الحكواتيون الجدد

اكتسب فن “الكوميكس″، أو فن الرسوم المصورة ملامح عصر ما بعد الحداثة إن كان من خلال اعتماده على نصوص وحوارات تتميز بالسهولة والاقتضاب، أو لناحية إقراره بسلطة البصريات المتمثلة بوفرة الرسوم، أو الصور الفوتوغرافية المرافقة للنصوص وقدرتها في أحيان كثيرة على إضفاء أبعاد شائكة لمعنى النص. إضافة إلى ذلك بات من الجليّ أن فن رسم الكوميكس استطاع أن يتخلص تماما من اعتباره منتميا إلى عالم الرسوم التوضيحية التي ترافق النصوص المكتوبة بدلا من أن تتقدم عليها. هذا أيضا إذا لم نذكر أن فن الشريط المصور صنع لذاته مع مرور الحقبات ثقافة خاصة دخلت مجال الأيقنة الشعبوية التي تترافق مع صدور منتجات تجارية ذات صلة كالدمى التي تمثل أبطال الكوميكس أو ملابسهم أو حتى كلماتهم “المأثورة”.

الجديد  ميموزا العراوي [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(8)]

تصميم: أشرف سالم
إن كان فن الكوميكس الأجنبي قد لعب حتى اليوم دورا مهما في التاريخ الغربي وفي العالم العربي عندما وصل إليه مُترجما إلى اللغة العربية، فالكوميكس العربي الأصل والمنشأ يلعب وسيلعب دورا خطيرا في مواجهة تيار العولمة التي لم يعد أحد غافلا عن أهدافها الحقيقية.

خطورة هذا الدور لا تعود فقط إلى أن فن الكوميكس العربي يقدم مادة جديدة لصيقة بالمجتمعات العربية من الناحية السياسية، والفكرية والاقتصادية، والبيئية والاجتماعية فحسب، فقد قدمت، في هذا المضمار، ولا تزال الروايات الأدبية والدراسات الأكاديمية نتاجا أغزر وأعمق مما قدمه ويقدمه حتى الآن فن الكوميكس وهو نتاج أشاح النقاب عن العديد من الحقائق والتصورات المستقبلية لعالم يقف في مواجهة مع الآخر تحت قناع كلمتين “حوار ومحبة”، بل تعود خطورة دور الكوميكس العربي بوصفه فنا بإمكانه وبسهولة وسرعة كبيرتين أن يطال كل الفئات العمرية بكل المستويات الفكرية والثقافية والعلمية. بذلك هو قادر على أن يغير نظرة العربي إلى ذاته، لا سيما تلك النظرة السلبية أو الدونية التي يلقيها الآخر عليه. والأهم من ذلك أنه فن استطاع أن يصل إلى غير المهتمين بالمطالعة على أنواعها وإلى من يفتقر إلى الوقت الكافي ليخصصه لها. لا يجدي نفعا ألا نقرّ بأنه مقارنة مع الشعوب الأخرى، الشعوب العربية لا تكترث كثيرا اليوم ولم تكترث بالماضي القريب بالقراءة لأكثر من سبب لسنا في صدد تناولها هنا. ولكن باختصار شديد يمكن القول إن اجتياح الثورة الرقمية والمعلوماتية عالمنا بكل صورها ومعادلاتها وعبر وسائطها الإلكترونية المتكاثرة جاء في زمن نرزح فيه بأغلبيتنا الساحقة تحت انشغالات معيشية وأمنية جمّة جعلت من الاضطلاح والقراءة والمقارنة ما بين النصوص ومراجعة مصادرها والتحقق من مصداقيتها ترفا أكثر مما هو حاجة.

في صلب هذا الجو العام أصبحت المجلة المصوّرة أو الكتاب المصوّر مهما بلغت تعقيداته الشكلية والمضمونية أكثر جاذبية وأسهل إلى التناول وأسرع إلى الأخذ بالقارئ حتى آخر صفحة منه. ولعل تجربة الفنانة اللبنانية مايا زنكول في كتابها الذي حقق نجاحا ساحقا في بيروت سنة 2009 وحمل عنوان “أملغام” هو دليل ساطع على قدرة الكوميكس على استقطاب الاهتمام الجماهيري. صرحت زنكول في إحدى مقابلاتها ما يترجم ما أوردنا ذكره آنفا. قالت “الناس باتت تقرأ أقل، ومن ثم هناك تفضيل للصورة مع جمل قصيرة، بحيث يصبح الكتاب أكثر جاذبية. لا شك في أن كثيرين يفضلون جملا مكتنزة وسريعة على قراءة 3 صفحات مثلا”.

غواية السرد السينمائي

الآلاف من الكلمات كُتبت عن المُلقب بالفن التاسع، أي فن الكوميكس وبدايته التي انطلقت من الولايات المتحدة ومن ثم أوروبا فاليابان. وقد قاربه الكثيرون مع فن السينما لأنه يتبنى جوانب كثيرة من منطقها السردي والبصري على السواء. فكلاهما يعتمد على الكتابة الدرامية أو ما يُسمّى بالسيناريو وكلاهما يعلّق أهمية كبرى على الإضاءة وكيفية تلاحق الصور بما تمثل من تنقل منطقي ما بين المشاهد الواسعة والضيقة من خلال زوايا مُختلفة، واستخدام لاحق لتقنية التوليف لتقويم التسلسل الزمني للحوادث الجارية، والتركيز على ملامح وتعابير الشخصيات الظاهرة والمُكوّنة لخصوصية العمل؛ أي أدائه وجماليته على السواء. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استطاعت شركة “ديزني” بعد اندماجها مع شركة “مارفل” أن تحقق تحويل الآلاف من القصص المرسومة التي تعتمد خاصية التسلسل الزمني في هيئتها العامة، إلى أروع الأفلام التلفزيونية والسينمائية على السواء.

بعيدا عن أجواء أفلام ديزني نذكر تجربة مهمة جدا في هذا المجال متمثلة برواية شهيرة للروائي الأفغاني خالد حسيني تصدرت قائمة الكتب الأكثر مبيعا في العالم وترجمت إلى أكثر من 22 لغة ومن ضمنها اللغة العربية. عنوان هذه الرواية “عداء الطائرة الورقية”. فقد التقط صناع فن الكوميكس وهجها ومنطق “القصص المرسومة” التي تزخر به فسارعوا إلى تحويلها إلى كتاب كوميكس لم يقل نجاحه ولا أرقام توزيعه عن الرواية الأصلية. نذكر أيضا في هذا السياق “مغامرات تان تان” الشهيرة التي حولت من قصص مصورة إلى فيلم سينمائي يعج بالمؤثرات البصرية الآثرة.

تصميم: إدجار أحو

أما مؤخرا، وكامتداد لغواية السرد السينمائي الذي يتمتع به فن الكوميكس قامت شركة “غوغل” بابتكار”ستوري بورد” وهو تطبيق سهل الاستعمال مبنيّ على استخراج الصور عشوائيا من أفلام الفيديو التي يصورها المرء ومن ثم تحويلها إلى قصص مصورة. فبعد أن يعمد المستخدم لهذا التطبيق إلى تحميل الفيديو، يقوم تطبيق “ستوري بورد” بسحب إطارات “صور” منه ويرتبها بطريقة القصص المصورة الشيّقة. كما يتيح التطبيق إمكانية تحديث النتيجة للحصول على تركيبة مختلفة وصور جديدة مسحوبة من الفيديو. يدعم التطبيق 1.6 ترليون تركيبة مختلفة، كما يوفر إمكانية حفظ “القصص المصورة” أو مشاركتها على شبكات التواصل الاجتماعي.

بدايات عربية

لا يمكن التكلم عن فن الكوميكس في بلد من البلاد العربية من دون الإشادة أولا بجهود المترجمين الذين أخذوا على عاتقهم نقل مؤلفات هذا الفن إلى اللغة العربية من مجلات مصوّرة ومُجلدات عرفت رواجا هائلا منذ فترة السبعينات حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي. ومنها مؤلفات “سوبرمان”، و”لولو الصغيرة”، و”الرجل الوطواط” وغيرها، وهي مؤلفات مُخصصة مبدئيا لصغار السن، وخاصة المراهقين منهم.

