الشرائط العربية المرسومة

في مواجهة ثلاثة متاريس مزدوجة

الجديد  عماد ارنست [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(34)]

تصميم: محمد الشناوي
كان شُح الأحلام يؤثر في أكثر من شُح النقود

جابرييل جارسيا ماركيز

منذ عقد تقريبا، ومن قلب إشارة مرور حمراء ممتدة اللون الواحد وعلى طريق أميركي سريع، هاتفني صديق عزيز مهاجر ليطلب مني أن أجمع له تحديدا، وعلى قدر استطاعتي، إعداد سوبرمان القديمة ذات الغلاف الملون والرسوم الداخلية في الأبيض والأسود لا الملونة حديثة الإصدار من خلال رسومات الحاسب الآلي والتقنيات الجديدة. كان أمرا ثم طلبا مدهشين لي في مشاعرهما الدافئة.

من جهة؛ لكونه أمرا حميميا وتافها Trivial مَعنيا في خليط من الـLow Culture أو الثقافة الأدنى والـPop Arts أو الفنون الشعبوية، واللذين لا أستخدمهما هنا أبدا في المعنى الإزدرائي لأني في بساطة أقدر التافه المهيب ذا الجاذبية الجماهيرية العريضة والاستهلاك اليومي، وخاصة الحميمي واللامع منه، لقدرته على هزيمة الجمود أولا ومسافات التعالي ثانيا في داخلي بين الثقافة الأرقى الـ High Culture والفنون المتسامية الـ Sublime Arts، ابنة الفلسفة والتأمل الرزين، وبين الثنائي السالف ذكرهما. عن قناعة أن المربع التخصصي التصنيفي الفرعي ذا الإغواء البحثي ظاهريا والساكن في نهايته، دائما ما يلوذ في مأزق تناحر زواياه المتسارع والذهني الأخير إلى الشكل الأكمل وهو شكل دائرة المشاعر الإنسانية الدينامي.

ومن جهة أخرى؛ وحيث أن لي اهتماما بالغا، ومنذ تخرجي 1993 بفيلمي مُدُن لا مرئية، في مفهوم الحضرنة الملموس Concrete Urbanismوتأثير فنون وعلوم تخطيط المُدُن City Planning على مشاعرنا كبشر وما ننتجه من خطابات متنوعة، ومنها الفني هنا، لذلك دار هذا الحوار القصير والمكثف، والذي أتذكره جيدا، لبساطته واستثنائيته في آن، وأنقله لكم هنا، في ألفاظ مهذبة تيسيرا للنشر، كمفتاح للبحث في متراس الأحلام لدينا كأبناء للبرجوازية الواسعة في منطقتنا العربية.

أخبرته “لماذا تحديدا تلك؟”

فرد “أنا أعلم صعوبة العثور عليها؛ ولكنك دودة كتب، وفي إمكانك العثور على بعض منها، ولذلك تذكرتك وهاتفتك وأنا في تلك الإشارة اللعينة وأنا أقرأ الصفحة الأخيرة فوق المقود الآن”.

فكررت عليه “لم تجبني لماذا القديمة تلك تحديدا وليس تلك التي في اللهجة الأميركية التي تجيدها الآن؟”.

فأصدقني قولا “هي أجمل في اللغة العربية، وحميمية، ورسوماتها للشخصيات أفضل. وأنا أفضلها عن الحديث الملون في شكل آلي وبلا روح؛ فهي إنسانية أكثر وقريبة مني”.

فقلت على الفور “لك ما شئت”.

جمعت له ما تمكن، وحين زار مصر أهداني هاتفا خلويا فاخرا في حينها، لكنه سُرق مني في ظرف أسبوع لانشغالي في مقهى المرايا المتشظية في وسط المدينة في التأمل في ما تيسر من الأمور التافهة المهيبة. فضحك صديقي وعلق على الأمر “ستظل غبيا كالعادة”.

