تمظهرات الواقع والسّياق

العالم، الواقع، السّياق، مصطلحات حبلت بها الدراسات الفلسفية بشقّيها: المثالي والمادي، وكأنّها تحديدات تستعمل للحديث عن الفضاء الذي يشمل الإنسان، والذي يكوّن مادّته ومعرفته وقيمه، فتنقلب إليه المعرفة والعلم في محاولات تعريفه وتحديده وإسباغ المعاني عليه، وجعله امتداداً للذّات تجسّد فيه فعلها وحريتها ومشروعها، أو تتّخذه مرتكزاً لترتقي منه إلى عوالم الإشراق والصّفاء والكمال، أو هو علامة على تكدّر الذّات ودنسها وثقلها.

الجديد  حبيب مونسي [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(30)]

لوحة: حسين جمعان
مهما يكن فإنّ التّحديدات التي أفرزتها المثالية والمادية تتّسم بالتدابر والتناحر، ولا همّ لها إلاّ هدم تصورات خصمها دون أن تكون عندها رغبة البناء والتكامل، أو تأخذ طريقا وسطا بين غلواء هذا ووضعية ذاك، كالذين رأوا فيه “شيئا” يصنع تباعاً، تحققّه عبقرية البناء التربوي كالذي نجده عند “غارودي” “R.GARAUDY” في قوله "ليس هناك تربية أكثر ثورية من تعليم الأطفال أو الرّجال، إنّ العالم ليس حقيقة مكتملة جاهزة ‘معطاة’ ولكنّه أثر للإبداع" ([1]).

ثم يضيف قائلا “ليس الأثر الإبداعي الكبير ‘انعكاساً’ لحقيقة واقعية موجودة قبلا، ولكنّه قبل كلّ شيء "مشروع" لعالم على وشك الميلاد، وبذلك يكون الأثر مشاركة للإبداع المستمر للمستقبل” ([2]).

إنّ ما نلمحه في شهادة “غارودي” – وهو يكتب وصيته الفلسفية (*) الإشارة من طرف خفي إلى موقف ثان يجعل الإبداع الفني انعكاساً مرآوياً للواقع المادي، وتعريضاً بنظرية سكنت عقول المفكرين لأزمنة متلاحقة تفسر الإبداع انطلاقاً من المحاكاة البسيطة (**) وما اعتور نظرية الانعكاس من تفسير وتبرير، وهي مقولات ترتكز في تبريراتها الفلسفية على نظريات الوجود والماهية التي رتّبها أفلاطون من قبل في ثلاث دوائر:

- دائرة المثل: وتتكون من المدركات العقلية.

- دائرة المحسوس: وكل ما فيها تقليد للعالم الأول، وهو تقليد باهت ناقص.

- دائرة الفنون: وهو صورة باهتة عن الدائرة الثانية. ومنه كان الفن بعيدا عن الحقيقة بخطوتين.

وإذا كانت نظرية المحاكاة قد انطلقت من هذا التصور، فإنّها استمرت في الاتجاه المادي لتكون محاكاة للعالم المحسوس، على أنّه هو “المثال”. وعن هذا الفهم تفصّدت نظرية الانعكاس عند الواقعيين والاشتراكيين..

1.5. الواقع: المعطى والمدرك:

إنّ أول ملاحظة نسجلها في هذا الباب، هي “التّعدد” “Pluralité”. ومردّ ذلك، أنّ العالم والواقع – وسنوحّد بينهما للدرس فقط- ليس واحداً وإنّما هو متعدّد. ويسلّم العلم بأن العالم عالمان: الأول موضوعي واحد، يوجد خارج الإدراك، فهو قائم بقوانينه الخاصة، ويتطور وقف نواميسه، ولا يزعجه تعاقب الأجيال عليه. وعالم يتأكد بواسطة الإدراك الفردي والجماعي. ومن هنا كان تعدّده بحسب المدركين له، سواء أكان الإدراك شاملا واسعاً ترفده معرفة متقدّمة، أو كان إدراكا سطحياً باهتا لا يقدم صورة واضحة لصاحبه. يقول “إكْلَسْ” “ECCLES” -وهو أشهر تلامذة “تشارلز شرنجتون” “CH.Sherington” مؤسس علم فسيولوجيا الأعصاب – إنّ كل ملاحظاتنا عمّا نسميه العالم المادي “تعتمد على خبراتنا الخاصة، إذ نعرف هذا العالم أولا بإدراك حسيّ، وهذا العالم كما ندركه هو صورتنا الرمزية للعالم الموضوعي المستقل عناّ. ولا يطعن ذلك في موضوعية معرفتنا العلمية، ذلك لأنّه حين يكون إدراكي سليماً يتّفق مع إدراكات الآخرين، وتقاريرنا الذاتية يفهمها الآخرون لأنّهم يكابدون خبرات مشابهة” ([3]). لقد جعل "إكلس" إدراكنا الشخصي صورة رمزية – وحسب – للعالم الموضوعي، لأنّ العالم الموضوعي “معطى كليّ” يتعذّر على الإدراك الفردي الإحاطة به. وقد عجز العلم عن ذلك عجزاً صريحاً. بيد أنّ المعيار الذي يسجله "إكلس" لسلامة الإدراك هو “الاتفاق” مع وجهات النظر الأخرى، والتي تؤطّرها المرجعية الواحدة، والثقافة المشتركة، والدين والجنس والتاريخ.. وهي حيثيات تعمل على توطيد الجماعة وتوحيد رؤيتها للعالم، غير أنّها أطر فضفاضة ذات مفاهيم رجراجة تساعد على التّعدّد والتلوّن.

إنّ النتيجة الأولى التي تفرزها هذه الشهادة، هي أنّ العالم عالمان: مدرك ومعطى. إنّ العالم المدرك يؤلّفه العقل اعتماداً على الإحساس، والمعارف، والذكريات، إنّه يستمر من الماضي إلى الحاضر صوب المستقبل عامراً بالأحاسيس والعواطف.. إنّه ذو صبغة فردية.. وهي نتيجة يساندها العلم، ما دام العالم المعطى لا يتوقف وجوداً عند فساد الذات وتعطلها وإنّما يستمر وفق سننه وقوانينه، وذلك ما يدحض دعاوى مفكري مادية العالم، وجعله محصوراً في نطاق الفكر فقط، وعلى رأسهم “باركلى” (BARKLEY- 1753-1685) الذي يرى أنّ “كلّ الأجسام التي تؤلف النظام المحكم لعالمنا لا توجد خارج الفكر، إنّ وجودها هو إدراكها أو معرفتها، ومن ثمّة فهي عندما لا أدركها فعلا (مثلا عندما لا أنظر إليها أو عندما أنام) أو عندما لا توجد في فكري أو في فكر مخلوق آخر. يجب أن لا يكون لها أي وجود” ([4]). ولا شك أنّ مثل هذا الزعم يعطي للذات أولوية على العالم، ويجعلها المركز الذي يؤول إليه إيجاد كل موجود. وقد وصفه كانط “بالتصويرية الذاتية” مدركا أنّه يجعل المدركات الذاتية لكل فرد على حدة، والتي يتعذر بعد ذلك الخروج منها إلى حقيقة موضوعية.

لقد استمر هذا الفهم إلى القرن العشرين وحققته “الشّخصانية” في اعتبار “الشخص” مقياس كل شيء. إنّ التصورية الذاتية تعدّد أنماط القراءة للوجود، وتجعلها بعدد الذوات، دون أن تستقر على حال، ودون أن تؤسس قاعدة. وفيها – زيادة على التّعدد – هدما صراحا للمعيار والقيمة العلوية. وإذا عدنا إلى تعريف "إكلس"، ألفينا فهما جديدا للواقع يقوم على مفهوم الجدلية، مادام الواقع “في جملته ليس إلاّ محصلة لجميع العلاقات المتشابكة بين الذات والموضوع، لا الماضية فحسب وإنّما المستقبلية أيضا، ولا ينحصر في الأحداث الخارجية وحدها، وإنّما يشمل أيضا التجارب الذاتية والأحلام والنبوءات والعواطف والأخيلة” ([5]) وبذلك يتّسع الواقع عند “أرنست فيشر” “E. FISHER” ليكوّن جملة العلاقات القائمة بين الذات والموضوع، سواء ما كان منها متوقفا على الظاهر أو ما كان وقفا على الباطن. وجملة العلاقات هي الحياة التي يحياها الفرد والتي يمتدّ من خلالها إلى الماضي تاريخا وحضارة، ويستمر إلى المستقبل مشروعا. وكلّ فهم تستخلصه الذات من العالم يعود إليه في شكل أفعال وعواطف وأخيلة هو "الواقع". والحاصل أنّ العملية الإبداعية هي جدل بين الواقع والخيال ضرورة، لذلك يعتبر ” فيشر” ساحرات “شكسبير” و”جويا” “L.GOYA” أكثر واقعية من معظم الفلاحين والصنّاع المثاليين في اللوحات التقليدية، ويرى في سريالية “غوغول” و”كافكا” أكثر صلة بالواقع من كثير من الأوصاف الواقعية. فالواقع -إذن- إدراك من لون خاص: إنّه جدل بين الذات والموضوع على مستوى الظاهر والباطن.