في هذا السياق يجب ذكر أن مصر هي أول دولة عربية أطلقت بداية من الخمسينات من القرن الماضي فن القصّة المصورة وذلك بفضل فنانين مصريين كانوا في بدايتهم الفنية رسامي كاريكاتير. نذكر منهم الفنان أحمد إبراهيم حجازي في الشريط المصور “تنابلة السلطان” والفنان المصري أيضا، حسين أمين بيكار الذي أبدع فنيا في مجلة “سندباد” الصادرة عن دار المعارف الشهيرة لصاحبها الأديب محمد سعيد العريان. يُذكر أن محرك البحث “غوغل”، احتفل خلال سنة 2017 بمرور 104 أعوام على ذكرى ميلاد الفنان حسين أمين بيكار.

كما لا يمكن إغفال ذكر الفنان المصري محي الدين اللباد الذي عمل مع عدد من رواد الكوميكس على مجلة “سندباد”، وهو الذي ابتكر شخصية “الأستاذ زغلول” المُحببة وأول من نشر الكوميكس من خلال دار الفتى العربي، المجلة الرائدة في نشر العلوم التربوية والأدبية للأطفال في العالم العربي، والتي أسسها الدكتور نبيل شعث أحد الرواد الفلسطينيين البارزين في العام 1971 في بيروت كما ساهم في تأسيسها نخبة من الشخصيات الفلسطينية.

عبر مجلة “السندباد “الأسبوعية تعرّف القارئ-المشاهد على شخصيات عربية ومصرية حقيقية ومُتخايلة ولكن كلها مُعبّرة عن البيئة العربية من ناحية، ومن ناحية أخرى ناطقة بأقاصيص السندباد العربي الذي “لا يخاف الموج أبدا، حين يعلو ويضطرب”. وقد ساهمت هذه المجلة في إنجاح المسلسل التلفزيوني الكرتوني “السندباد البحري” الذي أنتج لاحقا وقدّم في لبنان مُدبلجا إلى اللغة العربية فنقل الكبير والصغير على السواء إلى عالم المغامرات حيث الشرير غير مُلتبس يحمل جريمته على ملامح وجهه وتصرفاته، ويخسر معاركه دائما أمام الخير.

تصميم: لينا مرهج

صدرت مجلة “سندباد” قبل مجلة “سمير” المصرية بسنتين. ما من فتى أو فتاة لبنانية من جيل الحرب اللبنانية لا يذكر “مجلة سمير” لأنها كانت واحة أسبوعية مُنعشة في ظل التقاتل والانكفاء القصري في المنازل، على الأقل لغير الراشدين والمحظوظين بعدم الانتماء لأيّ طرف مُسلح آنذاك.

يُشار إلى أن مجلة “سمير” قدمت نفسها ومنذ البداية على أنها “للأعمار من 8 حتى 88″. ترأست تحريرها ناديا نشأت حفيدة مؤسس دار الهلال منذ تأسيسها حتى رحيلها إلى لبنان في 1966 لتليها نائبتها نُتيلة إبراهيم راشد حتى 2002. اشتهرت هذه المجلة بأنها قدمت بعض سلاسل الكوميكس لأول مرة باللغة العربية مثل “تان تان”، كما تميزت بنشر قصص مصورة ومحلية الإنتاج مثل “باسل الكشاف الشجاع″.

على الرغم من شهرة مجلة سمير يمكن اعتبار مجلة “سندباد” الفتيل الذي أشعل الإبداع اللبناني وأدار لاحقا دفة تأليف وانتشار فن الشريط المصوّر في لبنان والمنطقة العربية على السواء. نذكر هنا كبداية لهذا الإنتاج اللبناني مجلة “بساط الريح” اللبنانية التي يمكن اعتبارها أول مجلة أصدرت لتنتشر وتلاقي رواجا عربيا كبيرا. وقد ساهم في شهرتها أنها صورت في أعدادها بطولات لفدائيين وانتصاراتهم على العدو الإسرائيلي. تُعتبر هذه المجلة أنها الأولى في مجال الكوميكس وإن سبقتها زمنيا على الساحة، مجلة “الزرزور” التي لعب بطلها جندي لبناني، ومجلة “الفرسان” التي تحدثت عن قرويين واجهوا الحكم العثماني، ومجلة “دنيا الأحداث” ذات التوجه التربوي الواضح. وفي زمن لاحق اشتهرت مجلة “علاء الدين” سنة 1993 التي صدرت عن مؤسسة الأهرام المصرية.

غير أن مصر عرفت ما يسبق كل تلك التجارب التي خاضتها مجلة كوميكس مخصصة للأطفال بعنوان “الأولاد” حملت أجواء وتطلعات مختلفة لأن من أصدرها باللغة العربية سنة 1923 هو الاحتلال الإنكليزي من أجل الدعاية وترسيخ مفاهيم الاحتلال في عقول الطلاب المصريين. قيل عن هذه المجلة إنها “على الرغم من الرسالة الاستعمارية التي كانت تحملها، إلا أنها كانت عاملا جذابا في تعرّف المصريين على مثل هذا النوع من الفنون”. من الموثق تاريخيا أن مصر كانت رائدة في صناعة نشر الكوميكس لسنوات عديدة لكن لبنان حل مكانها في الستينات من القرن الفائت ولا يزال كأكبر مركز لإنتاج فن الكوميكس.

للصغار والكبار فقط

بعد أن كانت أغلبية القصص العربية المصورة، الأصلية والمترجمة على السواء موجهة فقط للأحداث في السن، خسرت خاصيتها الهشّة تلك في السبعينات من القرن الفائت أمام الشغف الدفين الذي يشترك فيه الصغار والكبار في الاستماع إلى القصص ومشاهدة صور مواكبة ومُكملة لها. ثم تحول هذا الشغف الطفولي في منشأه الأول إلى حاجة ملحة للتنفيس عن ضغط اجتماعي فسياسي واقتصادي لم يطل قبل أن يصطدم بالرقابة ويُتهم بنشر فكر الثورة بوصفها فسادا وإرساء لمنطق الأسئلة بوصفه انحلالا أخلاقيا وإلحادا على أسوأ تقدير.

تميزت هذه الحقبة بتخطي فن الكوميكس حدود الهزل والترفيه فقط ليتحول إلى نواح أخرى سياسية واجتماعية وثقافية. وقد يكون الإصدار المصري في أواخر الستينات والذي حمل اسم “بهجتوس″ من أهم الأمثال على هذا التحول. فقد عكف هذا الإصدار على انتقاد السلطة والأوضاع السياسية ما أدى إلى مصادرة المجلة وتوقفها عن الصدور.

هكذا، لم يعد فن القصة المصورة متوجها فقط إلى الأطفال والمراهقين حتى أنه انهمك في أحيان كثيرة في تمرير رسائل ذات بعد سياسي واجتماعي من خلف وجوه وأسماء وتصرفات طفولية مشغولة ضمنيا بأكثر أو عكس ما تظهر.

ومع مرور السنوات صدرت مؤلفات كثيرة في العالم العربي تميزت بنضج لافت أرست من خلاله قواعد متينة لفن استطاع أن يتخطى الحدود العمرية والفكرية والتقليدية وباتت له أهداف جديدة. نذكر من تلك الإصدارات، وباختصار شديد، مجلة “توك توك” وهي أول مجلة قصص مصرية مصورة للكبار. اسمها مستوحى من وسيلة المواصلات الشعبية الشهيرة في مصر. صدر عددها الأول قبل أيام من ثورة 25 يناير. وأسهمت هذه المجلة في تشجيع إنتاج المزيد من مجلات الكوميكس المشغولة بالشؤون الداخلية للبلد. وخلال سنة 2004 ظهرت شركة مصرية باسم “أ ك كوميكس″ لتصدر عددا من القصص المصورة الموجهة للمراهقين. حملت هذه المجموعة عنوان “أبطال العرب الجبابرة” وهي مستوحاة من شخصيات الكوميكس الأميركي الخارقة.

السمندل.. تجربة لبنانية متقدمة

للمغرب تجربة مهمة في هذا المجال من خلال مجلة “سكف سكف”. وهي أول مجلة قصص مصورة في المغرب. يعود اسم المجلة إلى وجبة طعام مشهورة في أحياء شعبية بالدار البيضاء. يقول أحد مؤسسي المجلة، محمد رحمو، إن المجلة “كناية ساخرة عن مدينة نحبها رغم قذارتها”.

أما مجلة “خرابيش” الأردنية فهي مشهورة على المستوى العربي عبر نشر فصول من الكوميكس القصيرة على صفحات موقع فيسبوك. أردنيا تُذكر أيضا مجلة “عمَّان رايح جاي“، وهي موجهة للكبار وللأطفال على السواء.

