قبعة المفكر وربطة عنق السياسي

حوار “الجديد” مع المفكر السوري القدير جادالكريم الجباعي، يأتي هذه المرة ليكون نموذجاً لضلالات الفكر في رمال السياسة المتحركة، ومشهداً مصغراً، ولكنه فاقع، لحيرة المفكر وسط تساؤلات الحياة العامة الجديدة، التي باتت متعطشة للسياسي لا للفكري والوجداني، وميالة لسماع ما يطربها بدلاً من ذاك الذي يحرّضها على التفكّر والتدبّر والتحليل.

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 01/05/2015، العدد: 4، ص(94)]

رسمة لفيصل لعيبي
تتوالى أسئلة الحوار على الجباعي، فيحاول شدّها إلى الفلسفي العميق، لتتجاهل محاولاته تلك، مواصلة النظر إلى الصورة السياسية وحدها، مع أنه كان يزرع بين الوقت والآخر فكرة ما، كي يقتفي القارئ أثرها، ويلاحق طيفها بين الكلمات، إلا أن أحداً لا يكترث بهذا، فحين يبدأ الحديث عن المستقبل والتصورات العالمية له، يصرّ الجباعي على أن “التغيّرات التاريخية لا تتوقف؛ بعضها لا يكون ملحوظاً، أو معلوماً، وبعضها يكون مفاجئاً، كثورات “الربيع العربي”. وَصِفَةُ التاريخية التي توصف بها التغيّرات تعني أن هذه التغيّرات لا تحصل دفعة واحدة، ولا تتجلى في مظهر واحد. فالتاريخ هو توقيع أو “وقعنة” ممكنات على حساب ممكنات أخرى، وهذا ما يفسح في المجال لإرادات البشر الذين يصنعون تاريخهم بأنفسهم، ولكنهم لا يصنعونه على هواهم، حسب كارل ماركس، ثمة إذاً سيرورات متداخلة ومتآنية ومتعارضة ومتوازية ومتشارطة.. تتجه عند نقطة معينة، في لحظة تاريخية معينة، باتجاه واحد، فيحدث التغير النوعي في صيغة ثورة أو انقلاب أو حدث تاريخي. وما من ثورة تولد أو تتولَّد إلا وتولد معها أو تتولَّد ثورة مضادة وما من حدث يحدث إلا ويولَّد نقيضه”.

علمية الثورات وتخلف المجتمعات

وبتلك المتناقضات تتحرك عجلات التاريخ، إن كانت قد تكاملت فعلاً شروط تلك الحركة علمياً، لتتصادم الضرورات في سياق واحد يولّد الانتقالات، وماركس ذاته الذي يستند إليه الحباعي يرى أن “الثورة حتمية ولا غنى عنها” ويؤكد على أنها (الثورة) لا يقوم بها حزب واحد أو عصبة من الرجال مهما كانوا متحمسين وذوي عزم فالثورة موقف نتاج ثوري ينتج عن تفاعل عوامل عدة: تذمّر مزمن لدى طبقات المجتمع تجاه الوضع القائم، وانقسام بين أعضاء الطبقة الحاكمة وهو انفصال قطاعات مهمة عن بعضها، تكرار الأزمات وبشكل متزايد، حدوث اضطرابات وشغب ومظاهرات، انهيار النظام القائم نهائيا”.

يقول ماركس في خطابه إلى “العصبة الشيوعية” في نيسان ـ أبريل 1850 حول ثورة 1848-1849 في ألمانيا “لقد رأينا كيف سيصل الديمقراطيون إلى الحكم في الحركة القادمة، وكيف سيجبرون على اقتراح إجراءات ذات طابع اشتراكي نوعا ما. وقد يسأل سائل: ما هي الإجراءات التي يجب أن يقترحها العمال في المقابل؟ لا يستطيع العمال طبعا أن يقترحوا إجراءات ذات طابع شيوعي مباشر منذ بداية الحركة. ولكن بإمكانهم أن يقوموا بما يلي: عليهم أن يجبروا الديمقراطيين (البرجوازيين) على الإجهاز على النظام الاجتماعي القديم بأن يفتحوا فيه أكبر عدد ممكن من الثغرات، وعلى عرقلة خط سيره المنتظم وعلى توريط أنفسهم، بالإضافة إلى وضع أكبر عدد ممكن من وسائل الإنتاج بين أيدي الدولة كوسائل النقل، والمصانع وسكك الحديد، إلى آخره.