ما أحلى البشر حين يقدرون بعضهم البعض ويقبلون ضعفاتهم في تواضع؛ فهو سيرسل لي في وقت نشر المكتوب هذا هاتفا خلويا جديدا. ولا أعتقد أني سأحافظ عليه وأحميه من غدر اللصوص طالما ظللت أتأمل في هذه الأفكار اللعينة، مثل اهتمامي هنا في النقاش حول مأزق الشرائط العربية المرسومة، والذي بدأت المغالطات فيه منذ التسمية ذاتها نتيجة تسرع أو التباس أو استسهال في الترجمة سواء للمصطلح الفرنسي Bande Dessinée أو الإنكليزي Comic Stripes حيث يتداول خطأ تحت مسمى القصص المصورة!

المهم؛ فالنرتحل الآن فوق بساط ريح أو سمندل أو توك توك أو مترو، حسب ما تفضلون من وسيلة لوجيستية محلية كانت أو مؤسساتية إقليمية قطاع عام أو مستقلة، لنتعرف على المتراس الأول مزدوج الجانب؛ وهو “القدرة على الحلم“، والتي تولد منها تلك المفردة الآسرة والحاكمة وحاضنة شقاء العاملين في هذا الفن التاسع، كما يحلو تصنيفه؛ وهي مفردة “الشغف”.

عزيزي؛ لقد أدرَكَ الجزء الشمالي، صاحب مجمل تأثيرات الفن التاسع على جزئه الجنوبي، وعبر دارسي التاريخ والفلاسفة وعلماء الأنثروبولوجيا وعلماء الاجتماع وعلم النفس وشبكات صلاتهم معا، دور المؤسسات الانضباطية الخمس في تشكيل وقمع المخيال الفردي والجماعي من قبل “السلطة في مفهومها الواسع″. وهي تتوالى في الترتيب الزمني والتأثير بداية من العائلة، كثيرا، وحتى المدرسة، غالبا، ومرحليا للثكنة، إجباريا، وإلى العمل، حتميا، وربما إلى المستشفى، أحيانا، وفي أعلى حالات المؤسسة العقابية للسجن نادرا!

ولذلك، وعبر كافة المؤسسات المجتمعية، تدخلت الدولة الصحية Healthy State، ومن خلال إصلاحات ترويضية انطلقت ما بعد الحرب العالمية الثانية، لزيادة وتفعيل القدرة على الحلم في المؤسسات الخمس الانضباطية السابقة وحتى العقابية منها. وهو ما لم يحدث في بلدان الجنوب في أغلب فئاتها، نتيجة إما لوعي متمسك في ارتعاش بالدولة الشمولية القديمة، وإما لجهل بأهمية الحلم نفسه على جانبي متراس التقدم لبناء أي دولة تتعامل عضويا مع المواطن على أنه جزء من مفهومها وكيانها المجرد.

رشاقة الرسم والحوار وتوليد الدهشة عناصر أساسية في فن الكوميكس

إن هذا الحلم الدائم، والذي لن ينتهي في ظل كوننا بشرا ضعفاء القدرة ولا نملك سوى نعمة الخيال، هو الانتقال عبر الحكاية البصرية نحو بشر ذوي تجربة مختلفة لكن يشبهوننا في أشياء وأشياء أخرى لا، ونحو مكان يشبه مكاننا في تفاصيله ولكن لا يشبهنا في أخرى، وفي الأخير نحو زمان يشبه وقائع زمننا ولكن لا يشبهه في أخرى.

وحيث أن أكثر التجليات الحالية في الشرائط العربية المرسومة، منحين الآن المانجا جانبا، تنتمي علنا، في خليط من الانصهار في مرحلة تاريخية ثم المقاوم في مرحلة لاحقة ممتدة إلى الآن، سواء لدى منطقتي الولادة العسيرة منذ القرن التاسع عشر وستينات القرن العشرين، ولكن ذات التأثير الأكبر الأساس، وأعني تجارب الشرائط المرسومة في مصر ولبنان، وكذلك ما التحق بهما من تجارب لثماني دول كالسودان والعراق وسوريا وتونس والمغرب والجزائر والأردن وفلسطين في شقيها. وفي تباطؤ خليجي غير مفهوم في القرن الحادي والعشرين، عدا الإمارات بإماراتيها دبي وأبوظبي، خليط جدير بالتأمل في علاقتهما مع حقبة الكولونيالي الاستعماري سواء الفرنسي ـ البلجيكي أو الأنجلو- ساكسوني.