من فلسطين نذكر مجلة “زان الآن” وهي مجلة يقول مؤلفها عامر الشوملي عن شخصياتها إنها “حقيقية، والشخصية التي تتكرر غالبا تكون أنا، يمكن اعتبارها مذكرات مرسومة”. صدرت هذه المجلة تحت الشعار الذي تتشارك فيه معظم مجلات وكتب الكوميكس العربية المعاصرة وهو أن “الفن للجميع وليس للنخبة، نريد له أن ينزل من القاعات إلى الشارع، ليصبح كالفلافل متاحا للجميع″. استقت المجلة مواضيعها من وحي الواقع ومشاكله. أما مجلة “برم” فظهرت في غزة الفلسطينية سنة 2014 وهي أول مجلة مستقاة من اللهجة الشعبية الفلسطينية بمعنى “الثرثرة”. عرفت المجلة عن نفسها بأنها “مجلة خفيفة تتناول كلام الشارع، والمجتمع الفلسطيني في غزة، بكل تناقضاته”.

عقب موجة صدور مجلات الكوميكس الورقية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي جاء دور الروايات المصورة. ففي عام 2007 صدرت الرواية المصورة “مترو” للفنان والكاتب مجدي الشافعي التي أثارت ضجة كبرى، إذ رأى فيها البعض جرأة ونقدا لاذعا للمجتمع والسياسة والنظام القائم آنذاك. جوبهت هذه الرواية التي اعتبرها النقاد “الرواية المؤسِّسة لأحد أهم فنون التعبير التي تنتمي إلى ما يُسمى بالغرافيك نوفل” بقرارات بالسجن والغرامة ومصادرة النسخ.

بعد بروز رواية “مترو” والنجاح الذي حققته نشرت دار “العين” سنة 2011 كتابا حمل عنوان “تحت السيطرة” تضمن عددا من القصص المصورة لرسامين ومؤلفين مختلفين. وفق أحد النقاد تميز هذا الكتاب بتنوع قصصه “ما بين المغامرة والفانتازيا.. واتسم بالجرأة وبخفة دم مصرية حارقة، وتمكّن صناعه من أدوات فن الكوميكس إلى حد كبير”.

الشعرية المعاصرة

“نولد مرة واحدة فقط، لن تكون لنا حياة ثانية يمكننا فيها الاستفادة من خبرات حياتنا السابقة. نغادر الطفولة ونحن لا نعلم ماذا يعني أن نكون شبابا. نتزوّج دون أن ندري ماذا يترتب على ذلك. حتى عندما نبلغ كبر السن، لا نعرف ماهية ما وصلنا إليه: الكبار في السنّ هم أيضا أطفال أبرياء. أبرياء من الشيخوخة التي لم يختبروها سابقا. بهذا المعنى حياة الإنسان هي كوكب لانعدام الخبرة”. قد يكون هذا من أبلغ ما قاله الكاتب التشيكي ميلان كانديرا في وصفه لوجود الإنسان. نحب أن نعطي لكلماته تلك بعدا عربيا معاصرا بقولنا هذا “نولد على ضفاف مستنقع راكد يغشاه الضباب اسمه ‘المنطقة العربية’. نخرج من سباتنا القصري في وسط حروب وأزمات كاسرة لسنا مقتنعين بأنها كانت ضرورية أو أنها ستطول وبهذه الدموية. نحن أيضا أبرياء. أبرياء من سن الرشد. أبرياء من موتنا الذي لم تسبقه حياة كليّة”. هذا باختصار شديد ما نوّد تسميته “بالشعرية المعاصرة” التي لعب فيها أدوارا مهمة اللبنانيون والسوريون، والفلسطينيون، والمصريون والأردنيون على السواء من خلال فنّ الكوميكس العربي المعاصر.

هناك وجود لتجارب فنية مهمة في البلاد العربية، لسنا أبدا في سياق إنكارها بل في مهمة حصر الكتابة عن التجربتين اللبنانية والسورية اللتين تجاورتا في أكثر من ناحية إلا من ناحية زمن انطلاقهما. زمن لم تتحدد ولادته إلا مع بداية الغثيان الذي سببّه طول البقاء على ضفاف المستنقع المذكور آنفا.

صحيح أن الكوميكس انطلق عربيا من مصر ولكنه ولد بصيغته “الدرامية”، إذا جاز التوصيف، من لبنان مع بداية الحرب اللبنانية التي لا يمكن الجزم بأنها انتهت فعلا، وانطلق من سوريا بعيد انفجار الأزمة التي تحولت إلى حرب دامية، لا بل أكثر دموية من الحرب اللبنانية.

بين "سمير" في ستينات مصر و"زان" في حاضر فلسطين تاريخ من التطور

يقول جورج خوري، المعروف بـ”جاد” وهو ناقد وفنان لبناني رائد في مجال الكوميكس “الحرب لعبت دورا مصيريا في تشكيل هويتي الفنية وقد اخترت الكوميكس كأداة للتعبير”.

“جاد” هو مؤلف وناشر “كرنفال جاد” عام 1980، أول كوميكس محلّي للراشدين. من اطّلع عليه، سيجد أن وطأة الحرب اللبنانية كانت جليّة في هذا “الكرنفال” الشخصي جدا. الكوميكس الذي وضعه هو عن إمارة تحكمها أميرة، ينقلب فيها كرنفال إلى مناسبة دموية. يراقب البطل، الذي حمل ملامح “جاد”، فصول القتل والجحيم. ثم ما يلبث أن يُتهم بذنوب لم يقترفها، ليجد نفسه في النهاية متقوقعا أمام البحر. صحيح أن الكتاب ناطق باللغة الفرنسية ولكن ذلك لا يجعل منه كتاب كوميكس غير عربي.

في المقابل هناك كتاب كوميكس “عربي المستقبل” كتبه السوري العربي رياض سطّوف باللغة الفرنسية وتُرجم بحسب الصحافي راتب شعبو “إلى عشرين لغة إلا اللغة العربية”، ويا للمفارقة.

يُذكر أن الكتاب مثير للجدل صدر منه جزآن حتى الآن. كتب عنه ناقد صحافي مرموق سنة 2015 “قصته الساخرة تروي بذكاء.. ما يستنتجه القارئ الأوروبي من القصة أن داعش ظهر في سوريا وبقي وتمدد لأن السوريين ‘داعشيون’، ولا شيء آخر. تلك هي الخلاصة، وتلك هي النقطة التي يداعبها سطوف في أذهان الأوروبيين”. كلام خطير لا شك في ذلك، ولكن ثمة ما يرى في سطوف نتاجا لذكريات شخصية أليمة استقى فصولها من سنين طفولته الباكرة في ليبيا أثناء حكم القذافي وفي سوريا خلال حكم حافظ الأسد.

في العودة إلى تجربة جاد خوري في فن الكوميكس اللبناني غير المكتوب حصريا وبالضرورة باللغة العربية. يُذكر أنه أسس “محترف جاد” الذي وفد إليه مهتمون بهذا الفن “شبه الجديد”. وأصدر سنة 1989 انطلاقا من هذا المحترف، كوميكس “من بيروت” ظهرت فيه 6 قصص شخصية مصوّرة لستة فنانين. تدور حوادث القصة وملابساتها حول الحرب اللبنانية.

أثناء ذلك الزمن غير البعيد، وخاصة بعد الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982 لم تنخفض نسبة الاهتمام بالكوميكس المخصص للفتيان بعيدا عن كوابيس الراشدين المُتحققة بل ازدهر ليشكل ملاذا افتراضيا للصغار كما للكبار من الحرب العبثية.

إلى جوار تلك الضفة المظلمة التي شهدت ولادة الكوميكس اللبناني الموجّه للراشدين، ولدت الصفحة الفيسبوكية “كوميكس لأجل سوريا” بُعيد بداية الحرب بعد أن كان فن الكوميكس تحت ضغط النظام السوري متقشفا وضحلا ويفتقر إلى الكثير من الأدوات التي تجعل منه فنا قائما بذاته.

