الأبطال الخارقون يعودون

التجربة الأميركية في فن الكوميكس

الجديد  طاهر علوان [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(48)]

الأبطال الخارقون الذين انتجتهم المخيلة الأميركية احتلوا ذاكرة القراء في العالم منذ الثلاثينات
ارتبطت رسوم الكوميكس الأميركية عميقا بذاكرة شعبية واسعة امتدت منذ ثلاثينات القرن الماضي، كانت تلك الإصدارات هي الأقرب إلى الذائقة الشعبية، تفاعل معها الجمهور العريض وترسّخت من خلالها الشخصيات الافتراضية التي صاغها خيال المؤلفين .

الشخصيات الخارقة كانت هي العلامة الفارقة لتلك السلسلة من القصص والرسوم، في وسط تلك البدايات كان اكتشاف أولى الشخصيات ممثلة في “سوبرمان” كنموذج للبطل الخارق الذي أنتجته عبقريتا الكاتبين “جيري سيغال” والرسام “جو شيستير” يومها لم يكونا سوى طالبين في مدرسة عليا ولكنهما ابتدآ من العام 1933 بإطلاق تلك الشخصية إلى الجمهور العريض تلك والتي مازالت تتفاعل في أوساط قرائها ومشاهديها ليس فقط في الولايات المتحدة بل في أنحاء العالم.

اللافت للنظر في تلك البدايات هو ما يمكن أن نسميه بـ”توطين البطل الخارق” فببساطة شديدة يولد سوبرمان في كوكب آخر ويتم نقله من ذاك الكوكب قبل تحطمه إلى الأرض حيث ينشأ صغيرا في كنف عائلة فلاحيّة أميركية ، وهكذا اكتسب البطل الخارق مزيجا من المكونات التي جعلته أكثر جاذبية للجمهور الأميركي العريض .

في البدايات الأولى في ثلاثينات القرن العشرين لم يكن سوبرمان ذلك البطل الخارق صاحب العباءة المعهودة بل كان هو الصحافي كلارك كينت صاحب الصفات البدنية القوية .

حصدت تلك الانطلاقة والتأسيس للشخصية الخارقة في ما بعد كثيرا من النجاح حتى انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما فقدت بعض بريقها لا سيما مع بدء الاهتمام بظهور التلفزيون كندٍّ قوي لأيّ وسائط أخرى لكن التألق الجديد لتلك السلسلة سوف يعود من جديد ابتداء من نهاية خمسينات وبداية ستينات القرن الماضي وكانت تلك الحقبة هي حقا البداية الجديدة.

مؤرّخو ونقاد هذه الظاهرة الثقافية/الإبداعية يقسّمون المراحل التي مرت بها على أنها تتراوح ما بين فضية وبرونزية وذهبية، فالعلامة الفارقة لما عرف بالحقبة الفضية مثلا والتي تعود إلى منتصف الخمسينات من القرن الماضي كان ظهور ما عرف بالخارقين الأربعة حيث تم ابتكار شخصيات سبايدر مان وإكس مين لأول مرة، فيما شهدت الحقبة البرونزية التي تمتد إلى مطلع سبعينات القرن العشرين، تطوير العديد من الشخصيات الكلاسيكية في السلسلة مثل سبايدر مان والسهم الأخضر وغيرهما فضلا عن ضخّ أسماء جديدة من الكتّاب فيما شهدت حقبة ثمانينات وتسعينات القرن الماضي عصرا ذهبيا لسلسلة الكوميكس، ومنها مثلا سلسلة باتمان: عودة فارس الظلام وشخصية الجوكر وسلسلة إكس مين وترسيخ شخصية سبايدر مان.