ومن أجل التعرف عبر إدراك حسي وإدراك ذهني على الحلم المستقل الخافت في بداياته، ولكن في صعود قوي ولاهث، ومنه ننتقل نحو ارتباك “الشغف” وأحيانا فقده الحزين والمأساوي، فلنذهب بعيدا عائدين مرة أخرى لنتأمل في الواقعة الصباحية الحميمة والمتكررة لصديقي المحشور داخل عربته المتحركة في بطء شديد للغاية على طريق أميركي سريع مناضلا يوميا من أجل الانتقال من مدينة منزله نحو مدينة عمله.

ما الذي يحمله صديقي بين يديه ويستند على مقود عربته في الضبط ويعد في النسبة له ملاذ؟

إنها رحلة متخيلة ثقافية دُنيا عبر ثقافة شعبوية هربا من مأزق مُدرَك حسيا لتكراره، ومدرك ذهنيا لكونها رحلة ملموسة نتيجة ثقافة أرقى عبر فن/علم راق وهو فن/علم التخطيط الحضراني لدولة عظمى في أكثر التجليات قوة وانضباطية. مع ملاحظة أن لا سيطرة لصديقي عليها، وليست لديه أي حلول من خلال انفلاتات هروبية مثل ما قد يتجلى من فوضى لدى دول الجنوب في أغلبها وأصبح مادة ثرية للشرائط المرسومة في مصر تحديدا.

ما الذي جعل هذا الملاذ يمتلك داخله إمكانية تلقي الحلم والتماهي معه في المقام الأول. والذي جعلني أختم حواري معه في انصياع إنساني فوري لمأزقه؛ “لك ما شئت”؟

ما هو شكل Form هذا الملاذ، الذي يعشقه صديقي، ومحتواه Content، والذي قد نفتقده في أغلب الشرائط المرسومة العربية، ووصل إلى حد بيع أول مجلة مصورة لسوبرمان بـ3.2 مليون دولار منذ اربعة اعوام؟

أولا؛ أنه فعليا لا يكذب، لا في فئته المستهدفة، ولا في قدرته على مخاطبة هذه الفئات. فإذا قال من عمر 7 إلى عمر 77 فهو يعنيها عن حق، وينفذها في الأساس عبر الجذب الحركي الدينامي متنوع التشكيل والرصد الحجومي، ما يجذب الفئات كافة. فالالتفات للحركة أصيل في مجمل عمر الإنسان منذ لحظة الولادة وحتى ما قبل لحظة الوداع.

ثانيا؛ المحافظة على مبدأ إخفاء الثيمة دون فضحها، تاركا للقارئ الحصول على جائزته الكبرى في الاكتشاف، عبر التلميح، لا التصريح، لقلق المتلقي داخل مراحل عرض الثيمة بكل أدوات ومراحل إنتاج الشريط المرسوم.

ثالثا؛ مفهوم القدرية معطل للقدرة على الحلم لذا غير متسلط على الصناع، بل يدافعون عن حرية الاختيار كمبدأ، من خلال شخصيات تشبهنا في بنيتها النفسية من نواقص وانفلاتات في الرغبة وشخصيات قدوة نتطلع نحوها. ما يزيد الملاذ نجاحا في الجذب نتيجة جدلية التناحر الثري وإغواء الاندماج مع الخيرين من الأبطال، وتعاطفا مع مسانديهم، وتنافرا مع الباقي منهم. وذلك كله نتيجة أنهم يعبرون وفي شكل واقعي نفسي عن حياتنا، وما نواجهه من صراعات، في هدف أساس وهو تطوير ومناقشة مشاكل مجتمعاتهم والدفع بها نحو أشكال أكثر تقدما.