لقد استمر هذا الفهم إلى أن صار أصلا في بناء البنيوية التكوينية في تأكيدها على “رؤية العالم”، لأنّنا إذا ركّزنا الضوء “على الجانب الشخصي في رؤية الإنسان للعلم، وجدنا أنّها لا تشمل معتقداته وتصوراته عن الحياة فحسب، وإنّما تشمل أيضاً مشاعره ومصالحه النابعة من موقفه” ([6]). فهي ليست مجرد صيغة نظرية ذات طابع فلسفي أو أخلاقي، وإنّما هي قبل كل شيء ذلك الوعي العاطفي المباشر والشامل لمختلف مظاهر الحياة الاجتماعية، الأمر الذي جعلها تعتبر “رؤية العالم” ومدى احتفال الأثر الفني بها، معياراً للجودة في الإبداع الفني.

2.5. الواقع: الممكن الاشتراكي:

لقد حدّد ” أندريه شدانوف” مدير تنظيم الحزب في لنيننغراد، في المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفييت عالم 1934، والذي أُعلن فيه عن ميلاد “الواقعية الاشتراكية” الواقع الذي تعنيه هذه الحركة قائلا “معناه أولا: معرفة الحياة، لا بطريقة أرسطية ميّتة، ولا ببساطة كواقع موضوعي، إنّما كواقع ينمو ويتطور ثورياً. ولهذا لا بد أن يرتبط العَرض الفني الأمين للواقع وللتاريخ بمهمة التربية الأيديولوجية للإنسان العامل، وصياغته بروح اشتراكية” ([7]). وفيه نلحظ تحولا في فهم ثنائية العالم: معطى/مدرك، وكأنّ المعسكر الاشتراكي يتخلى عن العالم الموضوعي ليلتفت إلى العالم المدرك وتثويره بالتربية الأيديولوجية، ورفض نمط من الفكر لم يعد صالحاً لإدراك العالم (*). وكأنّ الاشتراكية تريد أن يكون الواقع مجالا للعمل فقط وتحقيق النبوءة الشيوعية، ويتحوّل الإبداع الفني أداة كالفأس والمطرقة، ما دام الغرض من ورائه تغيير العالم وتوجيهه. فالفنان يسعى -انطلاقا من رؤيته الخاصة – إلى كشف القوى المحركة للمجتمع وتحليل عيوبها وإرشادها إلى الهدف المنشود.

لقد سعى منظّر الواقعية الاشتراكية -“لوكاتش” “G.lukacs” إلى البحث عن التطابق بين الإبداع والضمير الجماعي، لا على مستوى المضامين الفنية، وإنّما على مستوى القيم والبنيات التركيبية في كل منهما، وكأنّ آية كمال الفن عنده تتجلى من خلال هذا التطابق، فيكون الفن مجسداً لرؤية “الممكن” التي يطمح إليها الواقع والمجتمع. فالفنان حسب “غولدمان” ” L.GOLDMAN” يقف بين وعيين: وعي قائم، ووعي ممكن، وتتجلى عبقرية الفن في التدرج من الكائن إلى الممكن و”بقدر ما يستطيع العمل أن يحقّق أعلى درجة من التماسك المميّز يصبح عملاً هاماً، ذا وحدة داخلية أشدّ خصوبة في دراسة اجتماعية الأدب” ([8]).