ضمت هذه الصفحة مجموعة من الكتاب والفنانين السوريين المناصرين للثورة. ازداد إبداعهم وعددهم يوما بعد يوم، وتابع أعمالهم عدد متزايد من المهتمين من كل العالم. عملوا بأسماء وهمية لأسباب أمنية معروفة، ونشروا كاريكاتيرا وكوميكسا وتعليقات ابتكروها هم، وابتكرها فنانون آخرون من العالم، لكن صبت جميعها في أهدافهم الأربعة الأساسية ألا وهي “الإعلام والتوعية والنقد والتخفيف من وطأة الألم على ضحايا الحرب السورية”. اشتهرت أعمالهم بداية بالكوميكس المقتضب والبليغ الذي أضهر مراسلة قناة الدنيا، ميشلين عازر، بشكل شيطاني وهي تسأل طفلة ترقد إلى جانب أمها الشهيدة إثر عدوان قوات الأسد على داريا، “مين عمل هيك بأمك حبيبتي؟”.

يجدر في هذا السياق ذكر مجلة “تين بعل” السورية التي مازالت مستمرة في أعدادها حتى اليوم وهي تشبه قصص “المانغا” اليابانية وتتوجه نحو جمهور المراهقين في سوريا. أحد أهم أهدافها المساعدة في إخراج هذه الشريحة من الشعب من الواقع السوداوي للحرب عبر خيال القصص وجمالياتها، وتشجيعها على الاستمرار في الحياة والحلم. قدمها القيمون عليها بهذه الكلمات “يمكن لشجرة التين أن تعيش في أقسى الظروف، تستطيع أن تتحمل الجفاف والإهمال، وتمتد جذورها عميقا في التراب لتبحث عن الماء، تعيش لسنين طويلة وتنمو عاليا جدا. وفي سوريا، تنمو أشجار التين في كل مكان، وتنجو، وتستمر في العطاء، حتى في أصعب الأوقات”.

من ضمن هذا التوجه ذكر جاد خوري اللبناني الذي انهمك منذ ثمانينات القرن الماضي هو وزملاؤه في رسم الشرائط المرسومة تحت ضوء الشموع في ظل انقطاع الكهرباء المتكرر وطويل الأمد، قال “تغير الحرب عادات البشر وطريقة نظرتهم إلى الحياة”. عكف هو وإياهم على رسم ملامح مدينة عرفوها حقّ المعرفة، لذا جاء كوميكس “من بيروت” صادحا بتلك الحقائق التي اختبروها كغيرهم من أبناء جيلهم ولكن استطاعوا ترجمتها أدبيا وبصريا.

لوحة: فؤاد مزهر

المفارقة تكمن في أن بيروت بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما على الحرب، هذا إذا ما أقررنا أنها انتهت فعلا، لا تزال تعاني من انقطاع شديد للكهرباء ولا تزال إلى اليوم، لمن عرفها أثناء الحرب، تحافظ على الكثير مما اكتسبته آنذاك: تناقض غرائبي بين السلم والحرب، بين الجوع والترف، بين اللا مبالاة والوسواس، وبين الإحباط واللهو، وبين القلق الضاحك والانكفاء في ظل الحروب التي تعصف بالمنطقة العربية المحيطة بها في حالة انتظار دائم لـ”ماذا سيحدث بعد؟”.

“من بيروت” كوميكس يسرد تفاصيل لا يعرفها إلا من عاش يوميات الحرب اللبنانية كمثل الاختباء ليلا من القذائف والاحتفال في النهار التالي مع الأصحاب. المتابع لأخبار سوريا رأى بمرارة كيف صنع السوريون بدورهم وواحاتهم الخاصة والصالحة لكوميكس كابوسي لا يخلو من الأمل.

انتشر وتطور فن الكوميكس، وكذلك فن الكاريكاتير وطيد الصلة به، من خلال أعمال فنية سورية لفنانين هاجروا قصريا أو طوعيا سوريا عندما اشتد الخناق، أو هم لا يزالون ناشطين في بلدهم، يتنفسون بصعوبة تحت أسماء وهمية ارتدوها لينجوا. نجد في هذا السياق كلام فنان الكاريكاتير السوري علي فرزات عن أحد أهم الأسباب التي دفعت الفنانين السوريين إلى مغادرة بلادهم “الأمر في سوريا هو بمثابة الوقوف تحت دوش متواصل تبرد وتشتد حرارته بشكل فجائي ومتتال”. يُذكر كثيرا هذا الوصف بما سمعناه ولا نزال نسمعه من اللبنانيين عن الوضع اللبناني الذي لا يطاق والذي يتميز على الدوام بـ”هبّة باردة وهبّة سخنة”.

التنفس تحت المياه العكرة

قد يعتقد البعض أنه لم تكن هناك نواة لفن كريكاتوري أو فن “شريط مرسوم” للكبار قبل بداية الحرب السورية بسب سياسة قمع الحريات لكن هذا ليس دقيقا، بل يمكن التأكيد من باب تحويل المأساة إلى قوة، أنه “بفضل” هذا القمع طوّر الفنانون السوريون أدوات تعبيرية تحميهم من عين المراقب فأصبحوا محترفين في استعمال الإشارات والرموز والمقاربات غير البريئة والتوريات لإيصال أفكارهم مما أغنى لاحقا، أي بُعيد اندلاع الحرب السورية، أعمالهم الفنية وأهمها في هذا السياق فن الكاريكاتير وفن الكوميكس.

تذكر اللبنانية لينا غيبة وهي رسامة واختصاصية في شؤون الكوميكس أن سياسة المنع المتبعة في سوريا وصلت “إلى حدّ منع دخول كل مجلات الكوميكس. فاقتصر حضور هذا الفن على الساحة السورية بمجلة ‘أوسامة’ السورية المخصصة للأطفال”.

يذكر أن لينا غيبة هي المديرة المؤسسة “لجامعة معتزّ صواف للكوميكس العربي” التي هي الأولى من نوعها في المنطقة. وقد أصدر اللبناني معتزّ الصواف، وهو فنان كوميكس أيضا وخرّيج الجامعة الأميركية في لبنان كتاب “البحث عن الصديق مستمر” الذي يقع في 70 صفحة كبيرة القطع بالتعاون مع “دار الآداب” و”هزار غرافيكس″ في بيروت.

غلاف الكتاب هو للصواف الذي أوضح أن الكتاب يصدر مرتين في السنة عن “مؤسسة طش فش”، وهو محاولة لتوثيق “الفن الذي عانى من إهمال كبير على مر السنين، رغم أنه من أكثر الفنون تعبيرا عن يوميات الإنسان العربي”. يشير الصواف في كتابه هذا إلى ظهور جيل جديد من رسامي الكاريكاتير والكوميكس العرب متميزين بالجرأة في تصوير الواقع. ويذكر أن الثورات العربية ساهمت في ولادة الكاريكاتير والكوميكس العربي من خلال مساحة الحرية التي أتيحت لهم وخاصة على المنصات الإلكترونية لمواقع التواصل الاجتماعي.

يُشار إلى أن الجزء الأول من تلك الكتب “طش فش.. البحث عن العدو مستمر” ضم أعمالا لرسامين منهم إدجار أحو ومعتز الصواف نفسه، الذي كان أصدر من قبل كتابا كاريكاتيريا بعنوان “شلة عزو”، أورد فيه معظم أعماله القديمة والحديثة التي تصور قصصا من الواقع الاجتماعي والسياسي والأمني عقب الحرب اللبنانية.

بالرغم من التقارب الشديد ما بين منطق الكاريكاتير والكوميكس كان للكاريكاتير العربي حظ أفضل نسبيا من الكوميكس في التملّص من الرقابة، إذ كان مسموحا لرسام الكاريكاتير أن يقدم أعمالا تهكمية شريطة ألاّ يطال فيها “هيبة” الدولة وأسيادها. لذا جاءت أكثر أعمال الكاريكاتير منتقدة للأحوال الشخصية والاجتماعية. عمد بعض رسّامي الكاريكاتير متقدي الذكاء إلى إبداء أرائهم السياسية الرافضة من خلال رسومات ظاهرها عن المجتمع بصفة عامة وداخلها إشارات إلى الأسباب التي أدت إلى وصول “المجتمع″ إلى أسفل الدرك.

نذكر من أهم رسّامي الكاريكاتير الفنان علي فرزات الذي دفع ثمن حرية رأيه وفنه بأن قبض عليه شبيحة النظام السوري. تعرض للضرب المبرح وكسرت أصابعه، سنة 2011، أي أداة تعبيره، بعد أن رسم بشكل مباشر بشار الأسد، وهو فعل ليس بغريب على نظام أسكت في بداية الحرب حنجرة إبراهيم القاشوش “مغني الثورة السورية” بوحشية اقتلاعها.

