بذور التسلطية في الفكر ووجوب نقدها

يُقصد بالفكر والفكر النقدي، عندنا، الإنتاج النظري، في مجالات الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسياسة والأخلاق، لتمييزه عن الفلسفة، على اعتبار الأخيرة إنتاجاً منظومياً رفيعاً، ليست بمقدور جميع المفكرين. وكثيراً ما يسمى “التنظير”، على سبيل الازدراء والتهكم، على نحو ما تستعمل كلمة “الفلسفة” للإشارة إلى الكلام الفارغ، لا لأن الفلسفة صعبة الهضم، أو “محجوبة عن غير أهلها”، بل لأن سمعتها سيئة في الثقافة السائدة، منذ وضع الغزالي كتابه الشهير، “تهافت الفلاسفة”، ومنذ أُغلق على “علم الكلام”، وحُرِّم المنطق، ورُمي أهله بالزندقة، وأُغلِق باب الاجتهاد. وقد أشار ياسين الحافظ إلى أن الغزالي “صاغ عقل الأمة”. ولا يزال سيف الزندقة والتكفير مسلّطاً على رقبة الفكر الحر.

الجديد  جادالكريم الجباعي [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(60)]

لوحة: محمد عمر خليل
الماضي ، الذي لا يزال حاضراً، ويلقي بظلاله الكثيفة على مختلف أشكال الحياة الاجتماعية، لا يفسر كل شيء، وليس بمقدور شخص، كالغزالي أو غيره أن يصوغ عقل أمة، إلا إذا عُدَّ رمزاً لنظيمة معرفية وفكرية مغلقة ونسق ثقافي صاغ “شخصية الأمة” أو هويتها، وتكفَّلت السلطة بتعميمه وإعادة إنتاجه، جيلاً بعد جيل، على أنه مصدر مشروعيتها. فنحن، في هذه الحال وغيرها، إزاء ثقافة السلطة وأشكال مواجهتها. والفكر النقدي، في جميع فروع المعرفة والأدب والفن والأخلاق، هو فرس الرهان، إذ يتموضع في العلاقة الجدلية بين المعرفة والسلطة، منظوراً إلى السلطة بمنظار تاريخي شامل.

الحد الفاصل، اليوم، بين الفكر التأملي، لكي لا نقول المثالي، وبين الفكر النقدي هو نفسه الحد الفاصل بين استلهام الأساطير المؤسِّسة للسرديات الكبرى والأنساق الفكرية والثقافية الموروثة، وبين الانشغال بعالم الإنسان والاشتغال فيه، والعناية بمصيره، لا على صعيد مجتمع بعينه أو أمّة بعينها فقط، بل على صعيد إنساني عام، أولاً وأساساً. فالفكر النقدي لا يترك أثراً عميقاً وراسخاً في حياة الأمم والشعوب إلا إذ كانت مبادئه وغاياته إنسانية عامه، والقيم التي يستهدي بها وينشدها قيماً إنسانية عامة، كالحرية والمساواة والعدالة، والحق والخير والجمال. هذا الحد، الذي يعيِّن معنى الخصوصية “القومية”، وحدودها، ومدى انفتاحها على الكونية أو انغلاقها وانعزالها عنها، هو ما يعين الفرق بين الوظيفة التبريرية أو التسويغية والتبشيرية للفكر، وبين وظيفته النقدية النافية أو السالبة.