3.5. الواقع: المشروع الوجودي:

إذا كانت الواقعية الاشتراكية تقف على أرضية صلبة في تحديدها للواقع والوجود، فإنّ الوجوديات تتفاوت يقينا في تحديدها للواقع، ومن ثمة تعريفها للإنسان والوجود. وقد بدأ التّطرف منذ نهاية القرن التاسع عشر حين اعتبر «هيدغر» «M.HEIDEGGER» الوجود هو الإنسان وحده، والإنسان يوجد أساساً في قلق. والوجود عنده كما هو عند “كيركغارد” “S.KIERKEGAARD ” – تجاوز أو مفارقة، لأننّا نعيش في زمن «أعني أنّنا دائما ندبّر مشروعات للمستقبل، ونعيش سلفاً ومقدماً عن أنفسنا ولكن في العالم نفسه، أعني في صلة واتحاد بالأشياء والموجودات الأخرى” ([9]). فالوجود عنده تجاوز مستمر نحو المستقبل وهو بالضبط «ما سيكون» لذلك فهو زمن القلق تجاه الإمكانات والاحتمالات. وتزداد حدّة الإمكانات لأنّها قائمة على اختيار الفرد من قبل.

لم تختلف مقولات الوجودية عما أبداه “هيدغر” وإن عمّقت الفكرة وبنت عليها الوجودية رؤيتها الخاصة للواقع والذوات والأشياء، ونبذت وراءها ظهرياً تقاليد الفكر الفلسفي الذي تعلّق طويلا بفكرة الوجود المطلق، والمعرفة بالتصورات والماهيات. واتجهت إلى هذا الوجود المشخّص الفردي الواقعي الذي يتجلى في قلق ” هيدغر” ويأس ” ياسبرس" والشعور بالخطيئة عند ” كيركغارد”، والذي يتحدّد بالتجاوز والزمنية. إنّها نقطة تلاق بين التصورات الذاتية والواقع المادي الوضعي، ومنه كانت الوجودية ملحدة، وكانت أخرى (مؤمنة) ولكنّه الإيمان القائم على التّصور الذاتي للإله.

لقد اكتنزت مصطلحات الوجودية كثيراً من رؤاها الفكرية ومواقفها الوجدانية، يمكن تتبّعها من خلال مصطلحاتها الأكثر شيوعاً وهي: القلق، الإهمال، اليأس، الالتزام.

• القلق: ناتج عن المسؤولية، يقول سارتر “إنّ الجبان مسؤول عن جبنه، فهو ليس جباناً بسبب قلبه أو مخه، أو أي جهاز فيزيولوجي يحتّم الجبن، وإنّما هو جبان لأنّه كَوَّن ذاته جباناً بأفعاله.. فالجبان يعرف بأفعاله” ([10]). ومن هذا الموقف يتولد القلق لدى الجبان ولدى كلّ من يختار لنفسه، لأنّه يحمل على عاتقه مسؤولية اختياره. ولا يقدم «سارتر» صورة الجبان إلا لكونها تمثل نمط المسؤولية المترتبة على السلوك الفردي. وهناك قلق ينتاب كلّ مسؤولية تلزم صاحبها توجيه الناس وقيادتهم..

• الإهمال: عندما لا توجد «ألوهية» تفرض شريعتها وقيمها، وعندما يترك الناس لشأنهم فهم يخترعون قيمهم كيفما شاءوا. وقد كتب “دستويفسكي” “DOSTOIEVSKI” يقول إذا لم يكن “الله” موجوداً فإن كلّ شيء يصبح مسموحا به. وحيثما تكون “الألوهية” غير موجودة، فالإنسان “مهمل” “Delaissé” لأنّه يفتقر في داخليته إلى قيم يركن إليها.

• اليأس: “Désespoir” إذا اختفت “الألوهية” لم يبق للفرد إلاّ ذاته يعتمد عليها في كلّ شيء.. على إرادته وعلى مجموع الاحتمالات التي تجعل العالم ممكنا، ولكن عندما تتجاوز الممكنات حدود حساباته الدقيقة، وتوقّعاته (العلمية)، وتأتيه الأحداث بما لا قبل له به، يبدأ اليأس، لانعدام السّند الذي يأوي إليه الإنسان عند ضعفه وقلة حيلته.

• الالتزام: “Engagement ” تعتبر الوجودية نفسها دعوة للحركة ما دامت تسعى إلى تحقيق مشروع، فهي تدعو إلى “الفعل”، والإنسان عندها هو مجموع أفعاله. ومن هنا جاء الالتزام للمشروع والقضية التي يريدها الإنسان، وكلّ مسؤولية وإن ورّثت قلقا فإنّها تقتضي التزاماً خاصا.