لوحة: فؤاد مزهر

أجمل الكلمات، في هذا السياق، جاءت ومن ضمن “الشعرية المعاصرة”، إذا جاز التعبر، على لسان رسام الكاريكاتير السوري علي فرزات حين قال “رسوماتي الكاريكاتيرية كانت تحتل قلوب وعقول الأحرار السوريين منذ زمن بعيد.. لذلك لم أفاجأ بالمتظاهرين عندما رفعوا لوحاتي منذ بداية الثورة.. رسوماتي أثّرت فيهم وتأثرت بهم أيضا شفهيا وسلوكيا، فنحن أمام حالة مزيج من التفاعل مع الشارع ومعادلة مركبة فيها طرفا الفن والثورة. الفن قيمة أخلاقية ووطنية وكذلك الثورة وثوّارها”.

كلمات علي فرزات أخذتنا إلى نظرة سريعة نحو التفاعل التأسيسي ما بين الفنون الأخرى وفنّ الكوميكس. فقد واجهت الفنون كالتشكيل والمسرح والسينما نفس التحديات التي أجبرتها على المواربة ووضع الأقنعة. لكن ذلك لم يمنع من تلقي المشاهد أو القارئ السوري مضمون الرسائل الحقيقية الموجهة إليه. كما ساهم القمع في بلورة خصوصية فنية لمعظم الأعمال الفنية، لا سيما التشكيل على اختلاف أنواعه وأساليبه ليظهر لاحقا بنضوج عميق أكد كونه نتيجة لتبلور بطيء تحت رماد الصمت والخوف.

في هذا الإطار نذكر فيلم أسامة محمد “نجوم النهار” سنة 1988 الذي يخبر قصة عائلة عاشت تحت سلطة أخ جبار وظالم. ولا ننس أيضا ذكر الفيلم الوثائقي للمخرج السوري عمر أميرلاي “طوفان في بلاد البعث” الذي مُنع عرضه لمباشرته وإدانته لسياسة البعث في سوريا. وقد استعار عنوان الفيلم، الفنان التشكيلي السوري همام السيد ليضعه محوّرا على إحدى أجمل لوحاته التي عرضها منذ سنتين في بيروت باسم “حب في زمن البعث”.

إذا كان اللبنانيون حتى قبل يوم واحد من استشهاد رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري قد تجنبوا انتقاد بشار الأسد ووالده علنا من خلال الكاريكاتير وفن الكوميكس فما بالك بالذين عاشوا تحت نيرانه المباشرة؟

وللمفارقة، العيش تحت نيران القمع لم ينتج فقط حالة سلبية، فالتفاعل ما بين الفنون التي استطاعت الإنتاج والانتشار بحرية خارج حدود سوريا والفنون التي لم يغادر أصحابها جغرافية الوطن ساهم في تغذية وتأسيس فن كوميكس عميق الدلالات وصدّاح بالحقائق للمرة الأولى تحت ضوء الشمس، وتحت نيران الحرائق على السواء.

التجربة اللبنانية: وصفة للانتقام

لفن الكوميكس اللبناني قصة مع الرقابة والقمع تبدأ بما قاله جاد خوري الفنان والمتخصص اللبناني في فن الكوميكس من كلام ساخر يختصر الحال. قال “أنصح الفنانين، ومن ضمنهم فنانو الكوميكس طبعا، بعدم الاقتراب من مواضيع تتعلق بالسياسة والدين والجنس. وفي نفس الوقت هذه المواضيع هي من أهم المواضيع بالنسبة إلى أيّ فنان”.

نذكر هنا كيف تمّ سحب لوحة تشكيلية للفنان اللبناني محمد سعد تميزت إلى جانب نفحة “كوميكسية” واضحة بالتطرق إلى ثلاثية “السياسة والدين والجنس″ من معرض جماعي لأنها صورت عشاء سريا “مشبوها” ضم كل أفراد الطبقة السياسية في لبنان، حتى أن إحدى المحطات التلفزيونية التي كانت تغطّي الحدث تلقّت تهديدا مبطنا إن تمّ عرض اللوحة أو التكلم عن “ملابسات” السحب.

لا يزال جاد يرسم الكوميكس ويطوّر فنه الخاص ولكنه اختار ألاّ ينشر عمله، قال إن الأمر لا يتعلق بتفادي الرقابة ولكنه ضاق ذرعا بالمواربة والتحايل على أيّ موضوع، إذ يودّ أن يرسم بصراحة ما يراه. الحقيقة أنه وجد طريقة للإفلات من لعنة الرقابة اللبنانية، إذ ينشر رسومه في موقعه الخاص الذي “لا يدخله أحد إلا بموافقتي”، كما يقول.

تجربة المراقبة والمصادرة في لبنان لا تزال تتميز بالفوضوية حتى اليوم. من يملك سلطة وإن كان شخصا واحدا بوسعه أن يمنع هذا أو ذاك العمل. وأحيانا كثيرة يمنع كتاب من الترويج ثم يطرح في الأسواق من جديد، فتنفد نسخه من المكتبات، أو يمنع كتاب في شارع ويُعرض في شارع آخر مثلما حدث مع كتاب الكوميكس “يرسيبولس″ الذي مُنع لإساءته للجمهورية الإيرانية، لكنه ظل حاضرا في مكتبات بيروتية دون أخرى. ربما يعود سبب ذلك بشكل كبير إلى ما قاله يوما د. إلياس مهنا المتخصص في الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، “في لبنان، لا نملك مشاكل هائلة مع الرقابة، لأننا لا نملك دولة هائلة”. أغلب الظن أن هذه الفوضى المستشرية ساهمت في خلق ما اصطلح على تسميته بـ”مزاج لبناني غريب الشكل”.

“سنوات الحرب الأهلية كما سردناها في هذا الكوميكس″ هذا اسم لعمل فني واحد يشبه لوحة تشكيلية تضمن رسومات للفنانين اللبنانيين مازن كرباج، وزينة أبي راشد، وبرّاك ريما، وفاديا مرّوة، وحسن الأمين.

عمل أنتج في ذكرى الحرب اللبنانية وضمّ مذكرات بصرية لفنانين عايشوا الحرب اللبنانية أو استعادوها من خلال كلمات الأهل والأصدقاء.

لعل أبرز ما يتعلق بالتجربة اللبنانية، أن فن الكوميكس الموجّه للبالغين لا يقتصر فقط على كونه وليد فنانين عايشوا الحرب منذ بدايتها من أمثال الفنان جاد خوري وكل من دار في فلك محترفه الريادي. فقد شارك في تطور الكوميكس مجموعة من الفنانين الذين اعتمدوا على ذاكرة الأهل والأصدقاء الأكبر سنا ليقدّموا نصوصا لافتة بعضها تأرجح ما بين الخيال والحقيقة. وهناك أعمال مالت بنجاح نحو الفانتازيا أما بعضها الآخر فجاء مفتقرا للاماعية لافتقارها لصدق التجربة المجّسدة في الأعمال.

يوجد نوع آخر من الكوميكس يمكن تصنيفه بالمُزيّف، أو بضحل الرؤيا بالرغم من تطوره تقنيا. هذا النوع بدأ ينتشر منذ فترة قصيرة، إلى جانب الكوميكس الممتاز، شأنه كشأن بعض الأعمال الفنية التشكيلية المُدعية. ربما سبب وجود هذا النوع الرديء من الكوميكس هو نتيجة تبني الرسام لحالة غير مختبرة لا من بعيد ولا من قريب وتصويرها بشكل يفضح غياب الصدق في المسألة المقدمة بصريا ونصيا على السواء.

يتعاطى هؤلاء الفنانون مع هذه “الحالة المُشتهاة”، التي هي، وللسخرية السوداء، حالة الحرب، وكأنها زيّ على الموضة يمكن لهم ارتداؤه وخلعه متى شاؤوا. ربما يعود تبنيهم لحالة الحرب المكروهة، إلى تجربة أخرى يعيشونها دون أن يفقهوا خطورة حقيقتها وهي الشعور بـ”الفراغ” والرغبة في لفت النظر.

كما نذكر نوعا آخر من الكوميكس ولد بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان تموز 2006. كل من عايش هذه الحرب، إن سألته عنها سيقول لك إنها دامت سنين. ولكنها حسابيا دامت 34 يوما فقط ولا أكثر. لكنها كانت كفيلة لمد جسر متين ما بين الجيل الجديد وجيل الحرب اللبنانية الذي سبقه زمنيا إلى وليمة الموت.