رابعا؛ أن ما يطرح داخل اللوحات وجداولها المتتالية، سواء رسومات، أو بالونات لغوية مجاورة، هو رسومات وحصيلة لغوية تنقل واقعا في أغلبه متفقا على شروطه منذ البداية بين صناع الشريط المرسوم والقارئ، سواء في علاقته بالمتخيل من الشخصيات والأماكن والأزمنة، أو الواقعي الذي يحتضن ما يعيشه من حكاية متخيلة داخله، واعين كصناع لخلق وطرح بنية تلقي متدرجة من الغلاف واللوحة الأولى لتكتمل نفسيا في آخر لوحة، في عضوية ويسر، ودون لي أذرع فنية مفاجئة، وفي ذات التدرج لتوالي بنية الخيال المتدرج والمتصاعد. وهو سبيل ومقصد القارئ، وفي التالي الصانع، ما يجعل منه ملاذا ناجحا يحمل رأيا ما ووجهة نظر في الثيمة الأساس.

والآن؛ وبعد أن تعرفنا على شكل ومحتوى هذا النوع من الملاذ الأرسطي التطهري، والذي يعشقه صديقي ونسبة كبيرة من قراء الشرائط المرسومة ويمثل ضغطا على فناني الشرائط المرسومة الموهوبين والمتململين من التيار السائد، فلنعد إلى نقطة بداية متراس الحلم المزدوج، ومقولة غابرييل غارسيا ماركيز الهامة، بالنسبة لبحثنا هنا، وللتذكرة أكررها “كان شُح الأحلام يؤثر فيّ أكثر من شُح النقود” لننطلق منها للشغف ومأزقه.

إن مفهوم المِتراس عبارة عن مكان يقبع على طرفيه كيانان ما يهمنا منه في نهاية هذا الجزء البحثي الآن هو الفنان. أولا؛ كلنا نحمل السلطة في داخلنا في انتظار لحظة منفلتة لتخرج. فمن جانب على الفنان، في ظني، ولتفادي لحظة الانفلات تلك تحت ضغط شكل ومحتوى سائد، العمل على تأثير مؤسسات الانضباط والعقاب عليه كمادة فنية مع دمج لتساؤلاته ذاته عن علاقته في السلطة. وإذا لم تصبح تلك العملية أصيلة ودائمة في بحثها داخل الفنان سيفقد شغفه بالقدرة على الحلم في شكل متدرج وطبيعي. ثانيا؛ أكثر مالكي الشغف والقدرة على الحلم راديكالية فشلوا في خطواتهم الأولى داخل أكبر وأكثر مصانع الترفيه عطشا للأفكار، لكنهم استمروا دفاعا عن هويتهم كملاك للخيال لا مستأجرين مؤقتين له. ثالثا؛ إذا لمحت داخلك تململا من شح النقود تذكر مقولة ماركيز ذلك الكاذب الحداثي العظيم، والحكاء ذي الخيال المذهل، وأحد أصحاب الأحلام الجميلة في العالم الثالث.

الكوميكس العربي يودع الترجمة ويوغل في الإبداع

ومن أجل دعمك نفسيا سأشير إلى نموذج مجلة كالفن وهوبس Calvin and Hobbes الفريد للفنان بيل وتيرسون. والتي استمرت عشرة أعوام من 1985 إلى 1995 مستفيدة من شكل Form الملاذ الأرسطي التطهيري ذاته، ولكن في محتوى Content جلادي لاذع، وثقافي نقدي ممتع ومرح للغاية لجل مناحي مؤسسات انضباط المجتمع الأميركي، ولاقت إقبالا مبهرا لكافة الفئات العمرية من مهووسيها، ونالت ترجمات للغات عدة وحظا أكاديميا وافرا ممن يمثلون التيار الناقد للحلم الأميركي. ويوجد ملف على الشبكة العنكبوتية في وسعك تحميله مجانا لكامل أعدادها.

…. “لكن الذي يحدث أن الكاتب في اتجاه والرسام في اتجاه والناشر في اتجاه أخر” ….

أحمد أباظة ـ رسام مصري مؤسس محل مختص في بيع مجلات الشرائط المرسومة

ذلك المقطع أتى في سياق مقابلة معه في ورقة بحثية هامة أعدتها مؤسسة حرية الفكر والتعبير تحت عنوان “الكوميكس في العربية: المشهد في مصر”. وعلى الرغم من أنه أتى في سياق تعقيبه على مشكلة دعم الناشرين للمنتج، إلا أنه بالنسبة لي دال للغاية من حيث إمساكه الدقيق بمتراس الإنتاج سواء عبر ورشة أو مصنع إنتاج الشرائط العربية المرسومة في العقد الأخير.

ففي ظل تحول ظاهرة الشرائط العربية المرسومة، وخاصة بعد الحركات الإحتجاجية عامي 2011 و2012، السلمية منها والعنيفة، إلى صرعة ثقافية تتكالب عليها جهات عدة متنوعة الفضاء والمجال، وفي بداية تلمس الكفاءة في السير على طريقها ذاته، ومنها، فضائيا، الواقعي كشركات خاصة ذات مسؤولية محدودة أو غير ربحية، أو الافتراضي على الإنترنت من مواقع كعرب كوميكس وبوابة الكوميكس ومنها مجاليا، الحقوقي والتنموي والسياسي الحكومي والمستقل والتسويقي الكرنفالي الحكومي والمستقل، وانخراطها المتعجل لأسباب عدة، أسعى للنأي بنفسي من حكم قيمة عليها أو بحث نيات فيها، في وسيط له تقاليده وانفلاتاته الواعية على مستوى كل من الشكل والمضمون، أدى إلى تشتت الكاتب والرسام والناشر ما بين شغف تنفيذ حلم فردي أو جماعي طويل الأمد وراسخ في جذبه لمتلقيه، وبين إنجذاب نحو اقتناص فرصة مواتية، سواء لتأكيد الحضور والاعتراف، أو لقنص لقمة عيش صغيرة أو فاخرة في فترة اقتصادية حرجة عالمية، وهو ما أتعاطف إنسانيا مع كليهما، لكن علي الإشارة إلى سلبياتها على المدى الطويل، والمتمثلة في الإرهاق والاستنزاف والتكرار بفعل التسارع الزمني للصرعة والتخوف من زوالها.

ما أعرفه هو أن الفكرة الاستثنائية والجريئة والراسخة تجلب المال وليس العكس، وأن تكرار طرق أبواب المتلقي يفتح في النهاية بابا واحدا لدخول الجمهور أولا، وهو الأهم، وحينها سينصاع تاليا رأس مال مرن أو تقليدي، فهو في الأخير طبعه الخوف، وهذا حقه، طالما يعلنه صراحة دون إلقاء لوم غير حقيقي على أمر أو آخر أو على زيد أو عبيد.

هل يعرف صديقي المحشور في عربته كل ما نتحدث فيه عن متراسي الحلم والإنتاج في منطقتنا. وفي الأحرى؛ هل يهتم بهما ويتحرك لدعمهما ولو بإلقاء نظرة؟ سأترك له ولكم الإجابة الهامة على هذا السؤال.

“لماذا نحاول دائما ربط الفنان بموقف سياسي ما؟ هل يُسأل الطبيب، على سبيل المثال، إذا كان له توجه سياسي أم لا؟”

محمد أنديل ـ فنان شرائط مرسومة من مؤسسي مجلة توتك توك وواحد من طاقم الإعداد الرئيس في برنامج البرنامج لباسم يوسف ومبدع راديو الإنترنيت كفر الشيخ الحبيبة ومؤخرا مبدع ومنتج وممثل لشخصية أخ أكبر ـ مصر

وهذا المقطع يأتي من مقابلة معه في ذات ورقة البحث السابقة وفي سياق تعليقه على مشكلة هوية فنان الشرائط المرسومة.