ولهذه الأسباب شاعت نغمة “الحزن” و”التشاؤم” في الكتابات الوجودية بسبب المشاعر المتألمة الغارقة في الغثيان واللاّمعقول، لأنّها تعتقد أنّ “الواقع الإنساني متألّم في وجوده، فهو يبرز إلى الوجود مؤرّقاً دائما بكيان موجود دون استطاعة أن يكون كذلك، لأنّه في الحقيقة لا يستطيع أن يصل إلى الوجود في ذاته (En soi) إلاّ إذا فقد نفسه كموجود لذاته (Pour-soi)” ([11]). فهذا الواقع الإنساني هو بطبيعته وعي تعس “Conscience Malheureuse” مجرد من إمكان تجاوزه لحالة التّعاسة. فالعالم في ذاته (En soi) وجود قائم بذاته مكتمل لا فراغ فيه، ولهذا السبب فهو معتّم مظلم خال من الوعي. ووصف “سارتر” له بـ(في ذاته) أي مطابق دائما لهويته، فهو ما هو ولا شيء أكثر، إنه وجود لا معقول لأنّه لا يحقّق شيئا ولا غاية له، فهو زائد عن الحاجة (De trop)، وأنّه دون مميزات قبل أن ينيره وعي الذات.. إنّه يثير الغثيان.

لقد غدا الحديث عن “العالم الموضوعي” في الوجودية حديثا مفعماً باليأس والقنوط، عندما جعلته الوجودية قائما كجرم مظلم في الفضاء، لا يدركه المراقبون إلا ساعة ينعكس عليه ضوء الإنارة، وهي لا تستغرقه ولا تعُم أطرافه، وإنّما تضيء منه طرفا واحدا فقط. ولم تزد الأوصاف التي شحنها “سارتر” في كتاباته إلا نفورا من هذا العالم واشمئزازا منه. ويقابل هذا “الجرم” المعتّم (الوجود لذاته) “Pour Soi” وهو الوجود وعيا، أو شعورا، أو وجدانا مما يتميّز به الإنسان وحده، وهو تدهور “Dégradation” للوجود في ذاته ([12])، لأنّه وعي فردي لا يدرك من الوجود الكلي إلاّ ما تخوّله له ثقافته، ومعرفته وحسب.

تتكشّف المسافة الفاصلة بين الوعي الواقعي (نقدي، اشتراكي) للواقع والعالم، وبين الوعي الوجودي، وكيف يرتبط التفاؤل بالأول بناء على فهم خاص للواقع والإنسان، وكيف يتلفّع الإنسان الوجودي باليأس والقنوط وهو يطّلع على عالم لا معقول يثير الغثيان. إلاّ أنّنا نشهد اتفاقا ضمنيا في تقسيم العالم إلى قسمين: أحدهما قائم خارج قدرة الإنسان ومعرفته ووعيه، والثاني مستمر يتشكّل تباعا بفعل الوعي والإنجاز والرؤية.

4.5. الواقع: بنية وعلاقة:

لقد سلمنا – قبلا- أنّ انطلاقة الحداثة الغربية القائمة على العقلانية والعلمانية كانت على عاتق الفردانية، من خلال وعي حادّ بالذات في تساؤلاتها الأنطولوجية التي تلامس الوجود في جملته حياة وتديّنا، وكيف أنّها اتّخذت الذات معيارا، وحكما، ومقياسا تؤول إليها حقيقة القيم، وكيف استمر هذا الفهم عبر الفلسفات: مادّية ومثالية، ولم تقو الموضوعية العلمية ستر الذاتية المطلة وراء كلّ حكم وقانون، حتى أسلَمَنا التاريخ الفكري إلى الوجودية، فإذا هي تمثل “شكلا مشتطا من النزعة الفردية.. وهي ضرورة ما زادها بروزا إلا طغيان الحرب والسّحق “التّوتاليتاري” “Totalitaire” للفاشية الهتلرية، ومآسي الاشتراكية البيروقراطية النافية للخصوصية.. ضحّت الوجودية بالعقلاني والموضوعي، بالصّرامة العلمية والانضباط الثوري، فلكأنّ التاريخ منسوج فقط من بزوغ مشاريع" ([13]). ويجعلها “جارودي” “R.GARAUDY” دُرْجَة وموضة هيمنت في فترة قصيرة ثم اختفت، لتفسح المجال أمام أخطر الرؤى المذهبية جفافا وسحقا للإنسان.

