طريقة شخصية في قراءة شاعر

الجديد  جورج بهجوري [نُشر في 01/06/2018، العدد: 41، ص(146)]

نعم قصة الحب الجديدة تعرفها من سحرها وتنسى نقطة البداية. مثلي مثل مئات العشاق من الشباب العربي عشت قصة من هذا النوع، وتذكرت الآن فقط بعد مرور ربع قرن عليها أن سببها كلمات الشاعر نزار قباني.

كنت أهفو إليها وكأني أبحث عن عطر فستانها أو النسمة التي تحيط بها عندما تمر في شارعنا. أعرفها وتعرفني فقد كانت تزورنا نحن الثلاثة أخي الأكبر وأنا وشقيقتي (صاحبة الدعوة وصديقتها الحميمة). نشرب الشاي بعد الظهر أحياناً ونتبادل كلمات قليلة أغلبها تقليدي، أضيف إليهم بعض دعاباتي فتضحك.

هاجرت شقيقتي وشقيقاي إلى أميركا ولم أعد ألقاها، سوى أنني ألمحها من بعيد وطرف ردائها يطير حول ساقيها الجميلين، فقط كنت لا أستطيع تأمل وجهها الجميل بسبب سرعة حركتها في الشارع فهي تسير كأنها تركض.

فجأة استوقفتني أمام بوابة عمارتي المجاورة. وقفت أمامها وتسمرت. تأملت الوجه الذي يحيط به شعر يسدل دون الرقبة، كأنه إطار ذهبي للوحة جميلة رسمها دولاكروا أو صبري راغب وتمنيت أن أرسمها.

وفوجئت بسؤالها:

- ما عندكش ديوان نزار قباني الأخير؟

فأردت مداعبتها كعادتي وأجبت بلهجة أهل الشام.

- بلى.. بلى

وأنسحبت معي.. وقفت بالداخل أمام المصعد ريثما أحضر لها الديوان.

أخذته وشكرتني.. وهربت. ركضت من جديد.

إلا أن السنوات التالية شهدت لقاءات عديدة بيننا، هي والكتاب ثم أنا وهي والكتاب. ثم أنا وهي فقط بدون الكتاب.

وتساءلت: هل يمكن أن يكون الشاعر كيبوبيدا يهدي اسهم الحب للمحبين.

إلى أن شاءت الظروف أن يحضر هذا الكيبوبيد لزيارة مصر في الستينات، ربما ليتفق مع الموسيقار محمد عبدالوهاب لتلحين أشعاره، فقد كانت أسهم كيوبيد في كل قلبين في مصر والعالم العربي.

أًصبحت رساماً في الصحف وفي قاعات العرض، ودخلت إحدى أعمالي متحف الفن الحديث في القاهرة.

بدأت قدماي تتعودان على دخول أماكن جديدة، لمحته من بعيد وسط موائد كافتيريا الهيلتون على ضفاف النيل. كان أسرع مني، رفع ذراعه لي كأنها قلوع مركب، والهليتون كله سفينة أو (فلوكه) وسط النيل، دعاني على القهوة، وقد وضعنا قطعتي سكر في الحديث بدلا من الفنجان. ولم أذكر له شيئا عن قصتي مع حبيبتي الجديدة. لأن قصص الحب تغرق في سحرها وتنسى نقطة البداية (راجع الجمل الأولى أعلى الصفحة).

رغم أن قصة حبنا دخلت مرحلة نضج جديدة فقد تطورت من الكتاب إلى الكاسيت، من الحب إلى المجتمع إلى السياسة. ثم افترقنا. تركتها معه بدوني. هذه المرة سافرت باريس.

عدت بعد سنوات طويلة. أصبحت هي كاتبة وأصبحت أنا قارئا لها.

ونسينا مرة أخرى الكيوبيد. نزار الذي أهديه هذه الرسوم ضاحكاً محاولاً أن أرد له قهوته التي دعاني إليها، ومعها قطع كثيرة من السكر الذي يعصرون قصبه في قريتي بهجورة في صعيد مصر، فقط، أرجو أن تكون قهوته سكر زيادة.

أيظنُّ أنَّي لُعبةٌ بيديهِ ؟

أنا لا أفكُّرُ في الرجوعِ إليه

اليومَ عادَ . كأنَّ شيئاً لم يكُن

وبراءةُ الأطفالِ في عينيهِ

ليقولَ لي : إنّي رفيقةُ دربهِ

وبأنَّني الحبُّ الوحيدُ لديهِ

حملَ الزهور إليَّ .. كيف أرُدُّهُ

وصبايَ مرسومٌ على شفتيهِ

ما عدتُ أذكرُ .. والحرائقُ في دمي

كيفَ التجأتُ أنا إلى زنديهِ

خبَّأت رأسي عندهُ .. وكأنَّني

طفلٌ أعادوهُ إلى أبويهِ

حتى فساتيني التي أهملتُها

فرحت بهِ .. رقصت على قدميهِ

سامحتُهُ .. وسألتُ عن أخبارهِ

وبكيتُ ساعاتٍ على كتِفيهِ

وبدون أن أدري تركتُ له يدي

لتنامَ كالعصفور بين يديهِ ..

ونسيتُ حقدي كُلَّهُ في لحظةٍ

من قال إنَّي قد حقدتُ عليهِ

كم قلتُ إنّي غيرُ عائدةٍ لهُ

ورجعتُ .. ما أحلى الرجوعَ إليه ..


رسام من مصر