوساطتها‭ ‬الوتر‭ ‬الحساس‭ ‬لذائقتنا‭ ‬العربية‭ ‬العريقة‭ ‬التي‭ ‬تغذت‭ ‬على‭ ‬عوالم‭ ‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‭ ‬العجائبية،‭ ‬وفروسية‭ ‬المتنبي‭ ‬وعذوبة‭ ‬جميل‭ ‬بثينة‭ ‬وأبي‭ ‬فراس‭ ‬الحمداني‭ ‬وسخرية‭ ‬أبي‭ ‬نواس‭ ‬اللاذعة‭.‬

على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس،‭ ‬تبقى‭ ‬ظاهرة‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬محرضة‭ ‬على‭ ‬السؤال،‭ ‬ومستفزة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬النقدية‭ ‬العربية‭ ‬لاجتراح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬عن‭ ‬تمثلات‭ ‬الحداثة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬ورهاناتها‭ ‬الجديدة‭ ‬وتجريد‭ ‬آليات‭ ‬النقد‭ ‬لتشخيص‭ ‬أسباب‭ ‬نجاح‭ ‬قصيدة‭ ‬نزار‭ ‬فيما‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬تحقيقه‭ ‬تجارب‭ ‬شعرية‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬المعاصر‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬لمعاودة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الظاهرة‭ ‬النزارية،‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة،‭ ‬فهي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬جعلها‭ ‬معيارا‭ ‬لمساءلة‭ ‬الشعرية‭ ‬العربية‭ ‬الحديثة‭ ‬برمتها‭.‬


شاعر وكاتب من المغرب مقيم في طوكيو