المختصر: مقاربة جديدة لأعمال بورديو

الجديد  كمال البستاني [نُشر في 01/05/2018، العدد: 40، ص(154)]

غالبا ما يوصف بيير بورديو (1930-2002) بكونه أهم عالم اجتماع في النصف الثاني من القرن العشرين، ورغم ذلك تظل أعماله غير مفهومة تماما، ولا سيما في فرنسا، حيث لا تزال محل جدل أيديولوجي لا ينتهي. ولإيفاء تلك الأعمال حق قدرها، وضع الباحث مارك جولي صاحب كتاب “الثورة السوسيولوجية” كتابا جديدا عنوانه “بورديو” بيّن فيه كيف امتلك بورديو منذ ستينات القرن الماضي وسائل إعادة تأسيس نظري للتقاليد السوسيولوجية الأوروبية مع الحرص على تمكين علماء الاجتماع من “إيثوس″ علمي مناسب. ثم قام بتأويل قوة الإطار المفهومي لدى بورديو (هابيتوس، حقل، رأسمال) على ضوء الخصائص التاريخية والإبستيمولوجية لعلم الاجتماع، وفرضها كعلم اجتماعي أو علم العلوم، وحاضنة أنسنة جديدة. ثم تناول بالدرس المناهضة النظرية والسياسية التي ما انفك يثيرها مسعى بورديو العلمي. ويعدّ هذا الكتاب، الذي يستند فيه صاحبه إلى مصادر غير مسبوقة، مدخلا طريفا للنظرية السوسيولوجية لدى بورديو، وتحليلا عميقا للعلوم الاجتماعية في فرنسا منذ الثمانينات.

الأمة كأساس للتعصب

لقد قامت الدول الحديثة حول مفهوم دولة/ أمة ذات سيادة قومية. وتستمدّ فكرة الأمة جذورها من المصالح السياسية، وإن كانت تضمّ إليها أيضا دائرة المعتقدات والانفعالات. فالناس الذين ينتمون إلى أمة يزعمون أن لهم روابط جمع سياسي له امتيازاته، ولكنهم يتصوّرون أنهم يلتقون حول قيم وتطلعات مشتركة. ومن ثمّ كان ابتكار الأمة وتطوّرها لا ينفصلان عن القومية، كأيديولوجيا منذورة لإقرار شرعي وتمجيد لمجموعة سياسية. فما هي طبيعة تمثُّلات الأمة والأوهام التي تغذيها؟ هل لها ركيزة هوّامية مشتركة؟ كيف السبيل إلى تفسير التعصب الذي غذت حدّته في الماضي، والمآسي التي ولّدتها في القرن العشرين ولا تزال تؤثر فيها في إطار الإثنيات القومية المعاصرة؟ في كتاب “أمم وقوميات” يستفيد عالم الاجتماع السويسري بيير دو سيناركلانس من التحليل النفسي لدراسة البنى القومية منذ نهاية القرن الثامن عشر، وتجديد فهم التعصب الهووي ذي الأصول القومية الذي أثار ولا يزال يثير عدة مآس في التاريخ المعاصر.

مايو 68 بين المأمول والمحصول

يحتفل الفرنسيون في هذا الشهر بمرور نصف قرن على أحداث مايو 1968، التي زعزعت فرنسا وأقعدتها لبضعة أشهر. وقد صدرت بالمناسبة عدة كتب من بينها “1968، أماس كبار وأصباح صغار”، للوديفين بانتينيي، المؤرخة والأستاذة المحاضرة بجامعة روان النورماندية. استنادا إلى أرشيف واسع في فرنسا كلها، استطاعت المؤلفة أن تعيد إلى الأذهان طاقة الصراعات والنقاشات والانفعالات والآمال التي حملها ثوار مايو 68، عمالا وطلبة ومناضلين وأطباء وفنانين وفلاحين من الجنسين، أولئك الذين شاركوا في الحركة، وأن تصوّر كذلك موقف الطرف المقابل من الشرطة والسلطة وكل من عارض تلك الحركة الاحتجاجية. وفضل هذا الكتاب أنه لا ينظر إلى المسألة من زاوية واحدة، بل من عدّة زوايا، في محاولة للإلمام بجميع أطراف ما وصف وقتها بـ”الأحداث”، وفهم دوافع كل طرف التي لا تكاد تلتقي في صيغة واحدة؛ “رغبة التغيير” أو “القطع مع التقاليد السائدة”، رسمية كانت أو اجتماعية.

