شقائق النعمان بين الانقاض

البحث عن العراق الضائع تجربة بريجيت فندقلي

الجديد  [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(136)]

تتميز رسوم فندقلي بالرقة والنمنمة وهي تستلهم طفولتها في العراق
وصلت بريجيت فندقلي مع أسرتها إلى باريس عام 1973، برفقة والدها العراقي وأمها الفرنسيّة، قبلها كانت تعيش في الموصل، حيث قضت طفولتها، شاهدة على التقلبات السياسية والأمنيّة التي مرت بها البلاد، إلى جانب سلسلة الانقلابات العسكرية، التي أوصلت حزب البعث إلى السلطة.

بقيت ذكريات العراق حبيسة لدى فندقلي، وتابعت حياتها في فرنسا محققة حلم الطفولة بأن تصبح فنانة قصص مصوّرة، إذ بدأت في مطلع الثمانينات مسيرتها الاحترافيّة، حيث عملت في عدد من الصحف والمجلات الفرنسيّة، وشاركت رسما وتلوينا في عدد من سلاسل الرسوم المصورّة، كقطة رابين والعودة إلى الأرض وغيرها، لكن عام 2016، وبالتعاون مع زوجها فنان الرسوم المتحركة، لويس تروندهيم، أصدرت كتابها “شقائق نعمان من العراق”، والذي تتحدث فيه عن طفولتها، مستعيدة تلك الذكريات التي بقيت حبيسة لسنوات.

تقول بريجيت إن فكرة الكتابة عن طفولتها لم تراودها إلا بعد أن دخل تنظيم الدولة الإسلامية إلى الموصل وحوّلها إلى عاصمة له، حينها أصر زوجها أن عليهما أن يفعلا شيئا، فالمدينة كانت تدمر وأقاربها هناك غادروا نحو بلدان مختلفة، ليبدو الخوف من الفقدان دافعها الرئيسي للبدء في الكتابة، خصوصا أن زوجها اقترح عليها فكرة تدوين ذكرياتها في بداية التسعينات، إلا أنها لم تر أن الفكرة ذات أهميّة كبيرة.

بدأت فندقلي بنشر شرائط “شقائق النعمان من العراق” بالتعاون مع صحيفة لوموند الفرنسيّة، لتكون الشرائط أشبه بسلسلة دوريّة، وتصف عملية الكتابة بأنها كانت أشبه بحوار، إذ كانت تحاول في كل شريط أن تحكي قصة للويس، الذي يسألها عن طفولتها، وتقوم هي بإجابته، وكأنها تشكّل ذاكرتها بصريا، لتكون كل حكاية، أشبه بومضة نرى فيها من خلال عيني طفلة عراقية صغيرة، ما تشهده البلاد من اضطرابات.

تحمل القصص في الكتاب بعدا سياسيا، فعلى بساطة الحكاية، وأسلوب الرسم الطفوليّ، نراها تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية وتأثير السياسة عليها، إذ نقرأ عن التناقضات داخل الأسرة، وعلاقتها مع الخارج المحيط، والصراعات الطائفيّة التي كان العراق يشهدها، وكيف انعكست على هوية بريجيت، فهل هي فرنسية أم هي عراقية، هذا التساؤل أثر على العلاقات بين أفراد أسرتها، خصوصا أن والدها، رفض الانضمام إلى صفوف حزب البعث، ما أدى إلى منعه من السفر، ومواجهته الكثير من الصعوبات البيروقراطية والإدارية، التي مصدرها التشكيك بوطنيته.

سبب اختيار المؤلفة لشقائق النعمان يتضح من صورة الغلاف، إذ نراها طفلة تحمل بيدها زهرة حمراء، داميّة، تركض بها بعيدا، بصريا ترمز هذه الزهرة أيضا إلى الوحشية التي شهدتها الموصل حين كانت خاضعة لتنظيم الدولة، هذه الطفلة التي تركض بعيدا، تحدثنا عن عادات أهلها ببراءة كوميدية، كأن تكون النميمة هي “رياضتهم المفضلة”، أو أن الرجال في تلك في الفترة كانوا هم المسؤولون عن التسوق وشراء الطعام للمنزل، كما تحدثنا عن الانقلاب، إذ نرى الضباط مشنوقين، ومعلقين في ساحات الموصل، ما يخلق صدمة للقارئ، بسبب التناقض بين براءة الرسوم، ووحشية فعل الشنق العلنيّ الذي شهدته بريجيت.

يبدأ الكتاب بصورة فوتوغرافية حقيقية لبريجيت، حينما كانت تلعب قرب آثار الملك نمرود في الموصل، وهي صورة التقطها لها والدها، وستكون لاحقا فاتحة لعلاقة بريجيت معه، ومعاناته ثم مرضه، هذه الذكريات تستعيدها برجيت أيضا عبر اللغة، فهي لم تفقد اللغة العربية رغم أنها تتحدث الفرنسية في المنزل مع أهلها.

والآن وبينما هي تحاول استعادة الصورة، تكتشف أنه لم يعد لما حولها من وجود، بسبب التدمير الممنهج الذي مارسه التنظيم، وذاك الذي أنجزه الطيران المغير على المدينة ليطرد داعش، ليبدو الكتاب، وكأنه محاولة لإعادة بناء ذاكرتها، خصوصا أنها صرحت بعدم رغبتها في زيارة العراق، لأنها إن فعلت فستقضي الوقت في البكاء. فالموصل لم تعد كما كانت بل إن مساحات هائلة منها سويت بالأرض، أما صور طفولتها الأخرى التي يحويها الكتاب، فهي أشبه بوثائق، يتداخل فيها الشخصي مع التاريخي، وكأننا نقرأ أيضا عن ذاكرة المدينة ذاتها.

ترسم فندفلي صورة لما صار عليه العراق من دمار أتى على أماكن طفولتها