دمشق‭ ‬المقيمة‭ ‬في‭ ‬الشاعر البيت‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬

والآن‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬بيت‭ ‬نزار‭ ‬هناك؟

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(76)]

النافورة الدمشقية في صحن البيت
حين يصغي المرء بسمع رهيف إلى تفاصيل التفاصيل في تلك القصائد المليئة بالحنين التي كتبها نزار قباني عن دمشق، لا يستطيع منع نفسه من السؤال، وهو سؤال إبداعي مشروع، ماذا لو لم يغادر نزار دمشق؟ هل كان سيكتب عنها بكل هذا الاحتفاء وبكل تلك الأساليب التي أضافت إلى خلودها خلودا؟

ماذا لو واصل نزار أيامه وسنينه يعيش في حارة مئذنة الشحم في الشاغور؟ في ذلك البيت الواسع الذي نهرّب صوره تهريباً في هذا الزمن؟

اختار نزار من البداية أن يصنع مسافة وعي حادة، معنوية أولا، مع مدينته دمشق. بدأت بتحديه لتقاليدها المحافظة، التي تبدو محافظة حين النظر إليها من خارجها. وثانيا مسافة فيزيائية حقيقية باختياره العيش خارجها سفيرا أو معارضا وقف ضد أنظمة الحكم المتتالية عليها.

كان ذلك في اللحظة التي وصفها نزار بالكلمات التالية “أنا أيضا ضربتني دمشق بالحجارة والبندورة والبيض الفاسد. حين نشرتُ عام 1954 قصيدتي (خبز وحشيش وقمر)”.

منفى إرادي عن دمشق

يقول نزار “العمائم نفسها التي طالبت بشنق أبي خليل طالبت بشنقي. والذقون المحشوّة بغبار التاريخ التي طلبت رأسه طلبت رأسي. (خبز وحشيش وقمر) كانت أول مواجهة بالسلاح الأبيض بيني وبين الخرافة وبين التاريخيين”.

نشرت مجلة الآداب اللبنانية قصيدة نزار “خبز وحشيش وقمر”، وكان يعيش في لندن في ذلك الوقت، بعد أن انخرط في السلك الدبلوماسي السوري. استوقفت القصيدة أحد نواب البرلمان السوري، وكان عالما في الفقه وواحدا من قيادات الإخوان المسلمين اسمه “مصطفى الزرقا”، فثارت ثائرته واتفق مع بعض النواب من زملائه أن يطلبوا من وزير الخارجية آنذاك خالد العظم اتخاذ أقسى العقوبات بحق نزار، فلم يستجب لهم.

فقرر الزرقا التصعيد وطرح قصيدة نزار أمام البرلمان في جلسة يوم الثلاثاء 14 يونيو عام 1955. حينها وقف وقال “ماذا أقول عن وزارة الخارجية؟ تلك الوزارة التي لفتنا نظرها قبل ذلك إلى موضوع هام جدا، إلى موضوع قومي بالدرجة الأولى قبل أن يكون موضوعا دينيا، هذا الموضوع هو تهجّم أحد ممثلينا في الخارج، وهو ممثلنا في لندن، هذا الشخص هو رجل يقال له نزار القباني، وقد كنت أريد أن لا أتعرض لأشخاص غائبين لا يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، ولكنه رجل يمثلنا ويعرض صورة عنا في قصيدة داعرة فاجرة انحلالية إلحادية، وفضلا عن كل هذا تظهر الشعب العربي في أقبح صورة وأبشع تمثيلا وأفسد حالة، وتعرض هذه الهيئة على أنها صورة للشعب العربي، تعرضها على أنظار الأجانب في صورة يقشعّر لها بدن كل عربي يتحسّس بالمروءة والكرامة ويعرف مجد العرب صورة يستنكرها غير المسلم قبل أن يستنكرها المسلم ويستنكرها الملحد قبل أن يستنكرها المتديّن. أريد أن أقرأها على ممثلي هذه الأمة وعنوان هذه القصيدة (خبز وحشيش وقمر). هذه الصور التي يصورها ممثل لنا في الخارج هو نزار القباني، لقد رجونا وزير الخارجية شخصيا عندما قابلناه ثم بواسطة الأمين العام وبواسطة عدد من زملائه الوزراء، وقد رجوناه أن يتخذ الإجراءات اللازمة في حق هذا الموظف الذي ثارت عليه جميع الصحف حتى الصحف التي ليس لها اتجاه ديني أو اتجاه مثالي، لقد ثارت عليه كلها فلم تبق صحيفة من الصحف إلا نددت به وطالبت الحكومة بإجراء حاسم في حقه، ولكننا لم نلق جوابا بل سمعنا وهذا على لسان وزير الخارجية أن هذا أمر بسيط يقال أمثاله في هذا الموقف، فما هذه الوزارة؟ هل هي وزارة أم هي دعارة أم هي لا أدري ما أقول من أمثال هذه الكلمات”.