لقد اطّرح الفكر “الذاتية” "ليتلبّس" البنية”، ذلك المفهوم الذي أقام وجود الإنسان على “العلاقة” بعد أن جرّده من “الكينونة”. لأنّ المقولة الأساسية فيها تقوم على العلاقة التي لها الأولوية على الأجزاء “فالعنصر لا معنى له ولا قوام إلاّ بعقدة العلاقات المكوّنة له. ولا سبيل إلى تعريف الوحدات إلاّ بعلاقاتها، فهي أشكال لا جواهر” ([14]) ويكفي أن نقف على آلة كي نشهد “ميكانيكا” المجتمع، باعتبار الآلة “بنية” تمتلك خواص: الجُمُلَة، والتحويل، والضبط الذاتي ([15])، ذلك أنّ “الجُمُلَة” “Totalité” هي جماع العناصر المنضوية في نظام الآلة التي تتبادلها العناصر فيما بينها، حتى تخرج البنية من حالة الكمون إلى الحركة، وهي ضرورية تتوقّف على مشاركة الجميع. وليس الضبط الذاتي – في الأخير – إلاّ تعشّق هذا النظام في حركة لا تحتاج إلى الخارجي. وقد تكون هذه “البنية المغلقة” عنصرا في نظام أكبر دون أن تفقد شيئا من خصوصيتها تلك.

لقد عرّف "ماركس" “K.MARX” – قبلا – الإنسان بأنهّ “جملة من العلاقات” وهذا التعريف تستحسنه البنيوية لأنّه يعبّر عن غرضها في اتخاذ الإنسان عنصرا “شكلا” فاقدا لجوهره. ولا يكون الواقع إلاّ هذه العلاقة، فإذا انتفت العلاقة انتفى الواقع. فالواقع – إذن – جملة العلاقات التي تشكّل طرفا في نظام أعمّ. وقد لا يتحدّد الواقع مادّيا ما دامت العلاقات لا تقوم على المستوى المادّي البحت، وإنّما هي غير ذلك من الروابط، كالتي تشهدها الأسر والمجتمعات. فالعلاقة لا تعبّر أبدا عن “الكينونة”. تلك المقولة التي استبعدتها الفلسفات الحديثة لأنّها لا ترى للإنسان وجودا. يقول “ميكال ديفران” “M. DUFRENNE”: إنّ الفلسفة المعاصرة لا تعتدّ بالإنسان، كما أنّها لا تتّخذ منه موضوعا للتفكير، وليس ذلك بسبب صعوبة خاصة تكتنف هذا الموضوع، بل إنّها لا تعترف بوجوده أصلا ([16]).

صحيح أنّها تعترف بوجود كائنات بشرية، أمّا فكرة “الإنسان” فهي “خرافة نشأت عن أفكار جوفاء مسبقة”. وقد أكدّت البيولوجيا فكرة “الكائن” ووطدّت توظيفها حتى طغت على “الإنسان” مفهوما وسهلت مقارنته بالكائنات الحية التي تعايشه، وتقاسمه العالم فضاء، والوجود كينونة.

لقد تحدّدت “السيبرنطيقا” “Cybernétique”على أنّها “المجال الكامل لنظرية التحكّم والاتصال في الآلة، وفي الحيوان على السواء، وأنّ كلمة التحكم تعني الضبط أو تكاد” وقد فُهمت سيبرنطيقا “نوربرت فينر” “N.WIENER” على أنّها تصح في أعضاء الآلات، وكذلك في سلوك الكائنات الحيّة والبشرية، فتصبح الاستدلالات السيبرنطيقية- عندئذ- نوعا من الاستدلالات التي تسمى في الرياضيات والفيزياء: تعميما ومعناها الحرفي سحب الملاحظات الميكانيكية التي تشاهد في الآلة وسيرها على السلوك الإنساني وتوجيهه. فإذا استطاع الإنسان ضبط الآلة وتحديد تصرفاتها وحصر مجالاتها، فإنّه يستطيع صنع ذلك مع الإنسان.