على العمال أن يدفعوا باقتراحات الديمقراطيين، التي لن تكون ثورية مطلقا بل إصلاحية ليس إلاّ، إلى أقصى الأبعاد،.. وهكذا تسير مطالب العمال دائما وأبدا على هدى تنازلات الديمقراطيين وإجراءاتهم، وفي حال عدم تمكن العمال (الألمان في خطاب ماركس) من استلام الحكم وتحقيق مصالحهم الطبقية دون المرور بمرحلة كاملة من التطور الثوري، فمن المؤكد هذه المرة أن أول فصل من هذه المأساة الثورية المداهمة سوف يصادف انتصار طبقتهم في فرنسا فيسرّع بالتالي من تحقيق ثورتهم”.

إن علمية انفجار الربيع العربي، برأيي، لا تعني بالضرورة توافر الشروط اللازمة لاحقاً، لتطوّر مساره، وهو ما يبرّر تحوّلاته العنيفة والدموية، فالوعي الاجتماعي لدى الشعوب العربية، إضافة إلى تخلّف البنى التحتية ووسائل الإنتاج، وانعدام المصالح التي يمكن أن يهدّدها الانفجار الثوري، يجعل من العبث التلويح بأيّ تنازلات يمكن أن يقدّمها الإصلاحيون في وجه الثوريين، فالإصلاحيون هنا، لا يعنيهم تدمير وسائل الإنتاج في بلدان الثورات العربية، ولا انهيار الدولة، ولا تفكك المجتمعات، الذي لطالما كان هدفاً ومطلباً للاستبداد، كي يحكم قبضته على تناثرها وصراعاتها، والحقيقة أن الربيع العربي، كان قد شهد مواكبة فكرية شحيحة، لكنها قائمة، وإن كانت لا ترى أو لا تريد أن ترى، النقص العلمي المريع في عناصر المشهد، لماذا لا تتحقق أهداف الثورات؟ ليس لأنها كانت انطلاقات خاطئة، ولكن لأن قراءتها من قبل الثوريين أولاً كانت ولم تزل قراءة للقشرة لا أكثر، لا تفكيكاً دقيقاً وجريئاً في بداياتها ومساراتها وضرورات استكمال ما يلزمها لكي تنجح.

اللحظة الانفجارية والإعلام

يقول الجباعي “يمكن القول إن ما تشهده المنطقة هو لحظة انفجارية أو زلزالية نتجت من سيرورات مختلفة، اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية، محلية وإقليمية ودولية لا تكشف عنها الخطابات، بل تقنِّعها، وتحجبها. وقد لا يكون لتصورات المستقبل أيّ رصيد من الواقعية، أو إمكانية التحقق، إذا استندت إلى خطابات أو مقالات أيديولوجية. المستقبل ممكنات الحاضر، ولا شيء غير ذلك ،… العلاقات الاجتماعية والإنسانية وسائر القيم المعيارية والأشكال المؤسسية ترتبط أوثق ارتباط بالرؤية العامة للكون، للطبيعة والعالم والمجتمع والإنسان، وللمرأة بوجه خاص، ومدى انفتاح هذه الرؤية على واقع التنوع والاختلاف.. أي أنها ترتبط أوثق ارتباط بالثقافة التي يتبناها الأفراد والجماعات ويعدّونها هويتهم، على اعتبار الثقافة أوّل رأسمال بشري” وهنا يقارب المفكر السوري الحقيقة، دون أن يجرح شفافيتها، لحظة انفجارية نعم، لكنها غافلة عن غياب ذلك الانفتاح الاجتماعي والتنوع والاختلاف وواقع المرأة والثقافة التي يتبناها الأفراد، كل هذا يتم وضع اليد عليه، ليس للإمساك به، ولكن لإخفائه عن البحث، حرصاً على وجدانية الثورات، ومن أجل الإبقاء على الرضا الاجتماعي عن المفكّرين، وهي المشكلة التي تسبب بها الإعلام، فبقدر ما كان للإعلام بالغ الأثر في تسليط الضوء على جرائم الاستبداد ومجازره، إلا أنه حاصر المفكرين، وجعل منهم هدفاً ودريئة أمام الرأي العام، فلم يعد يجرؤ أيّ منهم على رفع الصوت بالنقد، خشية الهجوم العنيف الذي قد يتعرّض له من قبل العامة، وبات تعبير “تمثيل الناس″ خطراً للغاية.

