شاعر‭ ‬الالتباس غزال‭ ‬هارب‭ ‬من‭ ‬إطار‭ ‬مذهب

الجديد  باسم فرات [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(125)]

اشتهر الشاعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬بوصفه‭ ‬شاعر‭ ‬المرأة‭ ‬وشاعر‭ ‬المراهقين‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬جمهوره‭ ‬منهم،‭ ‬وفي‭ ‬بداياتي‭ ‬مع‭ ‬القراءة‭ ‬والشعر،‭ ‬قرأت‭ ‬أن‭ ‬القراء‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يتجاوزوا‭ ‬مرحلة‭ ‬المراهقة‭ ‬حتى‭ ‬يتركوا‭ ‬شعره‭ ‬متجهين‭ ‬إلى‭ ‬شعراء‭ ‬آخرين،‭ ‬وكنتُ‭ ‬أشعر‭ ‬بالزهو‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬مراهقتي‭ ‬لأن‭ ‬ذائقتي‭ ‬الشعرية‭ ‬لم‭ ‬تستسغ‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬أنا‭ ‬المهووس‭ ‬بشعراء‭ ‬الحداثة‭ ‬ابتداء‭ ‬من‭ ‬السياب‭ ‬وليس‭ ‬انتهاء‭ ‬بجماعة‭ ‬كركوك،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬شعراء‭ ‬عرب‭ ‬يمثلون‭ ‬الخط‭ ‬الثوري‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬الشعر‭ ‬الحديث‭ ‬العربية‭.‬

نعم،‭ ‬كنتُ‭ ‬أتعالى‭ ‬على‭ ‬مَن‭ ‬يحب‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬وكانت‭ ‬فرحتي‭ ‬كبيرة‭ ‬حين‭ ‬قرأت‭ ‬كتابا‭ ‬شعريّا‭ ‬أظنه‭ ‬«أسئلة‭ ‬الشعر‮»‬‭ ‬لمنير‭ ‬العكش،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تخنّي‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وفيه‭ ‬أعطى‭ ‬قصيدتيْن‭ ‬واحدة‭ ‬للسياب‭ ‬وأخرى‭ ‬لنزار‭ ‬قباني؛‭ ‬إلى‭ ‬عشرة‭ ‬أشخاص‭ ‬يمثلون‭ ‬عشر‭ ‬عينات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬المجتمع،‭ ‬اختلف‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬فيهم‭ ‬في‭ ‬تلقيه‭ ‬لقصيدة‭ ‬السياب‭ ‬بينما‭ ‬اتفقوا‭ ‬جميعا‭ ‬في‭ ‬التلقي‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬قصيدة‭ ‬قباني‭. ‬كنت‭ ‬استشهد‭ ‬بهذه‭ ‬الدراسة‭ ‬الميدانية‭ ‬لتبرير‭ ‬موقفي‭ ‬السلبي‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬قباني؛‭ ‬فضلا‭ ‬على‭ ‬استشهادي‭ ‬الدائم‭ ‬برأي‭ ‬السيّاب‭ ‬في‭ ‬شعره،‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬ما‭ ‬فحواه‭ ‬«إن‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬مثل‭ ‬الحلوى‭ ‬التي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تذوب‭ ‬في‭ ‬الفم،‭ ‬ونزارٌ‭ ‬واحد‭ ‬يكفي‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي‮»‬‭.‬