ساهم شهر تموز سيء الذكر في تغذية أعمال فنية لافتة لفنانين في العشرينات من أعمارهم بشكل أساسي الذين راكموا سريعا خبرات في فن الكوميكس وفي فن النجاة من مطبات الحرب ومآسيها.

ولعل أكثر ما يؤثر في تجربة صغار السن نسبيا هو الوعي والشعور بالمسؤولية تجاه ما أطلق عليه “حرب الآخرين على أرضنا”. أغلب الظن أن فناني الكوميكس اللبناني والفنانين التشكيليين أيضا بات لهم تصور أشمل حول ما جرى فعلاً في سنوات الحرب الآفلة، إذ فتحت حرب تموز النافذة نحو ماض غير بعيد، اكتشفوا من خلالها أن “الآخرين” ليسوا الغرباء فقط بل هم ذاتهم أيضا، أي اللبنانيون.

"برم" مجلة شعبية تستلهم اللهجة الشعبية للناس في غزة

لعل أبرز تجربة عربية وناضجة في فن الكوميكس على الإطلاق هي تجربة مجلة “السمندل” اللبنانية المخصصة للبالغين. انطلاقتها جاءت سنة 2006 حينما رسم عمر خوري قصة “طارق الخرافي” ولم يعثر على ساحة لنشرها. من هنا جاءت فكرة تأسيس المجلة الاحتضان “طارق”. تعاون على إصدارها حاتم إمام، وفادي باقي، ولينا مرهج، وطارق نبعة. وجاء العدد التجريبي متضمنا أيضا لكوميكس بالفرنسية والإنكليزية.

تعاملت هذه المجلة مع الحرب ليس من خلال تصوير القتل المباشر بل من خلال التجارب الشخصية للفنانين حول الحرب. نذكر منها قصة “مربة ولبن” للينا مرهج. وقصص لزينة أبي راشد ذات المنحى الشعري. كل القصص جاءت بمثابة احتجاج على الاقتتال الطائفي، والاجتياح الإسرائيلي. وكان شعارها الأساسي مبنيا في البداية على منطق “الابتعاد عن الجنس، وعدم الاصطدام مع الدين والسياسة”، غير أن هذا المنطق أثبت عدم قابليته للحياة طويلا في العالم بشكل عام وفي بيروت بشكل خاص.

كان من الطبيعي أن تنضج التجربة سريعا وينشأ ما بين الأسود والأبيض اللون الرمادي الأكثر واقعية؛ لون يحب الاصطدام بالدين والجنس والسياسة، وهو لون حتما لا ولم تحبّه الرقابة.

حدث أن أوقفت المجلة وصودر العدد التاسع منها الذي يحمل عنوان “وصفة للانتقام اللبناني” ودفعت “السمندل” غرامة مالية باهظة لتعرضها، بحسب رأي الرقابة، إلى أحد الأديان، إضافة إلى عرضها شريطا مصورا غير لبناني فيه إحالات جنسية. سعت المجلة بعد ذلك إلى السير بتأن في حقول الألغام اللبنانية، مثلها كمثل حيوان “السمندل” في تلويناته الدفاعية.

أما عن “وصفة الانتقام اللبنانية” التي أهدتها مجلة “السمندل” إلى القارئ اللبناني، فحدّث دون حرج. إنها انتقام من الذات، من الطائفية، من الذاكرة، من النسيان، من الآخر، من الحرب التي لا تنفك تجد لاستمراريتها أشكالا مقيتة لا حدود معروفة لها.

قد تكون كلمات فنان الكوميكس اللبناني مازن كرباج الأقدر على تسليط الضوء على النظرة التفاؤلية للحياة وعلى الطريقة اللبنانية في تبرير أو تمرير الكوارث وربما أيضا تخطّيها، على الأقل افتراضيا. يقول كرباج “نقول دائما بأن القانون والنظام والحضارة موجودة خارج البلد. لكن عندما نعود إلى حياتنا اليومية/اللبنانية نشعر بأن الأمور على ما يرام في لبنان، وأن كل المشاكل مهما كثرت لها حلول. أما بالنسبة إلى الحرب فنحن لا نقلق جدّيا منها. عندما كنا صغارا تعرفنا على السلم. تعرفنا عليه نظريا. نحن نعيش في بيروت بين حرب وأخرى. على كل الأحول لا أعتقد أن موقع لبنان الجغرافي يسمح لنا بأن نخطط للمستقبل”. كلام فيه جملة من التناقضات! ولكنها تناقضات منطقية، وهي أكثر ما نلمسه في كوميكس مازن كرباج، وعند الكثير من فناني الكوميكس اللبنانيين وإن كل بأسلوبه الخاص.

أصدر مازن كرباج عام 2000 أول كتاب كوميكس له حيث قدم يومياته في “جورنال 1999″ وأصدر بعد ذلك عشرة كتب نذكر منها “لعبة السكرابل”. كما رسم الفنان قصائد مختارة، كضرب من ضروب الكوميكس الشعري. من القصائد، ما كتبه محمد الماغوط ومحمود درويش.

إلى جانب فن الكوميكس، مازن كرباج هو عازف موسيقى ارتجالية مميز ساهم في تطوير هذا الفن في لبنان. نذكر هنا معزوفته “الليلة ذات النجوم” التي صمم غلاف ألبومها بأسلوب الكوميكس الخاص به. يقول مازن إنه “ألّف المقطوعة خلال عدة ليال على شرفة منزله وعلى خلفية صوت الطيران الإسرائيلي والقصف المتواصل في حرب تموز″.

يذكّر كلامه هذا بكلام جاد خوري حينما ذكر كيف كان يجلس مع رفاقه على ضوء الشموع في عزّ الحرب اللبنانية ليرسموا شرائط الكوميكس وكأن تحت شعور ضاغط بالاضطرارية.

لم يكن، بدوره، رسام الكوميكس إدغار أحو بعيدا عن مؤثرات الحرب اللبنانية. وكل من كان له الحظ في التعرف عليه وعلى أعماله المؤثرة أدرك ذلك جيدا. كان إدغار يشبه نسمة ليلية شتائية، وكذلك كانت رسوماته.

ولد إدغار سنة 1963 وتوفي سنة 2003 بعد أن سقط من أعلى شرفة منزله. ساهم في مجلة الكوميكس اللبنانية “شيش بيش”. كتب كلماته الشعرية في شرائطه المصورة فأضاف إليها بعدا نفسيا وزخما نادرا.

بدأ نجم إدغار أحو باللمعان حينما أنتج كتالوجه الخاص واشترك مع جاد خوري في تأسيس “محترف جاد” مع مجموعة من الفنانين، وهم وسام بيضون، ماي غيبة، لينا غيبة، وسوفيك دارغوغاسيان.

تصميم: فؤاد مزهر

قال جاد خوري عن إدغار أحو إنه ”لطالما كان لديه أسلوبه الخاص وإن وفاة شقيقه خلال الحرب اللبنانية تركت في نفسه أثرا لم يمح”.

لا يمكن الكلام عن كل الفنانين اللبنانيين الذين أثروا فن الكوميكس اللبناني ولكل منهم قصته الخاصة، ولكن يمكن ذكر بعض الأسماء كفؤاد مزهر ولينا مرهج ومايا زنكول التي لديها رسم كاريكاتيري طريف قارب فن الكوميكس كثيرا لناحية المضمون والأسلوب. عنوان العمل “ردود فعل لبنانية بعد الانفجار” ظهرت فيه ست شخصيات كاريكاتيرية مختلفة، وهي تعلق بأشكال مختلفة على تفجير من ضمن سلسلة التفجيرات التي حدثت في لبنان.

نذكر أيضا جومانة مدلج في سلسلة كتبها التي تحمل اسم “ملاك”. البطلة “ملاك” فتاة تملك قوى خارقة متعلقة بأرض الأرز. تبدأ أولى الصفحات بسلسلة من الصور الفوتوغرافية المؤلفة من شوارع مدينة بيروت المدمرة في الحرب. تكتشف “ملاك” حقيقة حرب الشوارع وبفضل قواها الخارقة تتمكن من تمييز البشر عن الشياطين والعفاريت الذين يديرون المقاتلين، وتبدأ تواصلها مع “حارس″ استوحته من الميثولوجيا الفينيقيّة وهو الحصان البحري المجنّح.