في ظل الاستبداد، لا يمكنك أن تقول أكثر من أنك مهزوم تاريخياً، وأن الثورات قامت ضدك أيضاً وضد جيلك، وستقول إنك كنت تتخوف من ذكر المستبد

فالغاية من العمل السياسي، في الحالات الطبيعية المستقرة “تمثيل الناس″ في المحافل والساحات، لتحقيق مطالبهم، لكن هذا ليس دور المفكرين، الذين عليهم أن يقودوا الناس إلى الحلول الفكرية والاجتماعية الكبرى، وليس أن يمثلوهم، فما الجدوى من مفكرين يتطابقون في فكرهم مع الشارع؟ والأصل أنهم طليعته ونخبته التي تتقدمه وتأخذ بيده إلى ما لا يدركه بعد من الانتقالات المعرفية.

وهنا تصبح مهمة المفكرين صعبة للغاية، فهم في مواجهة مزدوجة ضد العامة وضد الاستبداد في لحظة تاريخية واحدة، وفي بعض الأحيان يكونون مخيّرين بين الوقوف، إنسانياً، مع هذا أو ذاك من طرفي النزاع، فمجرّد البقاء في البلاد التي يسيطر عليها الاستبداد، سيعدّ تسامحاً بشكل ما معه، أو صمتاً على مجازره، أو توافقاً أو مسايرة له، أو حتى اتفاقاً سرياً مضمراً على حدود الصراع معه، وبالمقابل فإن الخروج والمنفى سيعني انقطاع الصلة المباشرة بين المفكر والشارع والانضمام وما هو معروف من تبعات ذلك، ليصبح المكان والزمان (الشخصيان) عاملين مؤثرين في العدسات التي ينظر من خلالها المفكر إلى المشهد وتالياً في تعبيره عن قراءته لما يحدث وما ينبغي أن يكون.

الهجوم على الشعب

في ظل الاستبداد، لا يمكنك أن تقول أكثر من أنك مهزوم تاريخياً، وأن الثورات قامت ضدك أيضاً وضد جيلك، وستقول إنك كنت تتخوف من ذكر المستبد (حافظ الاسد في حالة الجباعي) وأنك كنت تستبدل نقده بنقد خصمه (صدام حسين)، ولا يعود بوسعك سوى أن تصبّ جام غضبك على المجتمعات مغامراً بالشعبية، يقول الجباعي “لا يمكن لمن يعتقدون بفكرة (شعب الله المختار)، وبأنّ (الأمّة الإسلامية) خير أمّة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي تأمر بما تراه هي وحدها، أو الناطقون الرسميون باسمها، معروفاً، وتنهى عمّا تراه هي وحدها، أو الناطقون باسمها، منكراً، لا يمكن لهؤلاء أن يقبلوا بتساوي الأفراد المختلفات والمختلفين في الكرامة الإنسانية والحقوق المدنية والسياسية والمشاركة المتساوية في الحياة العامة، ولا يمكن أن يقبلوا بحقيقة أن العدالة تدبير بشري للكون الاجتماعي، لا تدبير إلهي للكون. هذه الرؤية الكوسمولوجية تستعاد دوماً في الوعي واللاوعي، ولدى ممارسة الطقوس والشعائر.. وهي مبثوثة في العادات والتقاليد والأعراف، علاوة على (التراث)، ولكنها تغدو متوترة في أوقات النزاع، وتشكل أساس الخطاب الأيديولوجي”.

وما يقوله الجباعي حقيقي، لكنه ليس عادلاً، فهو لا يلحظ غياب دور المفكرين في التاريخ الحديث، في رصد ومواكبة ذلك التراث، ونقده بشجاعة، بدلاً عن اكتشافه اليوم بدهشة غير العارف، وكأنه يُعرف لأول مرة، فأين كان المثقفون والمفكرون قبل قيام الثورات؟ الجواب أنهم كانوا منشغلين بالسياسة، والصراع على السلطة، والتبعية للخلط بين الفكري والسياسي، وعبادة الفرد من أيقونات النضال الثوري في القرن العشرين، وما الذي أخّر اكتشاف المفكرين لفتوى الأزهر عن جواز حرق وتقطيع أوصال العدو، حتى ما بعد العام 2011 (عام الثورات)؟! من هنا لا حق لمفكر مثل الجباعي بالتساؤل “ما الفرق بين قراءة تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام وممارساته الهمجية، المستندة إليها، وبين فتوى الأزهر، رمز الاعتدال، في جواز حرق أعضاء هذا التنظيم وتقطيع أوصالهم، رداً على إحراق الطيار الأردني، الذي يقاتل في صفوف (الصليبيين) وحلفائهم؟”. ففتاوى الأزهر لطالما كانت متاحة للجميع، وهي تدرّس في معاهده وجامعاته، وكذا في مختلف المدارس الدينية التي أنتجت الفقهاء والخطباء والمفتين ومعهم المتطرفين، ولم يجرؤ مفكرو العرب على الاقتراب منها بالنقد والتحليل والرفض حتى ظهور تلك الفتاوى والأفكار على شكل ممارسات وكان الأوان قد فات على المواجهة النظرية بعد أن صارت عملية واقعية.