لقطات مختلفة للبيت من داخل وخارج، لكن البيت لم يعد بيته فقد انتقلت ملكيته إلى مالك آخر

لكن المفاجأة كانت حينها، رد فعل السياسيين السوريين، الذين لم يقبلوا محاصرة الإخوان لنزار ورغبتهم بخنق صوته. ولكن في اليوم التالي لجلسة الاستجواب قام بعض النواب بزيارة الرئيس خالد العظم في مكتبه بوزارة الخارجية، أثاروا قضية القصيدة مرة أخرى، مطالبين بإحالة نزار على اللجنة التأديبية للوزارة، فاستمهلهم الرئيس العظم قليلا حتى يقرأ ملف نزار الوظيفي الذي حمله إليه الأمين العام لوزارة الخارجية. وعندما انتهى الرئيس العظم من قراءة الملف قال لهم “يا حضرات النواب الأعزاء أحب أن أصارحكم أن وزارة الخارجية السورية فيها نزاران: نزار قباني الموظف ونزار قباني الشاعر. أما نزار قباني الموظف فملفه أمامي وهو ملف جيّد ويثبت أنه من خيرة موظفي هذه الوزارة، أما نزار قباني الشاعر، فقد خلقه الله شاعرا، وأنا كوزير للخارجية لا سلطة لي عليه ولا على شعره، فإذا كنتم تقولون إنه هجاكم بقصيدة، فيمكنكم أن تهجوه بقصيدة مضادة. وكفى الله المؤمنين شرّ القتال”.

بهت المتطرفون حينها وصمتوا، لكن نزار كان قد رسم خطا من النار بينه وبين مدينته دمشق منذ تلك اللحظة.

شاعر دمشق شاعر المرأة

كان يعرف أنه إن تسامح ولو قليلا مع خط في التفكير كان سائدا في المدن العربية الكبرى آنذاك، يدعو لشد الأمور إلى الوراء، في الوقت الذي كانت معركة التحديث تخاض على جميع الجبهات، فإنه سوف لن يتوقف عن التسامح والخسارة. لكن هذا كان ضد مشروعه الشعري، فقصيدة نزار لم تكن مجرد نص يتصدى للظلم، ظلم المرأة وظلم الرجل معا، بل قصيدة تواجه تخلّف حال القصيدة في الوقت ذاته.

ولو كان لنا أن نتخيل نزار قباني وهو يعيش حياته كلها في بيته ذاك في دمشق، متوافقا مع كل ما فيها من سلطات، دينية واجتماعية وسياسية وعسكرية لاحقا، لكانت قصيدته أشبه بقطعة أثاث دمشقية جميلة صامتة. وهو ما لم يرده نزار لا لنفسه ولا لقصيدته.

لكن هل كانت قصيدة نزار الدمشقية، وهو عنوان لكل قصائده التي تغنى فيها بدمشق، هل كانت قصيدة حنين عادية، تشبه حنين المسافرين والمنفيين عن بلدانهم؟

لم تكن كذلك بالطبع، كانت قصيدة احتفال دائم بالمدينة، قصيدة فرح عن بعد بكل التفاصيل والياسمين والمآذن والبرتقال والخوخ والدراق.

