خارج‭ ‬الجنة‭ ‬الفرنكفونية

يعتقد بعض نقاد الأدب العرب أن ندرة وجود ترجمات لشعر نزار قباني في الفرنسية أمر غريب، بل ويبدو غير مفهوم، خصوصا في ثقافة استقبلت شعر شعراء عرب دونه بكثير، واحتفت بهم مرارا، وأصدرت لبعضهم ترجمات عدة، فهو، بذلك، أشبه بشاعر طريد من الجنة الفرنكوفونية.

الجديد  أبو بكر العيادي [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(70)]

لعل السبب في ذلك يكمن في الصراع الفكري من حول الشعر ومفاهيمه الذي عرفته الثقافة العربية خلال القرن العشرين، وسيادة تيارات حداثية معينة استندت في مرجعياتها إلى الترجمة شبه الحرفية عن الفرنسية للمصطلحات والأفكار، وقد خالفتها تجربة نزار، بانتماء إلى فكرة الحداثة لم يقطع مع تقاليد الشعر العربي والمفاهيم المشتقة من التجربة الجمالية العربية، هو ما منح تجربته التحدثية فرادتها، ومكنها من أن تنتشر وتستحوذ على الذائقة الشعرية وتتحول إلى الظاهرة الشعرية الأبرز في القرن العشرين.

رغم حضوره المدوي في الساحة العربية، لم يحظ نزار قباني باهتمام كبير في اللغة الفرنسية، إذ لم نعثر له إلا على بعض القصائد المتفرقة منشورة في مدونة "فندق الشعراء"، قام بترجمتها المغربيان مصطفى القصري وعبد العزيز بن داود، والإيراني محمد رضا زكيري كقصيدة: "أَقرأُ جَسدَكِ وأَتَثقَّف" التي يقول فيها:

يومَ توقّف الحوارُ بين نهديكِ المغتسلينِ بالماءْ../وبين القبائل المتقاتلة على الماءْ.../بدأتْ عصورُ الانحطاط../أعلنتِ الغيومُ الإضرابَ عن المطرْ/لمدة خمسمئة سنهْ../وأعلنتِ العصافيرُ الإضرابَ عن الطيرانْ/وامتنعتِ السنابل عن إنجاب الأولادْ/وصار شكلُ القمر كشكل زجاجة النفطْ..

وقصيدة "أنا مع الإرهاب" التي طالعها:

متهمون نحن بالإرهاب/إن نحن دافعنا بكل جرأة/عن شعر بلقيس .../وعن شفاه ميسون .../وعن هند ... وعن دعد .../وعن لبنى ... وعن رباب .../عن مطر الكحل الذي/ينزل كالوحي من الأهداب!/لن تجدوا في حوزتي/قصيدة سرية .../أو لغة سرية .../أو كتبا سرية أسجنها في داخل الأبواب/وليس عندي أبدا قصيدة واحدة/تسير في الشارع وهي ترتدي الحجاب

وقصيدة "بلقيس" التي رثى فيها زوجته بلقيس الراوي، وكانت لقيت حتفها في حادث تفجير السفارة العراقية ببيروت عام 1981:

شُكراً لكم ../شُكراً لكم . ./فحبيبتي قُتِلَت .. وصار بوُسْعِكُم/أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدة/ وقصيدتي اغْتِيلتْ ../وهل من أُمَّـةٍ في الأرضِ ../-إلا نحنُ - تغتالُ القصيدة ؟/بلقيسُ .../كانتْ أجملَ المَلِكَاتِ في تاريخ بابِلْ/بلقيسُ ../كانت أطولَ النَخْلاتِ في أرض العراقْ/كانتْ إذا تمشي ../ترافقُها طواويسٌ ../وتتبعُها أيائِلْ /بلقيسُ .. يا وَجَعِي ../ويا وَجَعَ القصيدةِ حين تلمَسُهَا الأناملْ/هل يا تُرى ../من بعد شَعْرِكِ سوفَ ترتفعُ السنابلْ ؟

ومقاطع من قصيدته الشهيرة "خبز وحشيش وقمر" التي أثارت ضده رجال الدين في سورية فطالبوا بطرده من السلك الدبلوماسي، ومن "هوامش على دفتر النكسة " التي أثارت عاصفة شديدة في العالم العربي، وأحدثت جدلاً كبيراً بين المثقفين؛ إلى جانب القصائد التي رسخت شهرته لدى عامة الناس، بعد أن تداول على أدائها كبار المطربين والمطربات، مثل "كلمات" التي غنتها ماجدة الرومي:

يُسمعني.. حـينَ يراقصُني كلماتٍ ليست كالكلمات

يأخذني من تحـتِ ذراعي يزرعني في إحدى الغيمات

والمطـرُ الأسـودُ في عيني يتساقـطُ زخاتٍ.. زخات

يحملـني معـهُ.. يحملـني لمسـاءٍ ورديِ الشُـرفـات

وأنا.. كالطفلـةِ في يـدهِ كالريشةِ تحملها النسمـات

و"قصيد الحزن" الذي أدّاه كاظم الساهر، و"قارئة الفنجان" التي كانت آخر ما غنى العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ.