لكنني‭ ‬حين‭ ‬تحدثتُ‭ ‬مع‭ ‬أستاذي‭ ‬فاضل‭ ‬ديوان‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬شعر‭ ‬نزار‭ ‬نصحني‭ ‬بأن‭ ‬أقرأ‭ ‬له‭ ‬عدة‭ ‬مجموعات‭ ‬شعرية،‭ ‬فهذا‭ ‬ضروري‭ ‬ليكون‭ ‬حكمي‭ ‬أكثر‭ ‬دقة،‭ ‬وشعرت‭ ‬عبر‭ ‬حديثه‭ ‬بإعجابه‭ ‬الكبير‭ ‬به،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وهو‭ ‬مكثر،‭ ‬فقرأت‭ ‬له‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المجموعات‭ ‬الشعرية،‭ ‬وعزوتُ‭ ‬إعجاب‭ ‬فاضل‭ ‬ديوان‭ ‬بشعره‭ ‬لأنه‭ ‬أكثر‭ ‬ميلا‭ ‬للمحافظة،‭ ‬بينما‭ ‬أنا‭ ‬أميل‭ ‬أكثر‭ ‬للحداثة؛‭ ‬حينها‭ ‬حصلتُ‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬مجموعات‭ ‬شعرية‭ ‬له‭ ‬التهمتها‭ ‬قراءة‭.‬

كان‭ ‬أستاذي‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬الشاعر‭ ‬والمسرحي‭ ‬محمد‭ ‬زمان‭ ‬معجبا‭ ‬بنزار‭ ‬قباني‭ ‬غاية‭ ‬الإعجاب،‭ ‬ويراه‭ ‬جادًّا‭ ‬ومثابرا‭ ‬ومتفردا،‭ ‬ويُعلل‭ ‬الأمر،‭ ‬بأنه‭ ‬ليس‭ ‬بإمكان‭ ‬شاعر‭ ‬أن‭ ‬ينجز‭ ‬هذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬المجموعات‭ ‬الشعرية‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مُنَظّما‭ ‬ودقيقا‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬ويحسب‭ ‬حساب‭ ‬الوقت‭ ‬جيّدا،‭ ‬ولم‭ ‬أكن‭ ‬أجرؤ‭ ‬على‭ ‬مكاشفته‭ ‬برأيي‭ ‬بشعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أقتنع‭ ‬يوما‭ ‬إلاّ‭ ‬برأي‭ ‬السياب‭ ‬فيه،‭ ‬ولطالما‭ ‬وقعت‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬شعره‭ ‬وأهميته،‭ ‬منافحا‭ ‬عن‭ ‬السياب‭ ‬وجيل‭ ‬الستينات‭ ‬العراقي؛‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬الرموز‭ ‬مثل‭ ‬سركون‭ ‬بولص‭ ‬وسامي‭ ‬مهدي‭ ‬وبحسب‭ ‬الشيخ‭ ‬جعفر‭ ‬وصلاح‭ ‬فائق‭ ‬وفاضل‭ ‬العزاوي‭ ‬وآخرين‭.‬

أن‭ ‬تُبدي‭ ‬رأيا‭ ‬مخالفا‭ ‬للسائد‭ ‬في‭ ‬شعر‭ ‬شاعر‭ ‬جمهوره‭ ‬في‭ ‬بلادك‭ ‬هو‭ ‬الأوسع،‭ ‬شاعر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬الكاتب‭ ‬العراقي‭ ‬الذي‭ ‬رَحَّب‭ ‬بنزار‭ ‬قباني‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬العراقية‭ ‬حين‭ ‬حضوره‭ ‬مهرجان‭ ‬المربد‭ ‬في‭ ‬ثمانينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬مبالغا‭ ‬حين‭ ‬ذكر‭ ‬حجم‭ ‬جماهيريته،‭ ‬هذا‭ ‬الشاعر‭ ‬الدمشقي‭ ‬الذي‭ ‬يفوح‭ ‬ياسمين‭ ‬دمشق‭ ‬من‭ ‬ثنايا‭ ‬قصائده؛‭ ‬شاعر‭ ‬أشهد‭ ‬بأني‭ ‬وقلة‭ ‬من‭ ‬أصحابي‭ ‬كُنّا‭ ‬خارج‭ ‬النسق‭ ‬نُغرّد‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬ميلنا‭ ‬لشعره،‭ ‬وأُعزي‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬متابعتنا‭ ‬الجادة‭ ‬لمنجز‭ ‬جيل‭ ‬الستينات‭ ‬العراقي‭ ‬ومجلة‭ ‬شعر‭ ‬اللبنانية‭ ‬وما‭ ‬تُرجم‭ ‬وكان‭ ‬يُتَرجم‭ ‬من‭ ‬حركات‭ ‬الحداثة‭ ‬الغربية،‭ ‬نحن‭ ‬المولعين‭ ‬بشعراء‭ ‬الحداثة‭ ‬عربا‭ ‬وأجانب‭.‬