سبل مقاومة القوميات الرجعية

“الاشتراكية وعلم الاجتماع″ عنوان كتاب جديد للفيلسوف برونو كارسنتي وعالم الاجتماع سيريل لوميو، وكلاهما مدير أبحاث في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، وعضو بمعهد مارسيل موس. في هذا الكتاب يطرح الباحثان سبل التصدي لعودة القوميات الرجعية في أوروبا، التي تزامن صعودها مع فشل الأحزاب التقليدية، يمينا ويسارا، واهتزاز الاشتراكية اهتزازا لم يسبق له مثيل منذ ظهورها. فبعد أن كانت الاشتراكية مهدا للتقدميين، صارت قبلة نقد لا يزال يلهث حول نقاط تمفصله. يضمّ الكتاب ثلاث دراسات تحاول فهم جذور ثنائية هيمنة القومية وأزمة الاشتراكية، كان منطلقها تحديد تعريف لمعنى الاشتراكية في صمودها أمام النظريات السياسية والتيارات الأيديولوجية، ودورها في إذكاء العلوم الاجتماعية والسياسية. ويخلص الباحثان إلى ضرورة وضع تصوّر لمستقبل أوروبا على ضوء قضيتين جوهريتين؛ هما التربية وحماية البيئة.

خصائص القائد الديمقراطي

استقر في البال أن روحانية القائد كانت سببا في أفظع البنيات الأيديولوجية للقرن العشرين، وأن الديمقراطية هي شكل السلطة الذي يجب أن تنحو قدر الإمكان إلى حكم الشعب نفسه بنفسه. بيد أن الديمقراطية لا تنفصل في الواقع عن أنماط تفويض تمثيل، وعن تقمص مؤقت للسلطة بوجه أخص. في كتاب “ما القائد في الديمقراطية؟” يحاول الفيلسوف جان كلود مونود، مدير الأبحاث بالمركز الوطني والأستاذ بدار المعلمين العليا بباريس، تسليط الضوء على الصورة الإشكالية -وربما الضرورية- لقائد في نظام ديمقراطي، وتحديد معنى “كاريزما ديمقراطية”. وبعكس من يعود إلى جعل القائد الديمقراطي أبا أو معلما وعالما، يطرح مونود تصورا لشكل جديد أطلق عليه “الكاريزما التقدمية”، ويرى أنه لا يمكن أن يوجد إلا وسط منظومة ديمقراطية.

نحو ديمقراطية راديكالية

كيف يمكن لليسار أن يعود إلى السلطة؟ ما معنى الشعبوية؟ ما هو مستقبل الديمقراطية الليبرالية؟ كيف يمكن تحديد صراع طبقي جديد؟ من هم المضطهَدون الجدد والمضطهِدون الجدد؟ عن تلك الأسئلة، وعن أسئلة أخرى كثيرة، يجيب اثنان من أهم الوجوه اليسارية، ونعني بهما الفيلسوفة شنطال موف، والزعيم المساعد لحركة بوديموس إنييغو إرّيخون. في هذا الكتاب الحواري، الذي جاء تحت عنوان “بناء شعب: لأجل ديمقراطية راديكالية”، يسترجع المتحاوران تجارب اليسار في أميركا اللاتينية، وفوز سيريزا في اليونان، ودخول بوديموس البرلمان في إسبانيا، مثلما يتناولان صعود التطرف وفرص اليساريين الراديكاليين في أوروبا. وهو في مجمله تحليل جيد لموازين القوى الجديدة في صلب الأنظمة الغربية: توافق في الوسط، وشعبية في اليمين، وتجدد القائد الكاريزماتي، معركة ثقافية، وعودة الأمم. ويرى النقاد أنه كتاب ضروري لفهم البعد الديمقراطي الجديد في هذا القرن الذي نعيش بداياته.