لكن الجباعي يعود من جديد إلى خطاب الدفاع عن المفكر (بمواصفاته المتوفرة) والهجوم على الجميع، يقول إن “القراءة الثورية قراءة أصولية أيضاً،… والأصولية والتطرف سمتان للعصبية، بالمعنى الخلدوني، وهذه تحمل جرثومة العنف والإرهاب، فلا فرق كبيرا بين أصولية وأخرى، سوى الفرق الذي يقيمه الهوى، والمشهد الثقافي العربي مشهد أصوليات متنافية ومتعادمة، لم يفلح التلفيق، القومي والإسلامي والاشتراكي، سوى في تأجيل التنافي والتعادم اللذين نشهد تظاهراتهما في صفوف (النخبة) وصفوف العامة على السواء؛ فقد كشف انفجار المنطقة عن انحطاط ثقافي وأخلاقي مريع، بفعل اكتساح الأيديولوجيا للمجالين الثقافي والسياسي، وإلا كيف يمكن تفسير هذا النكوص إلى الهمجية؟”.

لا وجود لثقافة شعبية بالمعنى الذي يتوق إليه الجباعي، وهي إن وجدت فلن تخرج عن الفلكلور الشعبي، والعادات والتقاليد التي تستمد من الثقافة القومية والتاريخ والموروث

لتصبح المسؤولية عن الهمجية والنكوص إليها، معممة على الضحايا والجلادين، دون النظر في التفاصيل، وإلى الآلية الشيطانية لصناعة العدو التي اتبعها الاستبداد لتحويل الثورات السلمية البيضاء التي رفعت الزهور والأفكار المتقدمة، للإبقاء على خصم من جنس الاستبداد، يبرّر وجوده ويجعل منه شريكاً في الحرب على الإرهاب الذي أراد له أن يصبغ الثورات كلها على امتداد الساحة العربية.

الثقافة القومية

وفي ظل نسبة الـ80 بالمئة من الأميين والجهلة والفقراء في صفوف الشعب السوري التي يؤكد عليها الجباعي في حواره مع الجديد، يعترف الرجل أن الشعب ترك وحيداً للتجهيل والظلام، في ضياع بين السلطة والمعارضة منتقلاً من الخمسين سنة الماضية إلى اللحظة الحالية مباشرة “إن الاستقطاب الحاد بين السلطة والمعارضة أحدث تصدّعاً عميقاً في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية يحتاج إلى جهود كبيرة ووقت طويل لرأبه. فتراجعت إمكانية التوافق على المستقبل تراجعاً خطيراً، في ظل تمادي العنف والإرهاب وتقطيع أوصال البلاد وهيمنة الأيديولوجيات الإثنية والدينية والمذهبية على معظم النفوس والعقول، كما أن الثقافة القومية، التي فرضت على الشعب وأريد لها أن تتحول إلى (دين شعبي)، لأنها محوَّلة عن عقيدة دينية أساساً، لم تحل دون إعادة إنتاج (الثقافة الشعبية)، التقليدية، بل حفزت ذلك بطرق شتى. ولم يبذل المثقفون والمؤسسات الثقافية أيّ جهد لردم الهوة بين الثقافة الشعبية الشفوية والثقافة (الرفيعة) المكتوبة، على افتراض أن ثمة ثقافة رفيعة ذات شأن”.