مرت‭ ‬الأعوام‭ ‬تلو‭ ‬الأعوام،‭ ‬وفي‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬كنت‭ ‬أسترجع‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬ما‭ ‬قرأت‭ ‬لقباني،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬القصائد‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬أعدت‭ ‬قراءتها‭ ‬مؤخرا،‭ ‬يمكنني‭ ‬القول‭ ‬إنني‭ ‬تراجعت‭ ‬كثيرا‭ ‬عن‭ ‬موقفي‭ ‬من‭ ‬شعره،‭ ‬فقد‭ ‬لاحظت‭ ‬أمرا‭ ‬مهمًّا‭ ‬فيه،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬ابن‭ ‬المركز‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية،‭ ‬أي‭ ‬الغالبية‭ ‬العربية‭ ‬الإسلامية‭ ‬وابن‭ ‬مدينة‭ ‬دمشق‭ ‬وهي‭ ‬إحدى‭ ‬الحواضر‭ ‬العربية‭ ‬المركزية،‭ ‬بنى‭ ‬نسقه‭ ‬الشعري‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬الهامش،‭ ‬فهي‭ ‬لغة‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬البلاغة‭ ‬النخبوية‭ ‬وتميل‭ ‬إلى‭ ‬بلاغة‭ ‬العامة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬لغته‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العامية‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬لكل‭ ‬قارئ‭ ‬بالعربية‭ ‬أن‭ ‬يفهمها؛‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬يكتب‭ ‬شعرا‭ ‬عاميّا‭ ‬بكلمات‭ ‬فصيحة‭ ‬ويبتعد‭ ‬عن‭ ‬الفصحى‭.‬

لغة‭ ‬أكثر‭ ‬قربا‭ ‬من‭ ‬العامية‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬لغة‭ ‬الصحافة،‭ ‬خطابه‭ ‬واضح‭ ‬يكاد‭ ‬ينزلق‭ ‬نحو‭ ‬المباشرة،‭ ‬لكنه‭ ‬وبحرفية‭ ‬عالية‭ ‬يترك‭ ‬خيطا‭ ‬رفيعا‭ ‬بين‭ ‬الوضوح‭ ‬والمباشرة،‭ ‬لم‭ ‬يستحوذ‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬على‭ ‬قلوب‭ ‬الملايين‭ ‬فقط،‭ ‬وهي‭ ‬الحالة‭ ‬الشعرية‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬لأن‭ ‬مظفر‭ ‬النواب‭ ‬ومحمود‭ ‬درويش‭ ‬أقل‭ ‬شعبية‭ ‬منه،‭ ‬لكنه‭ ‬أيضا‭ ‬كسّر‭ ‬القاعدة‭ ‬التي‭ ‬تميَّز‭ ‬بها‭ ‬شعراء‭ ‬المركز،‭ ‬أي‭ ‬فخامة‭ ‬اللغة‭ ‬وبلاغتها‭ ‬النخبوية،‭ ‬و»شَعْرَنَ‮»‬‭ ‬الهامش‭ ‬وهو‭ ‬ابن‭ ‬المركز‭.‬

لا‭ ‬شكَّ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬شعراء‭ ‬ذهبوا‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬الهامش‭ ‬لأنهم‭ ‬أبناء‭ ‬ثقافة‭ ‬الهامش،‭ ‬أي‭ ‬أبناء‭ ‬مجموعات‭ ‬سكانية‭ ‬لا‭ ‬تُعدّ‭ ‬عربية‭ ‬إسلامية،‭ ‬فهم‭ ‬أبناء‭ ‬الأقليات،‭ ‬وقد‭ ‬ذكرت‭ ‬ذلك‭ ‬مرارا‭ ‬عن‭ ‬الشاعر‭ ‬سركَون‭ ‬بولص،‭ ‬مثلما‭ ‬ذكرت‭ ‬نقيضه‭ ‬الشغوف‭ ‬بفخامة‭ ‬البناء‭ ‬اللغوي‭ ‬والبلاغي‭ ‬والمسحور‭ ‬بلغة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬وهو‭ ‬الشاعر‭ ‬عبدالرزاق‭ ‬عبدالواحد‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬انتمائه‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬الهامش‭ ‬أيضا‭ ‬كونه‭ ‬صابئيّا‭ ‬مندائيّا‭.‬

في‭ ‬عقد‭ ‬السبعينات؛‭ ‬ظهر‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬جيل‭ ‬شعري‭ ‬ينحو‭ ‬نحو‭ ‬البساطة‭ ‬في‭ ‬الشعر،‭ ‬كانت‭ ‬محاولاتهم‭ ‬جعل‭ ‬الشعر‭ ‬مثل‭ ‬الماء‭ ‬والخبز،‭ ‬وشاءت‭ ‬الصدف‭ ‬أن‭ ‬تجمعني‭ ‬أمسيات‭ ‬شعرية‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬شعراء‭ ‬هذا‭ ‬الجيل‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬النيوزلندية‭ ‬وَلِنْغْتُن،‭ ‬ولدينا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ثمة‭ ‬مَن‭ ‬حاول‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬السبعيني‭ ‬البريطاني‭ ‬مثل‭ ‬الشاعر‭ ‬غزاي‭ ‬درع‭ ‬الطائي؛‭ ‬لكن‭ ‬يمكنني‭ ‬القول‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الجرأة‭ ‬إن‭ ‬الشاعر‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬قد‭ ‬سبق‭ ‬جيل‭ ‬السبعينات‭ ‬البريطاني‭ ‬هذا،‭ ‬فشعره‭ ‬سلس‭ ‬للغاية‭ ‬ولا‭ ‬يُتعب‭ ‬القارئ‭ ‬بالتأويل‭ ‬بل‭ ‬يدخل‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬القلب،‭ ‬والجمهور‭ ‬لا‭ ‬يحب‭ ‬التأويل‭ ‬وفهم‭ ‬النص‭ ‬على‭ ‬مستويات،‭ ‬أعني‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬للنص‭ ‬مستويات‭ ‬قراءة‭ ‬متعددة،‭ ‬هذه‭ ‬المستويات‭ ‬تَـحرِم‭ ‬الشعر‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬وتحصره‭ ‬في‭ ‬نُخبة‭ ‬النخبة‭.‬

أرى‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬يُعدّ‭ ‬بحق‭ ‬أحد‭ ‬أقطاب‭ ‬التجديد‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬وإن‭ ‬كتب‭ ‬قصيدة‭ ‬التفعيلة‭ ‬متأخرا؛‭ ‬قياسا‭ ‬بغيره؛‭ ‬لكنه‭ ‬جدَّد‭ ‬في‭ ‬عمود‭ ‬الشعر‭ ‬وفي‭ ‬لغة‭ ‬الشعر‭ ‬والتناول‭ ‬الشعري‭ ‬للأشياء،‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬مَن‭ ‬اهتموا‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يراها‭ ‬الشعراء‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬للشعر؛‭ ‬ابن‭ ‬المركز‭ ‬يهتم‭ ‬بالهامشي‭ ‬والمهمل‭ ‬عند‭ ‬الشعراء،‭ ‬وانتبه‭ ‬إلى‭ ‬أشياء‭ ‬المرأة‭ ‬الحميمة؛‭ ‬أي‭ ‬زينتها؛‭ ‬فاستحوذ‭ ‬على‭ ‬قلوب‭ ‬الصبايا‭ ‬والمراهقات‭ ‬لأنه‭ ‬يُعبّر‭ ‬عنهن‭ ‬بامتياز،‭ ‬مثلما‭ ‬يجد‭ ‬المراهقون‭ ‬ضالتهم‭ ‬في‭ ‬كتاباته‭ ‬ليُعبّروا‭ ‬لحبيباتهم‭ ‬بما‭ ‬يغريهن‭ ‬في‭ ‬الانجذاب‭ ‬إليهم‭.‬

ثمة‭ ‬رأي‭ ‬قرأتُه‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬يذكر‭ ‬فيه‭ ‬كاتبه‭ ‬أن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬أزاح‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬ربيعة‭ ‬من‭ ‬قلوب‭ ‬العُشَّاق‭ ‬واستحوذ‭ ‬على‭ ‬مكانته،‭ ‬وشخصيّا‭ ‬أميل‭ ‬لهذا‭ ‬الرأي،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬إيماني‭ ‬بأن‭ ‬العُشَّاق‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭ ‬موجودا‭ ‬لابتعدوا‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬ربيعة‭ ‬تلقائيّا؛‭ ‬بسبب‭ ‬مناهج‭ ‬التدريس‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُخرّج‭ ‬أجيالا‭ ‬تجيد‭ ‬قراءة‭ ‬التراث‭. ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الفرصة‭ ‬مواتية‭ ‬لنزار‭ ‬قباني،‭ ‬فالرجل‭ ‬اختطَّ‭ ‬لنفسه‭ ‬طريقة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬غير‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬الشعر‭ ‬العربي،‭ ‬طريقة‭ ‬جريئة‭ ‬في‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬المرأة‭ ‬والحديث‭ ‬عنها‭ ‬بلسانها،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬شغفه‭ ‬بحبيبته‭ ‬فالكلمات‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬مناطق‭ ‬مُعينة‭ ‬من‭ ‬جسد‭ ‬المرأة‭ ‬التي‭ ‬يتجنبها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشعراء،‭ ‬أو‭ ‬يتداولونها‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬محدود،‭ ‬تجد‭ ‬حضورها‭ ‬الفاعل‭ ‬والغزير‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭.‬

نزار‭ ‬قباني‭ ‬يشبه‭ ‬الربيع‭ ‬القصير‭ ‬جدّا‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬فهو‭ ‬شاعر‭ ‬تقرأ‭ ‬له‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تتجاوزُه‭ ‬حين‭ ‬تقرأ‭ ‬لشعراء‭ ‬آخرين‭ ‬وتزداد‭ ‬وعيا‭ ‬بالشعر،‭ ‬لكن‭ ‬وجوده‭ ‬ضرورة‭ ‬مثل‭ ‬وجود‭ ‬الربيع‭ ‬القصير‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنه،‭ ‬وهو‭ ‬يمثل‭ ‬مع‭ ‬مظفر‭ ‬النواب‭ ‬ومحمود‭ ‬درويش،‭ ‬إغراء‭ ‬بالمحاكاة‭ ‬وتوريطا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لأن‭ ‬شعبية‭ ‬هؤلاء‭ ‬الشعراء‭ ‬المفرطة‭ ‬وطبيعة‭ ‬خطابهم‭ ‬الشعري،‭ ‬جعلتهم‭ ‬بيتا‭ ‬فضاحيّا‭ ‬لكل‭ ‬مَن‭ ‬يدخله،‭ ‬يتعرى‭ ‬أمام‭ ‬القُرّاء‭ ‬دون‭ ‬إرادته،‭ ‬ويصبح‭ ‬الخروج‭ ‬منه‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يَعلق‭ ‬صبغٌ‭ ‬أحمر‭ ‬في‭ ‬حناجرهم‭ ‬أشبه‭ ‬بالمستحيل‭.‬


شاعر‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الخرطوم