لماذا أنديل تحديدا لأختم به بحثي هذا؟

في ظني هو النموذج الأقرب للنجاح بينهم جميعا في الفهم والإلتحام بمتراسي الحلم/شغف والإنتاج/عدم تشتت، والاستمرارية في طرق الأبواب لاكتساب خبرات ووعي، والأهم خلق جمهور. وليس الأكثر موهبة بينهم قطعا؛ فمن يعرفونني منهم يعلمون قنوطي وكرهي لصيغة “أفعل التفضيل”. فقط محمد أنديل هو مفتاح مناسب للغاية للحديث عن المتراس الثالث في الشرائط العربية المرسومة؛ متراس الهوية في إيجابياته وسلبياته.

هو من الأكثر انفتاحا بينهم على المعرفة، وبذلا للجهد، وتدفقا علنيا على منصات التواصل. في محاولة قد تكون غير مكتملة حاليا لإنتاج الفكر، لكنه في مرحلة المناقشة الجادة للمهيمن والمسيطر على المتداول منه دون الانزلاق الكامل في خندق ما. فهو يعد بالنسبة لي تمثيل جيد لاستغلال قفشة افتراضية أحبها “نحن ننشر الايجابيات في الأمام؛ وملابسنا الداخلية في الخلف” ويسعى دائما في عكس موضع الملابس على حبل الغسيل.

ما تزال النماذج الغربية في فن الكوميكس مصدر إلهام للفنانين العرب الشباب

لكن يأتي مأزق أنديل، بالنسبة لي، كمأزق جيل كامل تربى على بوصلة الشبكة العنكبوتية، وما تقدمه من استسهال بحثي من فرط التوافر. ويتجلى هذا المأزق تماما في مأزق الرائج Trend بمشابك غسيله الساخنة والجاذبة عبر الهوس الجماعي والشهية في أغلب الأحيان. والتي أحيانا ما تلسع يدهم ذاتها من فرط الذكاء عند الالتقاط المتعجل لزاوية نظر مهرولة لهذا الرائج، فاضحا لحس سلطوي قبلي متأصل في ثقافة المنطقة، ولكنه يظل منزويا لدى البرجوازي منها. وأحيانا تكون فاترة فتكشف التكالب على الرائج Trend كمصدر أساس لمناقشة الخطابات العالمية والإقليمية والمجتمعية الملموسة على مواقع تواصل افتراضية وخلق pop art ضد ولكنه استهلاكي يقع في حفرة، على مستوى شكل الخطاب، في نفس أخطاء البطل الذي يسعى لزلزلة صورته المهيمنة والمسيطرة. مرسخا له دون وعي، عبر الحماس المتعجل، وعدم التدقيق في علاقة الشكل بالمضمون.

أنديل ابن جيله الإحتجاجي الذي يملك الجرأة على نقد أصنامه ذاته. لكن لديه، كجل أفراده، مشكلة الحب/كره Ambivalence لمفهوم السياسة، من حيث كونها جزءا عضويا من حياته لا يستطيع الفكاك منه، وفي الوقت ذاته مادة خاما للشغف والعمل عليها من جانب ومادة خاما لصنع الأغلال من جانب آخر. ورغم تعاطفي وتقديري لجانب الكره في هذه الازدواجية، وذلك من فرط ما رأوه من انهيارات لأنسقة ولشخصيات، إلا أنها مشكلة غير مناسبة، ومعطلة دون داع، لمن يستمد في الأساس أدوات تحليله يوميا، ويحدثها ساعة بساعة، من شباب يسار عالمي تخطوا الأيديولوجيات والأفكار الحداثية القديمة وثكناتها الخانقة.

رغم هذا تلقفوا نخبا من القلب كمقاومين مرحين وخفيفي الظل؛ فالمستقبل لكم خلف تلك المتاريس يا جيل يقظ انتمى لمآزق إنسان قد يمر عليه في أي لحظة، وأي مكان، متلقفين عبر ولو إيماءة ثيمته الأساس، ودون أدنى صلات تجمعكم به، لتقتلعوا منه عبر المشاعر ثم الوعي حلما وشغفا دائمين. قد يكون حلمه وشغفه، لكنهما، وبالتأكيد، جزء من حلمكم وشغفكم!


مخرج سينمائي من مصر