لقد تزامن ظهور البنيوية والسيبرنطيقا، فإن شاعت الأولى في أوروبا ووجدت في مخلفات الوجودية تربة خصبة للنمو والازدهار، فإنّ الثانية وجدت في حضن الفلسفة البراغماتية الأميركية الدفء اللازم للتفتح والانتشار. ويعود مفهوم “السيبرنطيقا” إلى “أفلاطون” الذي عرّف لفظ “KUBERNETES” بالربّان وبالدّفة، واستعمله لمعنى: فن قيادة الرّجال. وأضحى المصطلح عند “أمبير” “AMPERE” فنّ سير وقيادة الأنظمة ذات التّعقيد الكبير. لقد استفادت البنيوية من هذا الفهم لتجعل الواقع شبكة من العلاقات التي تتقاطع فيها التوصيلات المختلفة، وكأنّه شبكة توزيع هائلة لا تحيل أبدا على الخارج، لأنّه لا وجود له البتّة. وقد انعكست هذه الرؤى على الأدب فكان الانغلاق الكلي داخل النص مطلبا بنيويا سيبرنطيقيا في آن.

ولن ينفصل الحديث عن “المنهج” عن الحيثيات الفكرية التي أفرزته وأثّرت في الوجهة التي اختارها رجاله، حتى وإن انتهت بهم – بعد قرون- إلى قتل ثلاثي: بدأ الأول مع “نيتشه””Nietzsche” فاختفى الإله، وكان الثاني في تفكيك الإنسان إلى بنيات، وكان الثالث في نفي الواقع وإحالته إلى علاقات.. ومهما زعمنا أنّ الدرس الأدبي والإبداع الفني نشاط ذاتي إلاّ أنّه يؤول من عدّة طرق إلى الوعي الذي وصفنا، ومنه يستمد الشكل والمضمون وإليه يحتكم، وكلّ استفادة من المنهج لا تأخذ في حسبانها هذا الوعي استفادة ناقصة، تجعل المستفيد عرضة لمز الق عدّة هو في غنى عنها إذا تدّبر الأداة وأدرك الخلفيات التي أفرزتها.

هوامش:

[1] – R. GARAUDY: Biographie du Xxème siècle.p.50. ed. Borhane. 1992. Alger

[2] – IBID p: 50.

(*) Le testament philosophique de Roger GARAUDY. ed El.BORHANE.Alger.1992 .

(**) قسّم جيروم ستولينتز. المحاكاة إلى:

-المحاكاة البسيطة.

-محاكاة الجوهر.

-محاكاة المثل الأعلى.

[3] – محمد فهمي زيدان، في النفس والجسم. ص: 140. دار النهضة العربية، بيروت.1980.

[4] – م.س.ص: 179.

[5] – صلاح فضل.. منهج الواقعية… الهيئة المصرية العامّة للكتاب. 1978. .ص: 140.135.

[6] – م.س.ص: 244.

[7] – م.س.ص: 84.83.

(*)أنظر لقد سبق لفرنسيس بيكون أن رفض المنطق الأرسطي واتهمه في تراجع المعرفة وعقمها أنظر في ذلك.A.KOESTLER.les somnambules.p.41. ed calmann.levy.paris 1960

[8] – م.س.ص: 232.

[9] – محمد ثابت الفندي.م. م.س.ص: 92.91.

[10] – م.س.ص: 232.

[11] – J.P Sartre.l’être et le néant .essai d’antologie phénoménologique. p: 134. ed.Gallimard.1948.France.

[12] – أنظر محمد ثابت الفندي. م. م.س.ص: 128.

[13] – روجيه غارودي.. البنيوية فلسفة موت الإنسان، ص: 14.(ت) جورج طرابيشي. دار الطليعة، بيروت ط3. 1985.

[14] – م.س.ص: 13.

[15] – أنظر جان بياجي.. البنيوية. ص: 11.10.9 (ت) عارف منيمنة وبشير أوبري. منشورات عويدات، بيروت.

[16] – Mikel DUFRENNE. La philosophie du Noé-positivisme. in esprit. Mai 1967.p : 781.

النص أورده عمر مهيبل. البنيوية في الفكر الفلسفي المعاصر. ص: 96. ديوان المطبوعات الجامعية.. الجزائر.1991.


كاتب من الجزائر