أما الدواوين فلم نصادف سوى ترجمة قامت بها فاطمة الزهراء عتمان، سفيرة مصر في بروكسل سابقا لـ"هكذا أكتب تاريخ النساء"، ذلك الديوان الذي يستهله نزار بالقصيد التالي:

اقرئيني

اقرئيني... كلّما فتّشتِ في الصحراء عن قطرة ماءْ

اقرئيني... كلّما سدّوا على العشّاق أبوابَ الرجاءْ

أنا لا أكتبُ حُزْنَ امرأةٍ واحدةٍ

إنني أكتُبُ تاريخَ النساءْ.

إلى جانب كتيب آخر من 84 صفحة من الحجم المتوسط بعنوان "قصائد مغنّاة ونجاحات أخرى"، جمع فيه المترجمان المغربيان مصطفى وعبد الكريم القصري قصائد نزار التي لحنها وغناها بعض الفنانين العرب، مثل "رسالة من تحت الماء" التي لحنها محمد الموجي وغناها عبد الحليم حافظ، و"رسالة من سيدة حاقدة" التي غنتها فايزة أحمد في لحن لمحمد سلطان، و"اغضب كما تشاء" التي لحنها حلمي بكر للمغربية بهيجة إدريس، ولكنها اشتهرت بشكل أوسع بصوت أصالة نصري، و"لا تسألوني ما اسمه حبيبي" التي وضع موسيقاها الأخوان رحباني وغنتها فيروز ، و"أصبح عندي الآن بندقية"، الأغنية الوطنية التي صاغ ألحانها محمد عبد الوهاب وغنتها كوكب الشرق أم كلثوم كتتويج لمسيرة حافلة.

وكتاب ثالث صدر عام 2015 جمعت فيه المترجمة السويسرية كلود كرول، كما يدل عليه عنوانه "حياتي مع الشعر" حديث نزار عن تجربته مشفوعا بـ "هوامش على دفتر النكسة".

والحق أن هذا قليل، لا يفي بحال بقيمة شاعر "ملأ الدنيا وشغل الناس"، وتناوب النقاد والدارسون على تحليل خصائص شعره، وتنافس طلاب الأدب على إبراز مظاهر التجديد عنده، عند هذا الشاعر الذي اتخذ من تحرير جسد المرأة استعارة لتحرير جسد الرجل العربي وذهنه وتفكيره، ولعل نزوعه إلى خطاب مباشر، يبلغ مبلغ التحريض أحيانا، يفقد القصائد عند الترجمة شعريتها، فلا يبقى منها غير إيقاع خليلي، ونبرة يستحليها مستمع الأغاني والقارئ العادي.


كاتب من تونس مقيم في باريس

مقالات أخرى للكاتب:

  • ماذا يتبقى من مايو 68؟
  • فرنسا ووهم الحصن المنيع
  • تاريخ الآخر كوسيلة للهيمنة الغربية
  • البحث عن الحقيقة في زمن الـ\'فيك نيوز\'
  • العرب في الثقافة الفرنسية
  • ماذا يتبقى من ثورة أكتوبر
  • علة العالم الجديدة
  • شجرة الزّقّوم
  • جذور الإرهاب في الشرق الأوسط
  • ماكرون ومعلّمه ريكور
  • المرأة هوس المخيال العربي الإسلامي
  • ثالثية ماكرون وما بعد السياسة
  • نظريات المؤامرة والجهل الإرادي
  • أهي‭ ‬نهاية‭ ‬اليمين‭ ‬واليسار
  • سبل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الارتداد
  • الشعب والشعبوية
  • انتصار العنصرية في بلد حقوق الإنسان
  • أمراض‭ ‬اليسار
  • سلافوي جيجك وتناقضاته العجيبة
  • الدّينُ‭ ‬هُويةً‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬العلمانية
  • بوب‭ ‬ديلان‭ ‬الكذبة‭ ‬الكبرى
  • نهاية المثقفين الفرنسيين
  • هل‭ ‬تشهد‭ ‬فرنسا‭ ‬انتصار‭ ‬الرجعية
  • كيف‭ ‬تنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الشبيبة‭ ‬المهاجرة
  • نهاية‭ ‬الدين‭ ‬أم‭ ‬عودة‭ ‬الديني
  • العلمانية‭ ‬والاستشراق‭ ‬ومركّب‭ ‬النقص
  • نهاري الأول في المدرسة
  • فرنسا نحو حرب أهلية أم حرب تطهير
  • ثورة‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية
  • الهويات‭ ‬المنغلقة
  • التطرف‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية
  • ماركس والتوتاليتارية الشيوعية
  • التفكير‭ ‬النهضوي‭ ‬العربي بين‭ ‬الأمل‭ ‬والوهم
  • علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وتهمة‭ ‬ثقافة‭ ‬الأعذار
  • طاحونة‭ ‬الشيء‭ ‬المعتاد
  • هموم‭ ‬الفرد‭ ‬وهموم‭ ‬الأوطان
  • أسلمة الراديكالية
  • مراد وهبة والتعميم المخل بالحقيقة
  • دعوة إلى عقد اجتماعي للوفاق مع الإسلام
  • رهان‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬تأليف‭ ‬أم‭ ‬تفرقة
  • نيتشه المناهض للمنظومة
  • الطوباوية‭ ‬والجريمة‬‬
  • ميشيل‭ ‬فوكو ‬وعلاقته‭ ‬بالليبرالية‭ ‬الجديدة‭ ‬واليسار
  • العرب وانتكاس الوعي النقدي
  • الشعب والدولة والتباساتهما
  • النخبة‭ ‬والنخبوية