لقد ساهمت الصحافة الشعبية الأكثر انتشارا في نشر تلك الشخصية وزيادة إقبال الجمهور على تتبّع مغامراتها وكانت هي حقا العلامة الفارقة للشخصية الاستثنائية التي ظل ينشدها الخيال الجمعي الأميركي حتى تضاعف جمهورها إلى العديد من الملايين في فترات وجيزة رافقها الإعجاب بمزيد من الشخصيات الخارقة مثل باتمان، المرأة الخارقة، المرأة الخفّاش، الكناري السوداء، مانتا السوداء، إيفي السامّة، الكابتن بوميرانغ، الرجل المقنّع ذو الضربة القاتلة، السيبورغ، يوناه هيكس، الفانوس الأخضر، مارتن مانهانتر، السهم الأخضر، رجل الماء، شازام، المرأة القطة، وغيرها من الشخصيات التي تراوحت ما بين الخيّرة والشريرة وما بين الرئيسية والثانوية إلا أن كلاّ منها صنع له جمهوره الخاص.

مؤخرا أعلنت مؤسسة “دي سي” الشهيرة المنتجة لسلاسل الكوميكس عن إعادة ولادة تلك السلسلة وعن إصداراتها الجديدة التي شملت أكثر من 50 قصة لذات الشخصيات الخارقة التي ألفها الجمهور مع إضافات جديدة امتدت لسبعة عقود وقادها فريق عمل جديد ومحترف منح تلك الشخصيات غنى وبعدا واقعيا ملحوظا على يد الكاتب جاف جونز مع استحداث شخصيات جديدة من مثل شخصية الرجل المراقب التي أضافها الكاتب الشهير ألان مور.

قرابة 50 كاتبا على درجة عالية من الاحتراف احتشدوا لإزاحة الستار عن هذه السلسلة الجديدة التي أريد لها إطالة عمر تلك الشخصيات الغرائبية ومدّها بأسباب التجدد والاستمرار والجاذبية، وإعادة الحياة للسلسة الغرائبية رافقها اهتمام إعلامي وفي أوساط الرأي العام ليثبت ذلك أن سلسلة الكوميكس المرتبطة بالذائقة والثقافة الشعبية الأميركية قابلة للحياة وأن تتجدد.

ليس بعيدا عن ذلك الرواج الهائل الذي صنعته تلك الشخصيات وهي مرسومة على الورق، ها هي عبر تاريخها وقد تجسدت على الشاشة من خلال العشرات من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية والسينمائية التي أدخلت الملايين من الدولارات في واحدة من أنجح التجارب على مستوى العالم، أن يجري تطوير سلسلة مكثفة من القصص المصورة إلى أفلام خيال علمي ذات مستوى تقني وأدائي عال.

شخصية سوبرمان مثلا ظلت حاضرة على الشاشات منذ ظهورها لأول مرة في العام 1948 وحتى يومنا هذا، أخرج أول الأفلام التي جسدت هذه الشخصية المخرجان سبنسر بينيت وتوماس كار فيما كان آخر تلك الأفلام أنتج هذا العام تحت عنوان “سوبرمان ضد باتمان: فجر العدالة” للمخرج زاك سنايدر.

في نفس المسار عرف الجمهور الواسع الممثل كريستوفر ريف في دور سوبرمان في سلسلة أفلام امتدت لعقد من السنين: من 1978 إلى 1988 وشملت أربعة أجزاء من سوبرمان فضلا عن جزء واحد من السوبر وومن (المرأة الخارقة).

على صعيد تطوير الشخصيات في السلسلة الجديدة، ليس مستغربا إعادة الحياة للشخصيات في سلسلة الكوميكس تلك فمثلا عندما شارفت سلسلة سوبرمان على النهاية رأت مؤسسة DC أنه من الأفضل إيجاد خصم لدود للسوبرمان بدلا من موت هذا الأخير ولهذا تم ابتكار شخصية الرجل الخفّاش، كان ذلك في مطلع العام 2000 عندما تم تكليف الكاتب جي أبرامز بتلك المهمة وهكذا مضى نهج ابتكار الشخصيات والشخصيات المضادة حتى وصلنا إلى سلسلةة كابتن أميركا بقدرته الخارقة وتمدّد تلك القدرات إلى الأزمنة الحديثة حيث الصراعات العسكرية ومشاهد القاصفات والطائرات المسيّرة من دون طيار.


كاتب من العراق مقيم في لندن