لم تكن جومانة في مؤلفها هذا معنية بفكرة إظهار المسؤول المباشر عن الحرب اللبنانية. وأغلب الظن أن في ذلك شعرية كبرى تفتح مجال التعبير إلى أقصى حدوده. ليس بالنكران أو عدم المعرفة بل بالأخذ بالتجربة اللبنانية المريرة إلى أقصى حدود الترميز حيث تضيع الحدود بين الأشياء والأشخاص. من خلف ذلك تقف رغبة جليّة في الخروج من متاهة عميقة جدا ضاعت فيها التفاصيل لتبقى حقيقة واحدة لا تحمل اللبس وهي الحرب ببشاعتها. ثم جاء عنصر “السحر” في مؤلفها ليخفف من وطأة الشر ولينشر بصيص الأمل.

نذكر أيضا زينة أبي راشد التي ألّفت كتب كوميكس مشوّقة منها “البيانو الشرقي 2015″. ويبقى مؤلفها الأول “لعبة السنونو” من أكثر الكتب تأثيرا في نفس القارئ. قالت زينة حول فكرة هذا الكوميكس، إنها حيث كانت تعيش، في ما جرى على تسميته بيروت الشرقية خلال الحرب اللبنانية “كان هناك جدار مرتفع صنع من أكياس الرمل لحمايتنا من القناصة. كنت أعتقد أن بيروت تنتهي هناك. وبعد الحرب تمكَّنت من عبور الشارع للمرة الأولى ووجدت على الجانب الآخر جدارا عليه رسومات جدارية للسنونو”، وتضيف قائلة إنها اكتشفت للمرة الأولى “أن في المقلب الآخر من العاصمة ثمة أناس مثلنا تماما ويتكلمون بالعربية… أدركت بعد فترة أن طيور السنونو ترمز إلى الناس في الحرب-دائما في حالة شكّ وتردُّد- ذهابا وإيابا، وانتظارا لأيام أفضل”.

تقول زينة في معرض حديثها عن رغبتها الشديدة في تجميع ذكريات الحرب وتسجيلها في شكل كوميكس “بعد الحرب الأهلية كان الحديث قليلا جدا حول ما حدث. وحتى يومنا هذا، لا تزال الكتب المدرسية اللبنانية تصر على إخفاء هذه الأعوام الخمسة عشر من ماضينا”. يجب الإضافة هنا أنه في كتب المدارس اللبنانية لا وجود لأي أثر ليس فقط لتلك السنوات الخمس عشرة، بل لا وجود لتاريخ لبنان المعاصر لأنه بالتأكيد محطة جدل عنيف وتقاتل بين الأطراف التي صنع معظمها الحرب اللبنانية، قبل أن يكافأوا بما صنعوه بتبوء سدة الحكم.

يستحيل التكلم عن الكوميكس اللبناني من دون ذكر الكتاب الغرائبي والموجّه للبالغين “مدينة مجاورة للأرض” كتجربة خلاّقة ونادرة من إصدار دار قنبز المتخصصة في كتب الفتيان والأطفال. رسام الشريط المصور هو الفنان جورج مهيّا. المدينة المذكورة ليست إلا بيروت وبطل القصة “غير البطل” في مفهوم الكوميكس التقليدي هو “فريد”، فنان فقد الأمل فانزلق إلى العيش الروتيني والممل من زواج، ووظيفة في شركة تأمين.. ألخ. كتاب يكاد يختصر “التجربة اللبنانية” في حالة انتقامها من ذاتها قبل أن تصب نارها على الآخرين.

شبكة خلاقة

الإطلالة على فن الكوميكس أشبه بإطلالة على شبكة تتداخل وتتفاعل في ما بينها مختلف التيارات الفنية. يبقى الكاريكاتير والفن التشكيلي من أهم الروافد التي تغذي فن الكوميكس، وقد تأثرا ببعضهما البعض من خلال أعمال العديد من الفنانين. كثيرون هم الفنانون الذين بدأوا حياتهم الفنية كرسامي كاريكاتير، أو كفنانين تشكيليين ليتحولوا بعد ذلك إلى فناني كوميكس، والعكس بالعكس. حس الفكاهة اللاذع، والقدرة على الاختزال، والرؤية الانتقادية، والبراعة التقنية، والشغف بالتصوير كلها عناصر أساسية لنجاح العمل الكاريكاتيري والشريط المصور على السواء. وكثيرة هي الشرائط المصورة التي انطلقت من عمل تشكيلي أوعمل كاريكاتيري واحد للتحول إلى قصة.

نذكر في هذا السياق مجلة “الدبور” اللبنانية الساخرة التي أسسها يوسف مكرزل سنة 1922 في بيروت وتولى رئاستها جوزيف مكرزل والتي نشرت في صفحاتها بداية الكثير من الرسومات الكريكاتيرية ومن ثم الكثير من الشرائط المصورة اللاذعة والمُنتقدة للجميع. أشار جوزيف مكرزل إلى أن عمه يوسف مكرزل “اعتبر أن لا وجود للديمقراطية في بلد لا يمتلك مجلة ساخرة” وأضاف قائلا “اضطرت المجلة إلى التوقف سنة 1977 وعادت سنة 2000 بالرغم من وجود لبنان تحت نير النظام السوري”.

في المقابل أسس الفنان علي فرزات المولود في حماة سنة 1951 جريدة “الدومري” الساخرة في سوريا بعد غياب للإعلام الخاص منذ نحو أربعين عاما. لكن ما لبثت السلطات أن أغلقتها في السنوات الأولى لحكم بشار الأسد.

لوحة: فارس الرفاعي

لطالما رفد فن الكاريكاتير، فن الكوميكس بفنانين لامعين ورسومات “مُشرقطة”، مما ساهم في تهميش الحدود الفاصلة بين العالمين. ولعل “ثائر حوران” من أهم الأمثلة على التلاقح ما بين فن الكوميكس وفن الكاريكاتير. ويمكن اعتبار العمل الذي حمل عنوان “خلّيها منطقة آمنة” خير مثال على ذلك.

من ناحية أخرى، شكلت الحرب الأهلية اللبنانية التيمة الأساسية في تجربة الفنان التشكيلي اللبناني المعاصر جان مارك نحاس. معظم ما رسمه حتى الآن هو صدى لذلك التشظي الذي اختبره. قال الفنان “كلما أنجزت عملا له علاقة بالحرب، اكتشفت أني أتحدث عن نفسي”. من أكثر أعماله مثالا على ذلك الجدارية التي أنجزها سنة 2005 والتي وزع فيها المئات من الكادرات الصغيرة الشبيهة جدا بتلك التي تُعتمد في فن الكوميكس، وتسرد قصة العيش في مدينة بيروت المخيفة والمحببة في ذات الوقت.

ولفن الملصقات صلة أيضا مع فن الكوميكس والكاريكاتير، لا سيما إذا كان معنيا بتصوير وضع اجتماعي أو سياسي ما من خلال رسم شخوص في أماكن عامة. يمكن لهذا الفن أن يلقي ضوءا جديدا على كيفية انطلاق الشرارة الأولى لأي شريط مصور. نورد على سبيل المثال الملصقين الفنيين الشهيرين للفنان وليد زبيب وهما يعودان إلى سنة 1987 ويسكنان ذاكرة كل لبناني عاصر تناقض وجنون الحرب اللبنانية. ملصقان كانا من الممكن أن يكونا منطلقا للمئات من الشرائط المصورة الممتازة. الملصق الأول هو بعنوان “بيروت ضد بيروت” والملصق الثاني بعنوان “بيروت.. تتمنى لك يوما جميلا”. للأسف، لا أحد يعرف أين وليد زبيب اليوم.

من الجانب السوري يمكن اعتبار سلسلة أعمال الفنان وسيم مرزوقي التي وضعها تحت عنوان “ذي فيرم” (2014) نوعا خاصا جدا من الكوميكس وقد نشرها في الموقع الإلكتروني “كوميكس فور سيريا” الشهير الذي كاد يوازي أهمية مجلة “السمندل” اللبنانية، بالرغم من قصر تجربته في هذا المجال نسبيا.

