دبوس‭ ‬نسائي‭ ‬في‭ ‬أصابع‭ ‬عاشق‭ ‬أرستقراطي

الجديد  وليد‭ ‬علاء‭ ‬الدين [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(122)]

أذكر في‭ ‬أحد‭ ‬شتاءات‭ ‬دراستي‭ ‬الجامعية‭ ‬ذلك‭ ‬النقاش‭ ‬المطول‭ ‬الذي‭ ‬دار‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬أبي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭.‬

كانت‭ ‬مجموعة‭ ‬«قصائد‭ ‬متوحشة‮»‬‭ ‬لنزار‭ ‬قباني‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بيننا،‭ ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬لغة‭ ‬نزار‭ ‬الخاصة‭ ‬وعوالمه‭ ‬الفريدة،‭ ‬كان‭ ‬يحاول‭ ‬بهدوئه‭ ‬المستعد‭ ‬للانسحاب‭ ‬دائماً‭ ‬أن‭ ‬يمرر‭ ‬لي‭ ‬فكرته‭ ‬البسيطة؛‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬نزار،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬شيئاً‭ ‬سوى‭ ‬تمهيد‭ ‬الطريق‭ ‬للغة‭ ‬حرة‭ ‬ومغايرة‭ ‬لمن‭ ‬يمرون‭ ‬بعده،‭ ‬لكفاه‭ ‬ذلك‭.‬

كنت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬أعاني‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬وتطرف‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬مواقفي‭ ‬وآرائي،‭ ‬كنت‭ ‬أرى‭ ‬الأشياء‭ ‬بلونين‭ ‬أسود‭ ‬أو‭ ‬أبيض،‭ ‬وكنت‭ ‬أتعامل‭ ‬بحذر‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يكرس‭ ‬لهم‭ ‬الإعلام‭ ‬الرسمي‭ ‬وحتى‭ ‬مناهج‭ ‬الدراسة‭.‬

كنت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬شاعر‭ ‬غنائي‭ ‬مباشر،‭ ‬ولم‭ ‬تكن‭ ‬تشفع‭ ‬له‭ ‬عندي‭ ‬تلك‭ ‬الرهافة‭ ‬وذلك‭ ‬الألق‭ ‬الذي‭ ‬يعلوان‭ ‬قصائده‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬حدثني‭ ‬عنها‭ ‬أبي،‭ ‬وكنت‭ ‬أتبارى‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬في‭ ‬نادي‭ ‬الأدب‭ ‬التابع‭ ‬لإحدى‭ ‬قصور‭ ‬الثقافة‭ ‬الإقليمية‭ ‬في‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬شأن‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬كنت‭ ‬أسأل‭ ‬محبيه‭ ‬أن‭ ‬يحددوا‭ ‬لي‭ ‬بأنفسهم‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬لهم‭ ‬على‭ ‬منوالها‭ ‬قصيدة‭ ‬تباريها‭ ‬لأقرأها‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬الأمسية‭ ‬التالية،‭ ‬وكان‭ ‬نجاحي‭ ‬في‭ ‬استنساخ‭ ‬قصائده‭ ‬وعوالمه‭ ‬بشهادة‭ ‬الأصدقاء‭ ‬يدعوني‭ ‬إلى‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الغي،‭ ‬كانت‭ ‬لعبة‭ ‬مسلية‭ ‬وإن‭ ‬كنت‭ ‬أدركت‭ ‬لاحقاً‭ ‬أننا‭ ‬نستنسخ‭ ‬فقط‭ ‬أصحاب‭ ‬العوالم‭ ‬المميزة‭ ‬ظانين‭ ‬بسذاجة‭ ‬أننا‭ ‬بذلك‭ ‬قد‭ ‬أزلنا‭ ‬بهم‭ ‬الهزيمة‭ ‬النكراء‭.‬

كنت‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬أحب‭ ‬أمل‭ ‬دنقل،‭ ‬وأرى‭ ‬في‭ ‬شعره‭ ‬نبضاً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬وأستنسخه‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬في‭ ‬قصائدي‭ ‬الأولى،‭ ‬أكد‭ ‬أبي‭ ‬وهو‭ ‬يتصفح‭ ‬ورقات‭ ‬الديوان‭ ‬صغيرة‭ ‬القطع‭ ‬أن‭ ‬حبي‭ ‬لدنقل‭ ‬مشروع‭ ‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬قدر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬راسماً‭ ‬بكفيه‭ ‬دوائر‭ ‬وهمية‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬وقال‭ ‬إنهما‭ ‬دائرتان‭ ‬من‭ ‬الإبداع‭ ‬تحلقان‭ ‬في‭ ‬هواء‭ ‬الغرفة،‭ ‬وكل‭ ‬منهما‭ ‬عظيم‭ ‬بطريقته‭.‬

لم‭ ‬يسفر‭ ‬نقاشي‭ ‬مع‭ ‬أبي‭ ‬وقتها‭ ‬عن‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬علاقتي‭ ‬مع‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬ولكنه‭ ‬وضع‭ ‬علامة‭ ‬كعادته‭ ‬على‭ ‬الموضع‭ ‬الذي‭ ‬يريد‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أبحث‭ ‬فيه‭: ‬الآن،‭ ‬بعد‭ ‬قليل‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬كثير،‭ ‬لا‭ ‬يهم،‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬تلك‭ ‬العلامة‭ ‬بهدوء‭ ‬ويسر،‭ ‬واثقاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬نيء‭ ‬سوف‭ ‬يسير‭ ‬إلى‭ ‬نضجه‭ ‬الخاص‭.‬

بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬سنة‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء،‭ ‬وقد‭ ‬قرأت‭ ‬نزارا‭ ‬وقرأت‭ ‬آخرين‭ ‬كتبوا‭ ‬في‭ ‬الحب‭ ‬والجسد‭ ‬وللحب‭ ‬والجسد‭ ‬وعن‭ ‬الحب‭ ‬والجسد،‭ ‬لم‭ ‬أر‭ ‬في‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬تلك‭ ‬العظمة‭ ‬التي‭ ‬وجدتها‭ ‬في‭ ‬نيرودا،‭ ‬أو‭ ‬تلك‭ ‬الدفقات‭ ‬النارية‭ ‬الممتلئة‭ ‬التي‭ ‬بثها‭ ‬ريلكه،‭ ‬أو‭ ‬غيرهما‭ ‬من‭ ‬العظماء،‭ ‬شعرت‭ ‬بأن‭ ‬الفارق‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬هؤلاء‭ ‬كالفارق‭ ‬بين‭ ‬عاشق‭ ‬أرستقراطي‭ ‬اختار‭ ‬الوقوف‭ ‬تحت‭ ‬ظل‭ ‬شجرة‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬جميلة‭ ‬وراح‭ ‬ينقش‭ ‬اسمه‭ ‬على‭ ‬لحاء‭ ‬الشجر‭ ‬بطرف‭ ‬دبوس‭ ‬نسائي،‭ ‬وبين‭ ‬حطاب‭ ‬عاشق‭ ‬احتله‭ ‬العشق‭ ‬فراح‭ ‬يتلو‭ ‬قصائده‭ ‬بينما‭ ‬تشق‭ ‬بلطته‭ ‬الهواء‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬خشب‭ ‬يجلب‭ ‬له‭ ‬الدفء‭.‬

فإذا‭ ‬كان‭ ‬ريلكه‭ ‬يقول‭: ‬إن‭ ‬الحب‭ ‬هو‭ ‬الفرصة‭ ‬الوحيدة‭ ‬لكي‭ ‬ننضج،‭ ‬نكتمل‭ ‬ويتحوّل‭ ‬الواحد‭ ‬منا‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬منذور‭ ‬للحب،‭ ‬حبّ‭ ‬الكائن‭ ‬الذي‭ ‬يحبّ‭. ‬إن‭ ‬الحب‭ ‬تمرين‭ ‬عظيم‭ ‬للوحدة‭ ‬والتركيز‭ ‬والولوج‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬النفس،‭ ‬فإن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‮ ‬اكتفى‭ ‬بكتابة بورنوغرافية‭ ‬تتناول‭ ‬شهوة‭ ‬متبادلة‭ ‬بين‭ ‬ذكر‭ ‬وأنثى وهو‭ ‬وإن‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يتعدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مناقشة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية إلا‭ ‬أنه‭ ‬إن‭ ‬فعل‭ ‬ذلك‭ ‬بالمستوى‭ ‬الفني‭ ‬اللائق‭ ‬فهو‭ -‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قصائده‭- ‬لم‭ ‬يتعد‭ ‬دور‭ ‬العاشق‭ ‬بدبوسه‭ ‬على‭ ‬لحاء‭ ‬الشجرة‭ ‬الطري‭.‬

ولعل‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬رأيي‭ ‬من‭ ‬قصائد‭ ‬الحب‭ -‬لا‭ ‬أعتبر‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬شعراً‭- ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬القصائد‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يحتل‭ ‬فيها‭ ‬النهد‭ ‬مركز‭ ‬الصدارة‭ ‬ولا‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬غرف‭ ‬النوم،‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬القصائد‭ ‬التي‭ ‬نسي‭ ‬فيها‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬نموذج‭ ‬شهير‭ ‬فكتب‭ ‬على‭ ‬سجيته‭ ‬الشعرية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬أنها‭ ‬قادرة‭ ‬وموهوبة‭.‬


شاعر من مصر مقيم في الإمارات