نقد البضاعة

في كتاب “إثراء” يسترجع عالما الاجتماع الفرنسيان لوك بولتانسكي وأرنو إيكير الحركة التاريخية التي استطاعت، منذ الربع الأخير من القرن العشرين، أن تحوّر بشكل عميق الطيفية التي تنشأ بها الثروات في بلدان أوروبا الغربية، التي شهدت من جهة تفكيك التصنيع، ومن جهة أخرى الاستغلال المتزايد للموارد، التي اتخذت أهمية غير معهودة، رغم كونها غير قابلة للتجدد. وشسوع تحول الرأسمالية لا يتبدى إلا بشرط تقريب مجالات ينظر إليها عادة على كونها منفصلة عن بعضها بعضا مثل الفنون التشكيلية والثقافة وتجارة التحف القديمة وإنشاء المؤسسات والمتاحف، وصناعة الأشياء الفاخرة، وامتلاك العقارات والسياحة. وكان من أثر التفاعل الدائم بين مختلف المجالات فهمُ الكيفية التي تولّد بواسطتها الربح: كلها تلتقي عند استثمار الماضي. وقد أطلق المؤلفان على هذا النوع من الاقتصاد “اقتصاد الإثراء”، لأنه لا يعتمد على إنتاج أشياء جديدة، بل على استثمار أشياء موجودة، وعلى الاستفادة من تجارة الأشياء الموجهة أساسا إلى الأثرياء. ومن ثَمّ، تتخذ الدراسة التاريخية بعدا ثانيا: وهو أن أهمية تلك الأشياء التي صارت تقوم على التبادل تفتح على نقد جديد للبضاعة، التي باتت تتغير بتغير المالك.

الوجه الآخر للعولمة

لا تتلخص العولمة في نجاح بعض الشركات المتعددة الجنسيات ولا في ثروة قلة من الأغنياء، ذلك أن أكثر الناس التزاما بالعولمة يلزمون الصمت، وأن طرق التبادل المعروفة تغيرت منذ نحو ثلاثين عاما، وصارت اليوم تصل الصين، ورشة العالم، بسوق الفقراء التي تعدّ أربعة مليارات من المستهلكين في الجزائر ونيجيريا وساحل العاج وسواها. ولكي نبصر “طريق الحرير” الجديد، حسبنا أن نبتعد عن النظرة الغربية المركزية ونحوّل النظر إلى فضاءات توصف بالهامشية، ولكنها تُبتكر فيها ممارسات شمولية تهز عالم الاقتصاد، فنكشف عولمة أخرى، ينظر إليها من تحت، أي ممن ينهضون بها. كل ذلك ونقاط هامة أخرى تثيرها أريمل شوبلان، الأستاذة المحاضرة في الجغرافيا بجامعة باريس الشرقية مع أوليفيي بلييه عالم الجغرافيا في كتاب جديد بعنون “عولمة الفقراء”.

الفاشية المعاصرة

في كتاب حواري بعنوان “الأوجه الجديدة للفاشية”، يطرح الفيلسوف الإيطالي إنزو ترافيرسو تحليلا مقارنا بين الفاشية في القرن العشرين وأوجهها الجديدة في مطلع القرن الواحد والعشرين، ويبين كيف أن الفاشية تحولت إلى أيديولوجيا متحركة تستولي على المعاناة الاجتماعية أمام العنف الشديد للعولمة النيوليبرالية، وتتوخى أسلوبا شعبويا يوجه إصبع الاتهام إلى أعداء بالذات. ويذكر ترافيرسو بأن الفاشية ولدت في الحاضنة الكولونيالية، وأن الإسلاموفوبيا صارت اليوم تهيكل القوميات الأوروبية. وفي نظر ترافيرسو أن التهديد ما بعد الفاشي هو إجابة رجعية في عالم خائب تعوزه الطوباويات، ويتغذى بوعود سرابية بعودة ماض مؤسطر. ومن ثم يقترح الفيلسوف الإيطالي المفاتيح الضرورية لكشف حيل المتلاعبين بالتاريخ وتجنب مخاطرهم.