يرى الفنان وسيم مرزوقي أن سلسلة صوره بمثابة خارطة طريق لمحاولة فهم ما يحدث في سوريا، ويضيف قائلا “إذا بقيت على قيد الحياة بعد عشر سنوات، سأفهم ماذا حدث فعلا.. سأتذكر كل ما حدث، وحينها فقط سأتمكن من إخبار كل شيء دون نسيان أي تفصيل.. الأمر يشبه حين تعثر بعد سنين طويلة على شجرة عتيقة وعليها محفور اسمك واسم حبيبتك. الأمر شبيه بذلك تماماً ولكنها ستكون ذكرى أليمة عن فترة أليمة. عندما ترى لوحة ‘غيرنيكا’ لبيكاسو ستفهم أن ما حدث هناك كان فظيعا. كذلك عندما تنجز مجموعة من لوحات سردية تصبح هذه الأعمال وثائق تاريخية”.

من هذه الناحية بالتحديد لا يختلف كلام الفنان وسيم مرزوقي المؤثر عن كلام زينة أبي راشد، أو جاد خوري أو أيّ فنان كوميكس بارع اعتبر هذا الفن نوعا من التوثيق التاريخي، أو “كبسولة زمنية” تحمي الذاكرة الشخصية من النسيان.

لوحة: محمد شناوي

أنا لست بطلا: التجربة السورية

“بطل” الكوميكس في التجربة السورية المعاصرة هو في غالب الأمر ليس بطلا فرديا، وإن كان بمظهر رجل واحد أو امرأة، بل البطل هو “عموم” التجربة السورية. ولعل هذا أجمل ما يميّزه.

نعيد الذكر في هذا الإطار أن الشرائط المصورة والرسومات الكاريكاتيرية السورية التي نشرت في موقع “كومكس لأجل سوريا” لا تحمل أسماء فردية بل تحمل إمضاء واحدا وهو “كوميكس فور سيريا”.

بطل الكوميكس السوري، بطل من نوع آخر، تبهت أمامه “خزعبلات” سوبرمان والرجل الوطواط. فهو لا يملك قبضة فولاذية ولا شعاعا ذريا ينطلق من عينيه وقت الحاجة بل يملك إنسانيته كقوة تتعارك داخله في مواجهة دائمة مع الواقع السوري. ويملك أيضا صراعه مع الشك، والخيبة. كما يملك أحلامه وقناعاته الخاصة حول صورة وطن أفضل.

أصدق تعبير عن ذلك هو كتاب الكوميكس الذي حمل عنوان ”مشفى الحرية”، للفنان والكاتب السوري حميد سليمان، الذي استطاع الهروب إلى فرنسا بعد فترة قضاها في السجن سنة 2011 ولمدة أسبوع بسبب مشاركته في تظاهرة سلمية. أهدى الفنان كتابه هذا إلى روح أعز أصدقائه الذين قضوا تحت تعذيب الجهاز الأمني في سوريا. اختار فرنسا كبلد للجوء لأنها بالنسبة إليه بلد القصص المصورة. استوحى الفنان قصته من عدة مستشفيات ميدانية سرية في شقق سكنية، حيث كان الكثير من الأطباء يخاطرون بحياتهم من أجل معالجة جرحى المظاهرات.

قال الفنان إن الكتاب يتحدث عن “تحوّل ثورة شعبية إلى حرب لا تنتهي، أبرز ضحاياها الأطفال.. إنه خيال يختلط مع قصص حقيقية ومع كثير من الحوارات”.

لعل من أجمل ما قدمه الكوميكس السوري المعاصر ليس في تقديمه فقط، من خلال ريشة رساميه، “بطل” الشريط المرسوم، كبطل غير فرديّ بل هو ناطق بلسان حال الشعب، بل كونه فتح نظرة فناني وعشاق الكوميكس الأوروبيين، أو ذكّرهم على الأقل، كيف يكون البطل غير أميركي الصفات فيكون بطلا حقيقيا بإنسانيته وقوته البشرية واختصاره لمعاناة شعب بأكمله. من الأمثلة على ذلك الكوميكس الذي حققه كل من بيناجمين ديكس وليندساي بولوك. كوميكس مبنيّ على قصة واقعية جدا تنتهي باللجوء وتبدأ بالرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر التي قام بها، هرباً من سوريا المشتعلة، ثلاثة شبان سوريين هم خالد ومحمد وحسكو (الفنان التشكيلي). وقد تحول الكوميكس إلى أفلام حركية قصيرة “أنيمايشن” على يد الفنان السوري واللاجئ أيضا في كوبنهاغن، وائل طوبجي.

عبر الأثير

منذ أن بدأت المظاهرات في سوريا ضد النظام أصبحت لمواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب دور إعلامي شديد الأهمية في وجه الإعلام السوري الرسمي وأمام الرأي العام العالمي. وأصبح الإنترنت الموقع الرئيس الذي انطلقت منه الثورة “الأثيرية” كمساندة للثورة على الأرض. وهكذا أصبح لفناني الكوميكس السوري منبر حرّ لإطلاق أعمالهم الفنية الجريئة المحملة بالرسائل وبتفاصيل العنف السائد في البلاد.

علّق الرسام السوري سلام الحسن عن زمن الولادة الفعلية لمكانة الإنترنت في عيون السوريين قائلا “في السابق لم يكن الفنانون في سوريا يستخدمون الإنترنت إلا بالكاد.. أما اليوم فصار جزءا أساسيا من حياتهم اليومية”.

أفضل مثال على ذلك يتلخص بـ”ثائر حوران”. بهتت صورة “رجل العنكبوت” أو”الرجل الوطواط” الذي يستعين بقدراته ما فوق طبيعية لينقذ البشرية أمام “ثائر حوران”، ويبدو ذلك جليا حتى في عيون الصحافة الغربية حينما قدمته بهذه الكلمات “هو الفنان الذي يهرع من شارع إلى شارع، متحديا مراكز التفتيش، والقناصة المرابطين على السطوح. يركض وبين يديه هاتفه حيث حفظ رسوماته الكاريكاتيرية ذات الطابع السردي ليدخل إلى أحد البيوت في درعا حيث توجد فيها خدمة الإنترنت لينشر رسوماته على صفحته الفيسبوكية. صفحة فيسبوكية تحمل الاسم الذي ارتضاه لنفسه ‘ثائر حوران'”.

فنانو الكوميكس في لبنان لديهم علاقة مختلفة مع الإنترنت لا سيما في ظل توفر جوّ من السلام وفسحة من حرية التعبير. فمايا زنكول تنشر أعمالها إلكترونيا مجانا وجمانة مدلج تستغل مساحة الإنترنت لتسويق أعمالها، حيث بدأت بنشر قصصها صفحات متتابعة على موقعها الإلكتروني قبل إصدارها مطبوعة في المكتبات. في حين عمد البعض كجاد خوري إلى خلق حلقة خاصة من الناس بإمكانها أن تطّلع على أعماله.

التوثيق البصري للحرب اللبنانية جاء قبل ثورة الإنترنت وكان خاصة عبر الفيديوهات الإخبارية التي تجرّحت والكثير منها سُرق لأسباب بديهية. وهناك أيضا الصور الصحافية التي تلف منها الكثير عن قصد وغير قصد.

الأمر مختلف تماما مع الحرب السورية. فمن ضمن كل النشرات الإخبارية والصور الفوتوغرافية الموثقة، يحضر الكوميكس السوري المعاصر بزخمه على أنه مرآة للواقع. فن غزير اشتدت غزارته مع مرور سنين الحرب السورية. غزارة “محفوظة” على صفحات الإنترنت، ويمكن لأيّ فرد الوصول إليها بسهولة. لعب ولا يزال الكوميكس دورا شديد الأهمية في الحفاظ على ذاكرة هذه الحرب بتفاصيلها لأنها من نتاج فنانين عايشوا الحرب. لذلك لن يتسنّى للسوريين أن ينسوا ما حدث ويحدث حتى الآن، كما نسي أو تناسى اللبنانيون. وقد أثبتت التجربة اللبنانية خطورة تخدير الذاكرة.

يقول الروائي اللبناني ربيع علم الدين في معرض حديثه عن كتابه المعنون “الحكواتي”، “نشأت على المؤثرات الفنية الغربية، على أفلام بروس لي وفيلم صوت الموسيقى، على مات ديلون.. جيلي قتل الحكواتي”. قد يكون كلام الروائي صحيحا، ولكن يكمن جزء كبير من المواساة في ولادة الحكواتيين الجدد الذين لم يمر على ولادتهم أكثر من ثلاثين عاما. إنهم حكواتيو الشرائط المرسومة.


كاتبة من لبنان