إن وضع الثقافة الشعبية لتكون نقيضاً للثقافة القومية من جهة أخرى، لهو حيلة من حيل العقل، يتسبب بها الانحياز إلى الأيديولوجيا التي ينبع منها فكر الجباعي ذاته، فهو يعلم جيداً أن تلك الثقافة القومية، لم تكن سوى ركوبة استعملها الاستبداد في مصر وسوريا والعراق، ليحكم سيطرته على المجتمعات بما يوافق هواها أولاً، ولتصبح تلك الثقافة القومية (العربية) نوعاً من ثقافة التحريم، تمنع الحركة وتقيد الحرية، بدلاً عن كونها فضاء للعمل والتقدّم، ولم تكن يوماً بديلاً عن الثقافة الشعبية، التي يصدم المرء حين يرى أن مفكراً يطالب بها، فما هي الثقافة الرفيعة التي يمكن أن تنتج عن العامة، وتكون مرضيةً للمفكرين المتقدمين نظرياً على المجتمع؟

غير أن نزاهة تفكير جادالكريم الجباعي، تجعله يعود ليصحّح لنفسه فيقول “من البديهي أن جميع أفراد الشعب غير المنضوين في جماعات مسلحة ومؤسسات عنف، وغير المنخرطين في القتال يتوقون إلى متابعة حياتهم بهدوء، بعيداً عن صراعات القوى. ولكن هذه البداهة غير كافية للحكم في وجود (خطاب شعبي) أو توجه شعبي من هذا النوع. لأن فئات الشعب المختلفة ليست خارج علاقات القوة وصراع القوى، وإلا فإن صراع القوى يجري في فراغ. الأرجح أن هناك من النخبة من ينتحل خطاباً (شعبياً) على مجرى العادة، مؤداه التوق إلى “عودة الحياة إلى مجاريها”، ولا يستبعد أن يكون هذا الخطاب ملغوماً، يتجاهل أربع سنوات كانت أربعة عقود من التوتر والمعاناة على الأقل”.

لا وجود لثقافة شعبية بالمعنى الذي يتوق إليه الجباعي، وهي إن وجدت فلن تخرج عن الفلكلور الشعبي، والعادات والتقاليد التي تستمد من الثقافة القومية والتاريخ والموروث، أسس وجودها، لتصبح نوعاً من العيش المشترك، لا مقدمة للمواطنة، ولا بوابة للحياة المدنية، والسبب بالطبع هو تخلف تلك المجتمعات، وتراجع وسائل إنتاجها، ونسبة التعليم فيها، وليس الاستبداد بريئاً من هذا كله.

ثورة محرّمة على الذات

يعلل الجباعي الإحداثيات التي تحكم لحظته الشخصية كمفكر سوري عربي، يواجه كل تلك الأسئلة، بالإشارة إلى سؤال كانت قد طرحته عليه صبية ذات يوم “سألتني في بدايات الثورة السورية صبية، تعرف أنني (معارض مرّ): لمَ لا نراك في المظاهرات والاعتصامات؟ فأجبتها ببساطة، لأنني أعتبر هذه الثورة ثورة عليَّ وعلى أبناء جيلي، وليس من حقي وحق أمثالي أن يركبوا موجها، فنحن مسؤولون عمّا وصلت إليه بلادنا من فقر وحرمان واستبداد وطغيان، ولا سيما من كانوا مثلي منخرطين في أحزاب أيديولوجية معارضة أو موالية، ولا فرق، أو مع فروق ضئيلة، لكي لا ننفي مبدأ الفرق والاختلاف، أحد الفروق الضئيلة أن الأحزاب الموالية تدافع عن سلطة قائمة ومكاسب وامتيازات فعلية”.

لكنه لا يريد أن يتذكر نزول جان بول سارتر وأراغون إلى ساحات الاعتصام في باريس في العام 1968، للمشاركة في ثورة الطلاب التي قادها جيل انقلب على شارل ديغول وعلى طبقة المفكرين معه في الآن ذاته، كان على رأسهم كوهين بنديت، كان سارتر يعلم أن الثورة ضده أيضاً، ولكنه شارك فيها، ولم ينكفئ ولم ينطوِ، بل انخرط فيها، ليجدد تفكيره ثانية، ويراجع مساره، فتحوّل إلى ملهم لثورة أيار ـ مايو 1968، وعزّز أصداءها في الشارع وعلى المنابر وفي الجرائد وعلى أبواب المصانع المضربة، وقام بتسجيل حوار مع بنديت في جريدة Le Nouvel Observateur وأعطاه الفرصة للتعبير عما يريد. وكان عمر سارتر حينها 63 عاما، ولم يمنعه هذا من الذهاب إلى جامعة السوربون ليتحاور مع الطلاب. والتنديد بـ”الانتخابات التي وضعت الفخاخ للأغبياء”، كما وصفها، وكان يعني بحديثه انتخابات ديغول.