القارة الفتية تغزو القارة العجوز

“الزحف على أوروبا: أفريقيا الفتية في طريقها نحو القارة العجوز″ عنوان كتاب جديد للصحافي والكاتب والجامعي الأميركي ستيفن سميث، الذي عمل سنين طويلة مراسلا سياسيا لجريدتي لوموند وليبراسيون الفرنسيتين، ثم عضوا في مجموعة الأزمات الدولية، ومحللا لدى الأمم المتحدة، ومدرّسا في جامعة ديوك الأميركية. في هذا الكتاب يقارن سميث بين أوروبا التي تعد نصف مليار نسمة يميل بهم العمر إلى الشيخوخة وأفريقيا التي تعد مليارا ونصفا، خمسان منهم دون سن الخامسة عشرة، ويرى أن 450 مليونا من الأوروبيين في سنة 2050 سيجدون أنفسهم في مواجهة مليارين ونصف من الأفارقة، وأن النهضة الأفريقية ستسمح للكثير من الأفارقة بالهجرة إلى أوروبا ليشكلوا في غضون الثلاثين سنة القادمة ما بين 150 مليونا و200 مليون مهاجر سوف يستقرون في أوروبا. هذا الضغط سوف يخضع أوروبا لاختبار غير مسبوق، ليخلق تمزقا بين النخبة الكوسموبوليتية والشعبويين القائلين بأصول النشأة. والمشكلة في رأيه أن فتح الحدود سيقود إلى الإفلاس، وإغلاقها بأي وسيلة سوف يناقض القيم الأوروبية، وينصح بالموازنة بين المصلحة والاعتبارات الإنسانية.

مديح الحاضر

يعتبر جاك رانسيير، الأستاذ المحاضر في الفلسفة بجامعة نانتير، أحد الفلاسفة الذين يحرصون على مقاربة الواقع بكل مكوناته، فله إسهامات في السياسة والفن والأدب. بعد “مكتبة القرن الواحد والعشرين” و”رحلات قصيرة إلى بلدان الشعب” و”مقالات أزمنة التوافق”، صدر له كتاب حواري عنوانه “في أي زمن نعيش؟” يردّ فيه على أسئلة إريك هازان. في عصر يكثر فيه الحديث عن الشعب والديمقراطية والتمثيلية النيابية والثورة الجمالية أو السياسية وانتفاضات الأمس واحتلالات اليوم، يرى رانسيير أننا يمكن أن نتحدث أيضا عن الزمن الذي يكون فيه للحديث عن تلك المواضيع معنى. زمن لم يعطه التاريخ أيّ وعد ولا ترك له الماضي أي درس، عدا لحظات نمددها أبعد ما نقدر عليه. ويعتقد أنه لا يوجد في السياسة إلا الحاضر، ففي كل لحظة تتجدد روابط الرق التمييزي أو تبتكر طرق الانعتاق.

انحراف أنصار مايو 68

“كيف وصلنا إلى هذا الحد من التحلل بعد نصف قرن، وكيف انحدرنا من شمس 68 إلى غروب الحزب الاشتراكي؟” يتساءل المؤرخ بنجامان ستورا. عن هذا التساؤل ولد هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وعنوانه “68، وما بعد”، فستورا لا ينكر انتماءه إلى تيار ما بعد 68، بعد أن انخرط في اليسار التروتسكي المتطرف، ثم التحق بالحزب الاشتراكي. في هذا الكتاب يستعيد تقاطع ذلك التاريخ بسيرته، والالتزام الثوري الذي عاشه مثل التحرر فور قدومه من الجزائر، ثم دخوله إلى الحزب الاشتراكي عام 1986، ونية خوض نفس المعارك السياسية، ولكن مأساة عائلية أجبرته على الابتعاد عن النضال السياسي. ويعترف هنا بكل ما لم يقدر على رؤيته في حينه، كأخطاء بعض رفاقه أو انحرافهم، مع التركيز على بعض تلك الوجوه أمثال ليونيل جوسبان، وجان كريستوف كامباديليس، وجان لوك ميلانشون. وبعيدا عن الذكريات والطرائف، يحلل ستورا الأسباب التي جعلت الحزب الاشتراكي يمتص تطلعات 68 في تغيير الحياة، قبل أن يخنقها، لينتهي هو نفسُه نهاية من فقد أنفاسه.


كاتب‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬ليدز‭-‬بريطانيا