حجارة الآخرين

الجديد  باسم الباشا [نُشر في 01/05/2015، العدد: 4، ص(145)]

بون مدينة صغيرة كانت عاصمة يومًا ما، وكان هاينريش بول يقول عنها “إنها مدينة صغيرة لا تحتمل أن يُطلب منها الكثير ويطلبون منها كثيرًا”. ما عادت بون عاصمة واستعادت برلين مكانتها، وهي تنام الآن هادئة وبمقدور سكانها زيارة المتاحف بكل راحة.

عُرضت في صالات “بونديسكونتال” ولأشهر مديدة جانب من المنحوتات الأثرية واللقى العائدة إلى موقع “تل حلف” الذي اكتشفه بالمصادفة “ماكس فون أوبينهايم” في شمال سوريا، بالقرب من الحدود مع تركيا.

كان “أوبينهايم” من مدينة “كيولن” وكان شخصًا غرائبيًا. كان ابنًا لموظّف في مصرف وأبدى اهتمامًا بالآثار والفنون. درس اللغة العربية ووضع كتابًا حول البدو. لكن حلمه في أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي لم يتحقّق.

عمل في الحرب العالمية الأولى جاسوسًا إلى جانب لورانس العرب بصفته الألماني “فيلهلم فاسموس“، وتسنّى له اكتشاف أحد أهمّ المواقع الأثرية في منطقة شمال سوريا، فقد عادت “تل حلف” إلى الوجود على يده بينما كان يعمل على إنشاء الخط الحديدي الذي يربط برلين ببغداد.

المعرض فريد لأن المعروضات ستغيب عن الأنظار إحدى عشرة سنة، وهو الزمن المقدّر لإتمام ترميمها. الانطباع الأول قد يكون مخادعًا، فما قد تبدو كمجموعة تقليدية لمغامر عاش في أوائل القرن العشرين وجمع ما تيسّر له خلال رحلاته في مصر وسوريا آنذاك (الأردن وفلسطين ولبنان وسوريا)، تكشف فجأة عن أسرارها. نشهد القصة العجائبية والمحزنة لتلك الحجارة.

كان “أوبينهايم” مسحورًا بإحدى المنحوتات المكتشفة والتي كانت في حال من الحفظ حسنة، وهي منحوتة تمثّل فينوس (أو عشتار)، ارتفاعها قرابة المترين وكانت تقف على قبر. وإلى جانب هذه كانت هناك أخريات تمثّل رجالاً ملتحين يرتدون الملابس الفاخرة وحيوانات عظيمة الحجم بينها أسود وبقر ونسوة تشترك بالجسد مع أشكال حيوانية، كما أخريات تمزج بين الرجل والطير والعقرب. إلى جانب كلّ هذا كان الموقع منجمًا للحجارة المنقوشة بشتى الزخارف والأواني والأختام والمصاغ.

مادة تلك المنحوتات هي حجر البازلت البركاني الأسود.

قصة نهب تلك الآثار يكتنفها الغموض، فمتاحف اللوفر والمتحف البريطاني والبيرغامون تضمّ في مجموعاتها أعدادًا كبيرة من الآثار المسروقة من جغرافيات شتى.

لكن الساخر في قصة آثار “تل حلف” هو مصيرها المأساوي.

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى تزايدت المعارك بين فرنسا والإمبراطورية العثمانية، وقد سمحت السلطات الفرنسية للجاسوس العامل بالتنقيب بنقل ثلثي ما كشف عنه. ما إن انتقلت المجموعة إلى برلين أصرّ “أوبينهايم” على ضمّ ما جلبه إلى المجموعات التي تحظى بها جزيرة المتاحف حيث يقع البيرغامون، لكن السلطات رفضت عرضه وقدّمت له مخزنًا ليؤسّس به متحف “تل حلف”.

مرّت السنوات وراحت الأوضاع في أوروبا تزداد توتّرًا إلى أن اندلعت الحرب الثانية وبدأ القصف.

أُصيب المخزن في إحدى الغارات بقذائف فوسفورية أحدثت حريقًا هائلاً، ومع سعي رجال الإطفاء إخماد النيران بالمياه تسبّب الفارق الحراري والتضاد بين برودة الماء والحرارة المرتفعة للحجر بتفتّت هذا هشيمًا لتغدو تلك الآثار القيّمة ركامًا من الشظايا.

يقدّر عدد شظايا المنحوتات بسبع وعشرين ألف قطعة.

دُمّر المخزن بالكامل، لكنهم نقلوا حطام الآثار إلى أقبية البيرغامون حيث مكثت سبعين سنة.

تقسيم ألمانيا جعل من أيّ محاولة لاستعادة ما يُمكن سعيًا مستحيلاً، فألمانيا الديمقراطية، التي وقعت المتاحف في حيز سيطرتها، كانت تعتبر أن حطام تلك الآثار لا تخصّها، وألمانيا الاتحادية اعتبرتها آثارًا ضائعة.

كان لا بدّ من الانتظار لغاية توحيد ألمانيا ليبدأ السعي لترميم ذلك الحطام.

نسّقوا فوق ما يزيد عن ثلاثمئة حامل خشبي آلاف القطع، فكل منحوتة استحالت قرابة الألف شظية.

تمّ ترميم بعض المنحوتات، ولولا العمل المضني والدقيق لما استعدنا تلك الآثار الرائعة. لكن لون البازلت الأسود بات رماديًا تتخلّله بقع بنّية.

مات “أوبينهايم” سنة 1946 ووضعوا على قبره نسخة من تمثال عشتار التي أحبّها.

واضح أن الحجارة تبقى من بعدنا، حتى وإن تغيّرت ألوانها.


سينمائي سوري مقيم في مدريد