يحرّم بعض المفكرين العرب، على أنفسهم، الثورة على الذات، ومراجعة ثوابتهم ويقينياتهم، وهم في سلوكهم هذا، ينتهجون أصولية ذاتية بشكل ما، لا تختلف عن مشهد صراع الأصوليات الذي يطيب للجباعي وصف المشهد العربي به، فما عرفه المفكر العربي دهراً، من الصعب عليه أن يتخلى عنه في تلك اللحظة الثورية المزلزلة، وليصبح الخوف مبرراً إنسانياً لا يمكن ردّه يقول الجباعي “أنا أتفهم الخوف البشري، لأنني أخاف، ولا أدين الخائفين، بل أدين الشروط الاجتماعية والسياسية والدينية والنظم الاستبدادية، التي تنتج الخوف وثقافة الخوف، وأتفهم حق الأفراد في الاختيار، وأحترم خياراتهم، إذ قلّما يتوقف أمر من الأمور على خيارات فلان وفلانة من المثقفين والمثقفات، في أوقات النهوض،.. ثمّة مثقفون هنا وهناك يشمئزون من التسلط والاستبداد والفساد، ولكنهم لا يجرؤون على مواجهتها ومواجهة المستبدين والمتسلطين والفاسدين بأعيانهم. هكذا هي الأمور، وهكذا كانت على الدوام، عندنا وعند غيرنا. لقد مرّ وقت طويل في سوريا كنا ننقد الاستبداد والتسلط والفساد والانحطاط الأخلاقي.. ولكننا لم نكن نجرؤ على تسمية المستبدين الصغار والمستبد الكبير الذي يتربع على قمة هرم الاستبداد، حسب وصف الكواكبي، ولم نكن نجرؤ على تسمية المتسلطين والفاسدين والمنحطين أخلاقياً بأسمائهم”.

بالطبع سيكون الجواب على هذا: هاتِ لي مستبداً مثل ديغول كي أتصرّف مثل سارتر.

نقد الثقافة وأخلاق العبيد

يعود الحديث من جديد، إلى الصدمة من اختلاط المثقف بالسياسي، والعلاقة بينهما، يقول الجباعي “ليس للنخبة السورية المثقفة أيّ دور مختلف عن الدور الذي تقوم به اليوم، ما لم تستقل الثقافة عن السياسة، والمثقف عن السياسي، وتعود الأمور إلى نصابها حيث يعود المثقف أستاذاً للسياسي، لتحرير السياسة من الجهل، وتحرير الثقافة من الشطارة، ووضع للأيديولوجيا التي التهمت الثقافة، وتعرية المثقف الذي يلعب بالبيضة والحجر، ويقدم خدماته، غير مشكور، لمن هو أدنى منه معرفياً وأخلاقياً. التبعية هي التبعية، سواء كانت لقوى التسلط المحلية أم لقوى إقليمية ودولية. وظيفة المثقف الحر هي مناهضة التبعية، وهذه اسم آخر للعبودية.

العبد، حسب أرسطو، هو من ضعفت روحه وقلت حيلته، فأتبع نفسه لغيره. يجب أن يفتح في سوريا ملف ثقافة العبيد وأخلاق العبيد”، في العام 2005 كتبت مقالاً بعنوان “أخلاق العبيد في سوريا الحديثة” وانتشر بشكل واسع، وكنت أطرح فيه أن تلك الثقافة المذهلة التي كانت تضخ طيلة عقود ، “كان يراد منها إبعاد نفس السيادة الذي هو حق إنساني عام من حقوق المواطنة (أن تكون سيداً في وطنك كمواطن عادي) وترسيخ فكرة العبودية والانصياع، ليصبح كل سمع طاعة وكل أمر هو قادم من سماء القيادة المتفردة.

