السيرك والبهلوان

نادرا ما طرحت إحدى الممارسات الثقافية مثل هذا القدر الهائل من القضايا والإشكالات التي استنهضها مبحث الترجمة نظريا وعمليا. ولعل ذلك على الأرجح أن يكون دليلا على الدينامية الاستثنائية التي تتميز بها ممارسة تعود إلى ليل الأزمنة الأولى، ورافقت الإنسان في كل خطوة يخطوها نحو المستقبل الذي ظل وما يزال يواصل حكمه عليه بحتمية التواصل وضرورة التبادل والتعايش مع أبناء جلدته فوق هذه البسيطة.

الجديد  حسن بحراوي [نُشر في 01/05/2015، العدد: 4، ص(140)]

رسمة لنور السيف
على أن هذه المشكلات، التي يبدو أن لها بداية معلومة ولكن ليست لها نهاية منظورة، قد وجدت طريقها السالك إلى احتلال مكانها ضمن انشغالات وهواجس الإنسان بكل التلقائية المعهودة في كائن ألِف العيش على حافة التردد والمراوحة واستبدال الأولويات وتجاوز لحظات التأزم والالتباس.

ولو شئنا إحصاء هذه اللحظات والوقوف عليها أولا بأول لأعيانا العد ولَما انتهينا منها إلى قرار. ولذلك لا يبقى أمامنا سوى محاولة الإمساك بأكثرها أهمية، أي أعمقها دلالة على تلك الدينامية التي عاشت الترجمة على إيقاعها، وتقلبت في أطوارها سلبا وإيجابا، وصدرت عنها في جميع أشكالها وتمظهراتها.

وربما كان من أبرز ما يستوقفنا منها تلك الثنائيات الإشكالية التي لازمت طرح نفسها على ممارسي الترجمة ومنظريها، وذلك منذ أن حصل الوعي الجنيني والحدسي تقريبا بمشاكلها والذي قاد مع مرور الوقت إلى نشوء وتبلور تفكير منهجي، بهذا القدر أو ذاك، بصدد الأزواج الجدلية من قبيل (الإمكان/الاستحالة)، (الأمانة/الخيانة)، (الوفاء/الحرية)، (الذات/الآخر)، (النقل/التملك)، (الإنتاج/إعادة الإنتاج)، (الفن/العلم)، (الأصل/النسخة)، (الوطني/الأجنبي)، (المؤلف/المترجم)، (الترجمة الحرفية/الترجمة الحرة)، (لغة الانطلاق/لغة الوصول)..إلخ

ويمكننا تفسير هذا الازدهار الذي شهدته هذه الثنائيات، ذات المظهر الديالكتيكي والإشكالي الذي لا تخطئه العين، بالرجوع إلى نوعية النسيج الذي تعمل عليه الترجمة تحديدا، وهو المشَكّل من الفنون والآداب وخلافهما من أنماط الإنتاج الذهني التي لا تتأسس على المطلقات، ولكنها تقوم على الوقائع النسبية والأشكال الرمزية غير المتجانسة حتما، والتي يكون منشؤها في نفس الوقت أخلاقيا وتاريخيا.

ومن هنا مصدر الخلاف الدائم بشأن الطبيعة “الخالصة” للترجمة الذي بلبل أذهان المتدخلين في الموضوع، وجعلهم في نزاع مستمر بصدد الطريقة التي ينبغي، أو لا ينبغي، أن يأخذ بها المترجم عند مباشرته عملية تحويل النص الأجنبي، والضمانات التي يوفرها هذا الأسلوب في الترجمة أو ذاك، وبصدد النتائج أو العواقب التي تنجم عن التزام هذا المنهج دون غيره في العمل.

على أن هذا النقاش العام والمتواصل لم يكن يسفر، كما هو الشأن في كل نقاش بيزنطي، عن غالب ولا مغلوب. كما أنه لم يكن يصل إلى نتيجة أو تسوية تُرضي جميع الأطراف. وهذا، مرة أخرى، علامة على حيوية وعنفوان الترجمة، وليس نقيصة متأصلة فيها.

وإذا نحن سعينا إلى تأمل مسار هذا النقاش، ونظرنا بالأخص في المآل الذي كان يصير إليه في كل مرة، تأكد لدينا أن أمده سيطول أكثر مما استطال حتى الآن، وأنه لابد سيثمر مجادلات أخرى، مركزية وهامشية، طالما ظلت الترجمة قائمة ضمن حدودها الملتبسة ولكن المنتجة لعدد متزايد من الأسئلة والإشكالات.

ولعل في مقدمة ذلك سؤال علاقة الحرية بالأمانة. فليست الحرية في الترجمة، كما فُهمت غالبا، نقيضا للأمانة. ذلك أن ممارسة المترجم لحريته في إيجاد المعادل الدلالي والعاطفي للأصل هي جزء من الوفاء لموضوع الترجمة وجوهرها.

وفي هذا السياق، علينا أن نطرح جملة من الأسئلة: ما هي درجة حرية المترجم إزاء المؤلف الأجنبي؟ وما هي طبيعة الوفاء الذي يجب أن يدين به له؟ وما هي نتيجة الأمانة المفرطة للأصل بالنسبة للقارئ؟

إنها لن تفيده قطعا إذا ما كانت ستنبثق عنها ترجمة حرفية غير شفافة، أي فاقدة المقروئية. كما أن الحرية المفرطة تجاه الأصل لن تنتج سوى نسخة بعيدة الشبه بذلك الأصل.. والحال أن واجب المترجم أن يحمل قارئه على الفهم والإحساس بالنص الأجنبي كما فهمه وأحسه قارئه الأصلي.

وفي الجملة، فإن حصة الحرية والأمانة تتغير بحسب نوعية وطريقة الترجمة، وربما حتى ضمن النوع الواحد نفسه. وما يقود المترجم في اختياره هذه الطريقة أو تلك يجب أن يستلهمه من هدف النص الأصلي ووظيفته القائمة فيه، أي أنه يكون عليه قبل الشروع في الترجمة أن يطرح على نفسه السؤالين التاليين: ما الهدف الذي أترجمُ من أجله؟ ومن هو القارئ الذي أتوجه إليه؟

والإجابة عن هذين السؤالين هي التي سوف ترشده في متاهته، وتجنبه السقوط في الشراك المنصوبة له عند كل منعطف.

ومن بين هذه الشراك مثلا، أن القول باستحالة ترجمة بعض النصوص، بسبب خصائصها الأسلوبية والمجازية، أو بسبب إكراهات ثقافية أو حضارية، لا ينبغي أن يؤدي، مثلما أدى عند الكثيرين، إلى تعميم فكرة عدم إمكان الترجمة على وجه الإطلاق.

فإذا فهمنا بأن المدخل إلى كل عملية ترجمية هو تحقيق تلك الجدلية بين الذات والآخر، بين الأصل والنسخة، اتضح أن المطلوب من المترجم ليس هو المطابقة التامة بين النصين، وإنما هو إيجاد المقابل، الوظيفي والتعبيري، لما هو قائم في الأصل مع ما يفترضه ذلك من تحويل وخرق وانزياح يكون هو ثمن الإمكان.

وباتخاذ هذا الفهم النسبي، يكون معيار الترجمة هو مقروئيتها، أي انتقالها بكامل السلاسة إلى متلقيها الجديد عن طريق سعي المترجم إلى إطلاع قارئه على العالم الداخلي لذلك الأصل الذي تكون الترجمة قد حلت محله، وخصوصا جعله يشعر بنفس التأثير الذي يكون قد أحدثه النص عند قرّائه الأصليين باستعمال وسائل مشابهة قدر الإمكان.

وسوف يترتب عن ذلك فقدان المترجم لحقه، غير العائد إليه، في التدخل لتعديل مضمون الأصل أو تحريف شكله بدعوى الرغبة في تجنيسه أو تكييفه مع أوفاق البنية المستقبلة، أو لتجنيب القارئ الجديد مصاعب في الفهم، تعبيرية أو دلالية، يتوقعها.

إن الإشكال القديم، الذي ما انفك يزداد راهنية مع تعاقب الأزمنة، هو ذلك الذي يمكن صياغته في السؤال التالي: إلى أيّ حد يكون المترجم حرا في التصرف في النص الأجنبي الذي يقوم بترجمته؟ وبعبارة أخرى: أين تنتهي الحرية الخلاقة ويبدأ إطلاق اليد في أعمال الغير؟ أي أين تنتهي الأخلاق وتبدأ الفضيحة؟

وهنا نجد أنفسنا في صلب المسألة الأخلاقية التي تثيرها الترجمة، والتي لم تجد حتى الآن حلّها الشعري والتاريخي. على أن مفهوم الأخلاق هنا لا يتضمن أي طابع طهراني وإنما يسير في اتجاه الصيغة المبدئية التي تؤكد على جسامة مسؤولية المترجم.

فإذا كانت الترجمة الحرفية مثلا تظل ملتصقة بالأصل الأجنبي الذي تنطلق منه، فتتابعه خطوة خطوة من حيث الألفاظ والعبارات فإنها تنتهي بالإخفاق في نقل الأهم، أي روح النص وجوهره الإبداعي والجمالي الذي يكمن في مكان ما خارج البناء اللغوي والتركيبي. ويكون نقصان حصة الحرية عندئذ هو المسؤول عن تعثر فهم الترجمة وعائقا أمام الاقتراب من بعدها الدلالي والرمزي.

أما عندما تكون الترجمة “حرة”، وتتخذ من النص الأجنبي ذريعة لإنتاج نص مستقل يتماثل من بعيد مع الأصل الذي انطلقت منه، بما يعنيه ذلك من تضحية بالجزئيات التعبيرية والدلالية ذات الأهمية، فإن ذلك يكون دليلا على أن حصة الحرية التي استعملها المترجم جاوزت حدها المعقول فانقلبت، كما يقال، إلى ضدها، أي إلى جوازات بل تجاوزات.

وهكذا، فإن كل ترجمة لا تبعد عن كونها نقلا حرفيا أو حرا للأصل الأجنبي. وهذا الاختيار الذي يقوم به المترجم يكون ناتجا عن إكراه بقدر ما هو تأكيد لحرية واختيار.

وفي الحالة الأولى يكون المترجم مكرها على المحافظة للأصل على بعض “أجنبيّته”، أي لا يذهب بعيدا في توطينه أو تكييفه لتلك الدرجة التي يفقد فيها ملامحه الأصلية ويصبح مسوخا لا حياة فيه.

وفي الحالة الثانية يسعى المترجم إلى تملك النص بإعادة إبداعه من جديد، لكنه يحذر من الاستغراق في ذلك إلى حد تشويه صورته وإلغاء خصوصيته. ذلك أنه لا بد له من احترام رغبة المالك الحقيقي للنص والخضوع لإرادته، أي أن يمتثل للهدف الذي رسمه لعمله وللطريقة التي اختارها لبلوغ ذلك الهدف.

والنتيجة التي نصل إليها عبر تأمل هذا الإشكال الشائك هي أنه ليس بوسع النص المترجم أبدا أن يعوّض النص الأصلي، فمهما حاولت الترجمة أن تصون خصائصه عن طريق النقل الحرفي، أو تعمل على تملكه بإعادة إنتاجه شكليا وإبداعيا، فإن الأصل يظل حاضرا على الدوام بهذه الطريقة أو تلك، ويواصل تحديد الأهداف وإملاء الاختيارات على أجيال المترجمين.ومن هنا فالترجمة تبقى، على نحو جوهري، خطاب إكراه وفي أحسن الأحوال خطاب تسوية.

إن مأزق الترجمة، الذي هو أيضا رهان المترجم، هو البقاء قريبا من الأصل للمحافظة على سياقه ودلالته ما وسعه ذلك، وفي نفس الوقت الذهاب بعيدا عنه لتمكينه من الانغراس في تربته الجديدة ولقاء قرائه الجدد.

وهنا، تكون الترجمة بمثابة حلبة سيرك، ويكون المترجم شبيها ببهلوان يعبر على حبل معلق بين السماء والأرض. وتلك وضعية لن يحسده أحد عليها في جميع الأحوال.


كاتب من المغرب