وأكاد أراها قصائد حب صوفية في عشق دمشق، فكما يرضى الصوفي بالعشق الإلهي دون الرؤية والوصل، رضي نزار بهوى دمشق دون أن يختار الإقامة فيها. ورضي أن تكون المعشوقة خلف الحدود، بينما العاشق في بيروت أو القاهرة أو لندن أو جنيف أو سواها.

الجدار الفيزيائي الذي صنعه نزار مع دمشق كان جدارا من زجاج أزرق يشبه زجاجه الذي ينفخ في باب شرقي. جدار يمكن لنزار أن يرى منه مدينته متى شاء وبالصورة التي يرغب فيها، بينما يعلو كعبه في العالم كشاعر لا مثيل له، تجاوز كل الحدود والتوقعات ودخل كل بيت وعرفه الصغار والكبار وغنى له المطربون والمطربات.

لم تكن دمشق غصة لدى نزار. ولا ألما، كانت تلك التي قال عنها “يا من بحسنكِ أوجعتِ الأزاميلاً”. كانت منحوتة لا تنتهي من نحته أزاميل نزار. ولم يكن بحاجة إليها لينشئ قصيدته.

كان يقول “هل تعرفون معنى أن يسكن الإنسان في قارورة عطر، بيتنا كان تلك القارورة. لا أحاول رشوتكم بتشبيه بليغ، ولكن ثقوا أنني بهذا التشبيه لا أظلم قارورة العطر وإنما أظلم دارنا، والذين سكنوا دمشق وتغلغلوا في حاراتها وزواريبها الضيقة يعرفون كيف تفتح لهم الجنة ذراعيها من حيث لا ينتظرون”.

من هنا يفارق نزار أولئك الشعراء الذين انتزعوا من أرضهم وعاشوا في المنافي ممزقين يعانون من الاجتثاث القسري. لتنهض تجاربهم الشعرية بعد ذاك على هذه المتلازمة. لقد كان منفى نزار طوعيا اختياريا واعيا وفريدا في الآن ذاته، كونه لا يتضمن شحنة العاطفة الحزينة المرافقة لأدب المنفيين، حتى حين يقول “وددتُ لو زرعوني فيكِ مئذنة/ أو علقوني على الأبواب قنديلا”.

هنا ولد الشاعر، وهنا نشأ وكتب قصائده الأولى

البيت ـ الأبجدية

كانت دمشق هي المرأة التي غنى لها نزار، في الواقع، وكان تحريرها من كل قيد هو حلم نزار ومشروعه المنطوي في شعره. كان يرى كل امرأة دمشق، ولذلك لم يتألم حين أرغم على الحياة خارج دمشق بعد أن جرى تخييره ما بين الرضوخ للاستبداد أو البقاء في الخارج. بل واصل الغناء لدمشق، وهو يراها هي التي تحنّ وترنو إليه “مآذنُ الشّـامِ تبكـي إذ تعانقـني/ وللمـآذنِ كالأشجارِ أرواحُ”.

وفي أعظم تجليات عشقه للمدينة المرأة يقول “نحن أسرى وفي قفص الحبّ/ يعاني السجّانُ والمسجونُ”.

أو حين يكون أكثر وضوحا في تلبيسه دمشق لجميع النساء “فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهـرِ الهدبـا/ فيا دمشـقُ لماذا نبـدأ العتبـا؟/ أنتِ النساءُ جميعاً/ ما من امـرأةٍ أحببتُ بعدكِ إلا خلتُها كـذبا”.

غادر نزار ذلك البيت، تركه للواقع ليبقى يراه صورة في خياله، بل إنه أخذه معه في ترحاله. كان أقوى من مادته الحجرية. البيت الذي يقول عنه “هذا البيت الدمشقي الجميل استحوذ على كل مشاعري وأفقدني شهية الخروج إلى الزقاق، كما يفعل الصبيان في كل الحارات”. مضيفا أن “هذا المنزل كان السبب في نشوء الحس (البيتوتي) لدي الذي رافقني في كل مراحل حياتي”.