ما تشاهده في سوريا لا يمكن وصفه بالكلمات، حشود من السائرين في عمائهم ينخرطون جيلاً إثر جيل في جلجلة العبودية إياها، مكبلين بآلاف القيود. وما يجعل الأمر مستفزاً لشراسة العقل هو استمتاعهم بمسارهم ذاك، وتلذذهم بليّ الأعناق للمعبود، هذا لم يكن عبثياً ولكنه مدروس وقصدي وتم الاشتغال بتأسيسه لسنوات طوال، اليوم تعثر على هؤلاء، تصطدم بهم وأنت تمشي في الصالحية أو في أزقة القشلة أو طالع الفضة، وحين تغادر إلى حلب أو الجزيرة أو دير الزور واللاذقية وحمص وحماة وكل مكان في الأرض الملعونة، ملايين عوّدتهم الآلهة العظمى في الأعالي على أن لا يطلبوا المزيد كي لا تعاجلهم السياط والسجون والنفي والتعذيب والإقصاء، ملايين ألفوا أن يلمّوا الفتات من على موائد الشبيحة (الكبار) عرفوا كيف يقومون بدور العبيد، حتى أنهم ليسوا انتهازيين وليست لديهم أيّ أفكار عن حيل ما سيلتفون بها من خلف ظهور آلهتهم، إنهم مستغرقون، مستجيبون أوتوماتيكياً، ميتافيزيقياً، الولاء للسيد، ولكن من هو السيد؟ وكيف يميزون بين سيد وعبد؟ لا أحد يفكر في سؤال كهذا، ولا يشغلون بالهم بالتمييز أصلاً لأنهم عرفوا أنه لا يمكن العيش على الأرض هنا إلا كعبيد، الأمثلة كثيرة ومثيرة ومشوقة. فقد أمّم الإصلاح الزراعي أراضي الشيخ عبدالعزيز المسلط شيخ عشائر الجبور في سوريا سارع الفلاحون إلى إعادة تلك الأراضي لسيدهم وحرّموا على أنفسهم ضرب شبر منها بالمحراث لأنها أرض يملكها الشيخ”.

في النهاية يظهر المفكر السوري جادالكريم الجباعي، منحازاً للثقافة الشعبية، ضد الثقافة والمعارضة والنظام، لكن ما جدوى المفكرين الذين يعزفون أنغاماً تطرب العامّة

أعيد التذكير بذلك المقال، ليس لأهميته، ولكن لأنه كتب وأنا في دمشق، مستخدماً التعبير ذاته “أخلاق العبيد” في وصف ظواهر الجمهور السوري آنذاك، الجمهور ومن الأسئلة التي طرحتها في ذاك المقال وغيره في تلك الفترة، كان السؤال “لماذا اختارت الجماهير العريضة الانخراط في الفساد بدلاً عن الاحتجاج عليه؟”.

هنا لا بد من التذكير والربط بين سمّاه الجباعي “الثقافة الشعبية” ومعه أيضاً “أخلاق العبيد”، ومعهما ذلك الرجم الذي يقوم به المفكرون تجاه الثقافة، بمشاركة العامّة، الذي يطيب لهم جلد المثقفين انتقاماً كلما ضغط عليهم السلطان، ليصبح المثقف طريدة لهؤلاء جميعاً وكأنما هو المتسبب بتدهور البلاد وأحوال العباد، والحق أن المثقف ليس بريئاً تماماً، لكنه لم يملك ما يكفي من السلطة والقدرة على التأثير حيث يخوّل هذا محاكمته من قبل الآخرين، ولعله من المفيد التذكير بأن قادة التدهور لم يكونوا سوى مفكرين ومثقفين، من ميشيل عفلق إلى أكرم الحوراني ومصطفى السباعي وسيد قطب وصلاح الدين البيطار وحافظ الأسد وصدام حسين ومعمر القذافي وآخرين.

أما “انتظامات المجتمع المدني”، فلا يمكن أن تقوم دون تقدير دور المثقف وإعادة الاعتبار له وليس برجمه، لأن المنظمات المدنية والنقابات التي نشأت في سياق الثورات، برهنت على أنها غير قادرة على وضع رؤية واضحة، بسبب غياب الثقافي عن التنظيمي.

في النهاية يظهر المفكر السوري جادالكريم الجباعي، منحازاً للثقافة الشعبية، ضد الثقافة والمعارضة والنظام، لكن ما جدوى المفكرين الذين يعزفون أنغاماً تطرب العامّة، فعملهم الأساسي هو القطع مع مستوى العامة المعرفي وليس الانبثاق عنهم، فالتاريخ ليس برلماناً ليكون المفكرون أعضاء فيه، بل هم الخيمة الكبرى التي يستظل بأفيائها الجميع.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا