محراب‭ ‬المرأة

الجديد  رحاب أبو زيد [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(124)]

هل عرف‭ ‬نزار‭ ‬امرأة‭ ‬جادّة‭ ‬في‭ ‬حياته؟‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬النساء‭ ‬جميعهن‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬واحد،‭ ‬أم‭ ‬تراه‭ ‬كان‭ ‬محاطا‭ ‬بالجميلات‭ ‬في‭ ‬صورتهن‭ ‬المبسطة؟‭ ‬ستكون‭ ‬مجرّد‭ ‬فكرة‭ ‬تصنيف‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬وصفها‭ ‬نزار‭ ‬في‭ ‬قصائده‭ ‬متجاوزة‭ ‬للعميق‭ ‬من‭ ‬الحس‭ ‬الإبداعي‭ ‬لديه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحسّ‭ ‬الفكري‭.‬

يعدّ‭ ‬البعض‭ ‬نزار‭ ‬شاعر‭ ‬الغواية‭ ‬والإغواء،‭ ‬شاعر‭ ‬الرغبة‭ ‬والإغراء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬رمزا‭ ‬وقورا‭ ‬للحب‭ ‬بمعناه‭ ‬الرومانسي‭ ‬تبعا‭ ‬للمذهب‭ ‬الرومانسي‭ ‬العريق‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬العالمي،‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬حالة‭ ‬شعرية‭ ‬تتطور‭ ‬وتضمحل‭ ‬وفقا‭ ‬لما‭ ‬تقتضيه‭ ‬الحالة‭ ‬الشعورية‭ ‬لدى‭ ‬المتلقي‭ ‬وحسب‭ ‬القفزات‭ ‬المفصلية‭ ‬للوعي‭ ‬الوجداني‭ ‬والإدراكي‭ ‬لذاته‭.‬

ليس‭ ‬بالإمكان‭ ‬أن‭ ‬يُقرأ‭ ‬نزار‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬لتركنه‭ ‬بعدها‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬قصية‭ ‬من‭ ‬ذاكرتك‭ ‬بالبساطة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬بها‭ ‬كتابا‭ ‬انتهيت‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬موضعه‭ ‬من‭ ‬المكتبة‭ ‬المزدحمة،‭ ‬فهو‭ ‬متفرّد‭ ‬وسيبقى‭ ‬كذلك،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الأفعال‭ ‬بأزمانها‭ ‬الماضية‭ ‬لا‭ ‬تتراكب‭ ‬والجُمَل‭ ‬التي‭ ‬نختارها‭ ‬الآن‭ ‬للحديث‭ ‬عنه‭.‬

بعيداً‭ ‬عن‭ ‬اتخاذ‭ ‬المواقف‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬منطلقات‭ ‬نقدية‭ ‬فنية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬وفقاً‭ ‬لمدارس‭ ‬أدبية،‭ ‬فإن‭ ‬نزار‭ ‬تحديدا‭ ‬شاعر‭ ‬الالتباس‭. ‬أراه‭ ‬كذلك‭ ‬بعدما‭ ‬مررت‭ ‬معه‭ ‬بتجربة‭ ‬عجيبة‭ ‬في‭ ‬التناقض‭ ‬يقلّ‭ ‬مثيلها،‭ ‬إذ‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬أتفق‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬حد‭ ‬التوحد،‭ ‬وأختلف‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬أخرى‭ ‬حدّ‭ ‬الخصام،‭ ‬ثم‭ ‬أعود‭ ‬فأجدني‭ ‬أميل‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬قد‭ ‬اختلفت‭ ‬فيه‭ ‬معه‭ ‬وأتجنبه‭ ‬فكرياً‭ ‬وعاطفياً‭. ‬ولعله‭ ‬بدا‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬أخرى‭ ‬للدهشة‭ ‬بعالمه‭ ‬الشعري‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بي‭ ‬بإزاء‭ ‬شعره‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬تناغم‭ ‬تام‭! ‬ولا‭ ‬أدري‭ -‬ولا‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أدري‭- ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬كلماته‭ ‬تخاطبني‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬بمستوى‭ ‬شعوري‭ ‬مختلف،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬انعكاس‭ ‬لحالتي‭ ‬الذهنية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ما‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬الحالات‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬شيئاً‭ ‬مهما‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬حي‭ ‬يرزق‭ ‬في‭ ‬قصائده،‭ ‬والأهم‭ ‬أن‭ ‬قصائده‭ ‬نشطة‭ ‬كالمفاعل‭ ‬المختبئ‭ ‬تحت‭ ‬الأرض،‭ ‬حيوية‭ ‬كغزال‭ ‬يفرّ‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬المذهبة‭ ‬إلى‭ ‬مساحات‭ ‬ناعمة‭ ‬كالمروج‭.‬

وبالرغم‭ ‬من‭ ‬أني‭ ‬أحببت‭ ‬شعره‭ ‬السياسي‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أحببت‭ ‬الموضوعات‭ ‬الأخرى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متبتلا‭ ‬ومتجليا‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬محراب‭ ‬المرأة‭. ‬لطالما‭ ‬تهرّبت‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬المتحرشة‭ ‬تلك‭ ‬الصبية‭ ‬المراهقة‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬على‭ ‬فكر‭ ‬العيب‭ ‬والحرام،‭ ‬فظنّت‭ ‬أن‭ ‬مباغتته‭ ‬ومبادراته‭ ‬القوية‭ ‬تخدش‭ ‬الحياء‭. ‬ثم‭ ‬عندما‭ ‬بلغت‭ ‬سنوات‭ ‬أنوثتها‭ ‬الساعية‭ ‬للتكامل‭ ‬أخذها‭ ‬اعتدادها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قسرها‭ ‬على‭ ‬الرجوع‭ ‬إليه‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يخدش‭ ‬الكبرياء‭! ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬أيظن‮»‬‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬يتقمص‭ ‬الشاعر‭ ‬أحاسيس‭ ‬امرأة‭ ‬غاضبة‭ ‬دون‭ ‬تغلغل‭ ‬إلى‭ ‬أغوار‭ ‬الجرح،‭ ‬وهي‭ ‬بالمناسبة‭ ‬أول‭ ‬قصيدة‭ ‬مغنّاة‭ ‬لنزار‭ ‬انسابت‭ ‬بصوت‭ ‬السحر،‭ ‬شبيه‭ ‬القطن‭ ‬الأبيض؛‭ ‬نجاة‭ ‬الصغيرة‭ ‬ومن‭ ‬ألحان‭ ‬موسيقار‭ ‬الأجيال‭ ‬محمد‭ ‬عبدالوهاب،‭ ‬سيقرأها‭ ‬أو‭ ‬يستمع‭ ‬للكلمات‭ ‬من‭ ‬يظن‭ ‬أنها‭ ‬تنصف‭ ‬المرأة‭ ‬منذ‭ ‬مطلعها‭ ‬الأول‭:‬

‮«‬أيظن‭ ‬أني‭ ‬لعبة‭ ‬في‭ ‬يديه،

أنا‭ ‬لا‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬الرجوع‭ ‬إليه‭..‬‮»‬‭.‬

لكنه‭ ‬اختتمها‭ ‬بـ‭:‬

‮«‬ما‭ ‬أحلى‭ ‬الرجوع‭ ‬إليه‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬إلى‭ ‬تلميذة‮»‬‭ ‬يتجسّد‭ ‬الشاعر‭ ‬صوت‭ ‬الرجل‭ ‬المجروح،‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬الحالة‭ ‬أعلاه،‭ ‬فيقول‭:‬

«‬قولي‭ ‬لي‭ -‬ولو‭ ‬كذبا‭- ‬كلاما‭ ‬ناعما

قد‭ ‬كادَ‭ ‬يقتُلُني‭ ‬بك‭ ‬التمثالُ

مازلتِ‭ ‬في‭ ‬فن‭ ‬المحبة‭.. ‬طفلةً

بيني‭ ‬وبينك‭ ‬أبحر‭ ‬وجبالُ‮»‬‭.‬

لا‭ ‬خلاف‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬كان‭ ‬معلّما‭ ‬من‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬علّموا‭ ‬الرجل‭ ‬العربي‭ ‬نظرية‭ ‬الحب‭ ‬المسطح،‭ ‬والتيه‭ ‬في‭ ‬امرأة‭ ‬ناعمة‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬جارية‭ ‬فإن‭ ‬الجواري‭ ‬يخدمنها‭ ‬ويتحلقن‭ ‬من‭ ‬حولها،‭ ‬لكننا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬نحمّل‭ ‬نزار‭ ‬مسؤولية‭ ‬إنصاف‭ ‬المرأة‭ ‬العربية‭ ‬والانتصار‭ ‬لكرامتها‭ ‬المسلوبة‭ ‬فسوف‭ ‬نحب‭ ‬نزار‭ ‬أكثر‭ ‬بلا‭ ‬شك‭. ‬وسنحيط‭ ‬هذا‭ ‬الحب‭ ‬بتقدير‭ ‬عظيم‭ ‬له‭ ‬كإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬كشاعر‭ ‬شفيف‭ ‬وصادق‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬تبرير‭ ‬خياناته‭.‬


كاتبة من السعودية