“هـذي البساتـينُ كانت بينَ أمتعتي/ لما ارتحلـتُ عـن الفيحـاءِ مغتربا/فلا قميصَ من القمصـانِ ألبسـهُ/ إلا وجـدتُ على خيطانـهِ عنبا”.

من يزور بيت طفولة نزار اليوم، سيجد خارطة من الإشارات والرموز تختصر الحالة السورية كما يختصرها نزار في شخصيته وصورته.

“جسدي تشكل هنا، لغتي تشكلت هنا، أبجديتي هنا، كل راء أو فاء أو هاء كتبتها على الورق تشبه استدارة الهلال الشامي”.

“رغم كل شقاوتي، فإن دمشق لم تضربني على أصابعي، ولم تضع الفلقة في رجلي، ولم تحبسني في بيت الفئران”.

“حملت دمشق على كتفي أربعين عاما”. حمل نزار معه الناس أيضا، بسطاءهم لا نخبهم، فهو لم يكن يؤمن أصلا بالنخب، يقول “من هي النخبة؟ هي عبارة عن نادي المنتفعين من الثقافة، هؤلاء أنا أسقطتهم من زمن بعيد من حساباتي، وأفضل أن أتوجه بشعري لأي بائع متجول ولا أتوجه به لأي مثقف كبير”.

حارات دمشق القديمة حيث رائحة نزار وآثار خطواته، طيفه الذي عاد إلى المدينة وبقي فيها هذه المرة إلى الأبد، ولكن بعد أن انطفأ جسده.

لم يعد نزار يكترث بذلك البيت الذي ترتفع فيه صورة حسن نصرالله الآن إلى حوار صور حافظ الأسد وبشار الأسد، حيث القطة والنارنجة والياسمين، فقد تمكن نزار بعبقرية قصيدته من تحويل كل بيوت قرائه العرب إلى بيوت دمشقية مثل ذلك البيت، وسكنها بعد ذاك كما يطيب له.

ولمرة جديدة يصبح بيت نزار في دمشق تلخيصا لسوريا كلها. وبدلا من أن يتحول إلى متحف لنزار تتملكه وتشرف عليه الدولة، صار مجرد ملكية هزيلة تتباهى بتعليق صورة الشخصية الشهيرة التي ولدت وعاشت فيه.. نزار قباني.

وحين اختيرت دمشق عاصمة للثقافة العربية طالبتُ شخصيا وفي مناسبات عديدة من بينها على الهواء مباشرة خلال حوار تلفزيوني طويل أجريته مع الأمين العام لاحتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية الدكتورة حنان قصاب حسن التي كانت تعمل بإشراف مباشر من أسماء الأخرس زوجة رئيس النظام بشار الأسد بإقامة نصب لنزار قباني وسط دمشق. تمثال كبير يأتي العشاق في عيد الحب ويرمون الياسمين عند قدميه. كان الجواب دوما إن سوريا ليست مهيأة بعد لهكذا أمر في هذا التوقيت.

ولم يأت ذلك التوقيت لأن سوريا كلها ذهبت في المهب العاصف، لكن نزار قباني بقي هو ذاته، الذي حاربه الإخوان المسلمون في حياته، قبل أن ينضم إليهم المستبدون في بلاده وغير دولة في العالم الدولة، ليحاربه بعد موته الإيرانيون الذي غزوا بيوت دمشق القديمة واحتلوا بيوتها، لكن نزار حيٌ لا يموت ولا يكترث بهذا كله، سرّهُ أنه ما يزال يغني لدمشق “يا ابنة العم والهوى أمويٌ/ كيف أُخفي الهوى وكيف أبينُ؟”.

ـــــــــــ

شكر خاص لوائل القباني الذي قام بتصوير البيت ولمالكيه الجدد من آل نظام الذين سهلوا له المهمة


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا