صورة‭ ‬تذكارية‭ ‬مع‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬الغرب

الجديد  جمعة بوكليب [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(118)]

أعترف بأن‭ ‬بداية‭ ‬علاقتي‭ ‬بنزار‭ ‬ابتدأت‭ ‬بخصومة‭. ‬كان‭ ‬هو‭ ‬قامة‭ ‬أدبية‭ ‬شعرية‭ ‬هائلة‭ ‬ذائع‭ ‬الصيت،‭ ‬وكنت‭ ‬أنا‭ ‬شابا‭ ‬نحيلا‭ ‬غرّا،‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬حياته،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬نشرت‭ ‬لا‭ ‬يتجاوز‭ ‬أبياتا‭ ‬شعرية‭ ‬قليلة‭ ‬وهزيلة‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬بريد‭ ‬القراء‭ ‬بالصحف‭ ‬الليبية‭ ‬المحلية‭.‬

يبدو‭ ‬لي‭ ‬أن‭ ‬البداية‭ ‬لتلك‭ ‬الخصومة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬دخولي‭ ‬الجامعة،‭ ‬وهي‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬بدايات‭ ‬وعيي‭ ‬السياسي‭. ‬لم‭ ‬تستهوني‭ ‬أطروحات‭ ‬الإسلاميين‭ (‬الإخوان‭ ‬المسلمين،‭ ‬وحزب‭ ‬التحرير‭)‬،‭ ‬وقادني‭ ‬حبي‭ ‬وولعي‭ ‬للأدب‭ ‬والفن‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬اليسار،‭ ‬ووجدتني‭ ‬مع‭ ‬قلبي‭ ‬أرحل‭ ‬خلف‭ ‬رايات‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬وبيروت‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬وأغواني‭ ‬شعراء‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬برقي‭ ‬وجماليات‭ ‬فنهم‭ ‬الشعري‭ ‬ونبل‭ ‬القضية،‭ ‬لذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬من‭ ‬حل‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬أرفض‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬وشعره‭ ‬كلية،‭ ‬وأعتبره‭ ‬وشعره‭ ‬مجرد‭ ‬طفح‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يتكفل‭ ‬الزمن‭ ‬بطرحه‭ ‬من‭ ‬طريقه‭ ‬والإلقاء‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬سلة‭ ‬النسيان‭.‬

وأعترف‭ ‬بأنني‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬الخصومة‭ ‬المفتعلة‭ ‬من‭ ‬جانبي‭ ‬لم‭ ‬يخالجني‭ ‬أدنى‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬موهبة‭ ‬نزار‭ ‬الشعرية،‭ ‬بل‭ ‬أعترف‭ ‬بأن‭ ‬موهبته‭ ‬سببت‭ ‬لي‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬تنشره‭ ‬الصحف‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬أو‭ ‬أسمع‭ ‬قصائده‭ ‬تتدفق‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬شفتي‭ ‬فيروز،‭ ‬فأحس‭ ‬بعصافير‭ ‬قلبي‭ ‬ترف‭ ‬في‭ ‬صدري‭ ‬وكأنها‭ ‬تريد‭ ‬الفرار‭ ‬منه‭ ‬ومعانقة‭ ‬حروف‭ ‬قصائده‭.‬

في‭ ‬عام‭ ‬1975‭ ‬زار‭ ‬نزار‭ ‬ليبيا،‭ ‬وقرأ‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬كلية‭ ‬العلوم‭ ‬بجامعة‭ ‬طرابلس‭ (‬الفاتح‭ ‬منذ‭ ‬1976‭). ‬أذكر‭ ‬أنني‭ ‬حضرت‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء،‭ ‬وأذكر‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬كان‭ ‬غاصّا‭ ‬بالطلبة‭ ‬من‭ ‬الجنسين‭. ‬وحين‭ ‬انتهى‭ ‬نزار‭ ‬من‭ ‬إلقاء‭ ‬قصائده‭ ‬وغادر‭ ‬المسرح‭ ‬كنت‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬الطلبة‭ ‬المحظوظين،‭ ‬الذين‭ ‬تمكنوا‭ ‬من‭ ‬إقناعه‭ ‬بالتقاط‭ ‬صورة‭ ‬لهم‭ ‬معه‭. ‬هل‭ ‬كنت‭ ‬أمارس‭ ‬الدجل‭ ‬والنفاق‭ ‬أم‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬على‭ ‬حقيقتي،‭ ‬صبيا‭ ‬غرا،‭ ‬أقاوم‭ ‬وأخبئ‭ ‬ما‭ ‬يحبه‭ ‬قلبي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الفوز‭ ‬برضى‭ ‬وامتنان‭ ‬من‭ ‬هم‭ ‬أكبر‭ ‬مني‭ ‬سنا؟

الآن،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬أعتقد‭ ‬أنني‭ ‬كنت‭ ‬واقعا‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬الكثيرين‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬يحسبون‭ ‬أنفسهم‭ ‬على‭ ‬تيار‭ ‬اليسار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يمكنني‭ ‬أن‭ ‬اسميه‭ ‬الآن‭ ‬بضيق‭ ‬أفق‭ ‬غير‭ ‬عادي‭ ‬كنتاج‭ ‬لتخشب‭ ‬أيديولوجي‭ ‬يعد‭ ‬مؤشرا‭ ‬على‭ ‬فقر‭ ‬دم‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬كان‭ ‬يعد‭ ‬نفسه‭ ‬لإشعال‭ ‬فتيل‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬عربي‭ ‬مترد‭ ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬يصر‭ ‬على‭ ‬معاداة‭ ‬شاعر‭ ‬كان‭ ‬الشباب‭ ‬من‭ ‬الجنسين‭ ‬يردد‭ ‬قصائده‭!‬

الغريب‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار‭ ‬اتفقا‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬الموقف‭ ‬ولأسباب‭ ‬مختلفة‭.‬

بعد‭ ‬سنوات‭ ‬عشر‭ ‬سلخها‭ ‬السجن‭ ‬من‭ ‬روحي‭ ‬وعمري،‭ ‬وفي‭ ‬بدايات‭ ‬أيام‭ ‬غربتي‭ ‬التجأت‭ ‬إلى‭ ‬شعر‭ ‬نزار،‭ ‬ودفأت‭ ‬قلبي‭ ‬من‭ ‬صقيع‭ ‬غربته‭ ‬بأشعار‭ ‬نزار،‭ ‬وتذوقت‭ ‬روحي‭ ‬عسل‭ ‬روحه‭.‬

أنا‭ ‬لم‭ ‬أظلم‭ ‬نزار‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬ظلمت‭ ‬نفسي‭ ‬وحرمت‭ ‬ذائقتي‭ ‬الشعرية‭ ‬من‭ ‬التمتع‭ ‬والتفتق‭ ‬والرفرفة‭. ‬نزار‭ ‬الشاعر‭ ‬لم‭ ‬يعبأ‭ ‬يوما‭ ‬بأمثالي،‭ ‬لم‭ ‬يلتفت‭ ‬يوما‭ ‬إليهم،‭ ‬بل‭ ‬واصل‭ ‬عبوره‭ ‬الفذ‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬النهار‭ ‬والحياة‭ ‬والحرية،‭ ‬بجرأة‭ ‬غير‭ ‬معهودة،‭ ‬وثقة‭ ‬شاعر‭ ‬أصيل‭ ‬أبصر‭ ‬في‭ ‬ظلمة‭ ‬الواقع‭ ‬العربي‭ ‬طريقه،‭ ‬فسار،‭ ‬دون‭ ‬تردد،‭ ‬وبجمال،‭ ‬حتى‭ ‬قلب‭ ‬النبع‭.‬


قاص من ليبيا مقيم في لندن

مقالات أخرى للكاتب:

  • مناوشاتُ الربعِ الأخير