فعلى الرغم من تكثّر الرؤى واختلافها يمكن سلكها جميعاً في رؤيتين تأسيسيتين: رؤية يتصادى فيها العقل والأسطورة، ورؤية يتعاشق فيها العقل والأخلاق، ولكل منهما أطيافها وتلاوينها. وعلى الرغم من تكثّر المناهج وفقاً لتنوع مجالات المعرفة والفكر وتنوع التخصصات، يمكن سلكها جميعاً في منهجين، حسب رؤية إلياس مرقص، من سوريا: منهج وضعي، بل وضعوي، ومنهج جدلي أو ديالكتي، مع ملاحظة إمكان تحول كل منهما إلى مذهب. فإذ تحولت الوضعية الإيجابية، مع أوغست كونت، إلى مذهب شامل لا يخرج عن دائرته شيء، تحول الديالكتيك، مع الستالينية وعشاقها، إلى مذهب شمولي (توتاليتاري)، تحت عنوان “المادية الديالكتيكية” و”المادية التاريخية”. ما كبح قوة النفي أو السلب في كل منهما. على هذا الأساس رأى إلياس مرقص أن “على المفكرين العرب أن يختاروا: إما الوضعانية مع الليبرالية، وإما الديالكتيك مع الديمقراطية” [1]؛ الديالكتيك وحده ينصف الوضعية الإيجابية، على أنها منطق الكينونة، أو لحظة “الفهم”، بالتعبير الهيغلي، وهذه، أي الكينونة، لحظة، فحسب، من لحظات الصيرورة (أو لحظة، فحسب، من لحظات الديالكتيك)، وهي ما تضع فكرة التاريخ ومفهوم التقدم، والديمقراطية وحدها تنصف الليبرالية، على اعتبارها نسغها الحيّ. وهذا يعني لنا، اليوم، أن منجزات العلوم الوضعية الأحدث، التي تنفي الحتمية والعلية البسيطة، مثلما تنفي استقلال الزمان عن المكان، وتنظر إلى تاريخ العلم على أنه تاريخ أخطائه، بتعبير كارل بوبر، هي المقدمات الضرورية للفكر النقدي، الجدلي بطبيعته، وإلا كان هذا الأخير نوعاً من توليد الكلام من الكلام، قبولاً أو رفضاً مطلقين، واستحساناً أو استقباحاً مطلقين، كالتأويل، والسجال والخطابات أو المقالات الأيديولوجية، على سبيل المثال. نستدل على ذلك بحركة التأليف في العالم العربي وإحصاءات الكتب الأكثر مبيعاً، التي يغلب عليها التأويل والسجال والمحاكاة والشروح والشروح على الشروح.

فكرة الكونية الدارجة في الخطاب الثقافي، فكرة مؤسسة للنسقين: المثالي والواقعي؛ في النسق المثالي تدل على الكون (الكوزموس) والرؤية أو الرؤى الكوسمولوجية. وفي النسق الواقعي تدل على العالم، عالم الإنسان، الذي هو من خلق الإنسان، بل تدل على الإنسانية، وهي مبدأ الفكر النقدي ورهانه. وإذ تقترن الكونية، في الفكر النقدي بالعقلانية، فإن هذه الأخيرة قد تتحول إلى أداة للسيطرة، لا على الطبيعة فحسب، بل على مصادر الثروة والقوة، أي على مصادر السلطة المادية واللامادية، وصولاً إلى السيطرة على المجتمع وفكره.

فإن مسيرة الفكر الذاهبة من الحياة الاجتماعية والعائدة إليها هي التي تعطي الأفكار مداها الحقيقي وتحدد عمقها وجدواها الاجتماعية والتاريخية. فلا تمكن مفهمة الواقع العياني أو تفكيره أو فلسفته إلا بالابتعاد عنه، وتجريده من ظرفيته العابرة وجزئية ظاهراته المُدرَكة بالحواس واكتناه ترابطاتها الضرورية وعمقها التاريخي وجدلها الداخلي، أو منطقها الداخلي، الذي يعيّن اتجاهَ حركتها ومصائرَها. مظاهر الفقر والبطالة، على سبيل المثال، لا يمكن عزلها عن المشافي والسجون، والثكنات ومراكز البوليس ونظام التعليم.. ومن ثمة عن بنية المجتمع الأساسية والنظام السياسي، وتوزيع الثروة وعوامل الإنتاج بين الفئات الاجتماعية، وتوزيع السلطة أيضاً. في بلد كسوريا أو العراق أو مصر يجب طرح السؤال: كيف وصلت هذه البلدان إلى الشمولية، كيف تسيّدت قوى التسلط والقهر والهدر والإفقار والتقفير والتهميش والتغريب وتغلغلت في النفوس والعقول، ما الثقافة التي جعلت ذلك ممكناً، ما الفكر الذي جعل ذلك ممكناً. أفكر بالمثقفين، المفكرين، الذي تحدثوا ويتحدثون عن البطل ثم الشهيد صدام حسين والقائد الرمز والزعيم الخالد حافظ الأسد، وعن جمال عبدالناصر أيضاً، مع الفرق، وأفكر بالذين يرفعون راية “المقاومة” و”الممانعة” ورموزها الفاشية في وجه الحرية والكرامة الإنسانية، وبالذين اعتبروا الثورة الإيرانية النموذج الذي يجب أن تقتدي به الثورة العربية، وأفكر أكثر من ذلك بمنظّري “الثورة العربية”. وأفكر في أثر هذا كله في السياسة، التي لم تكن، وليست اليوم سوى حرب، وفي آليات عمل السلطة، وفي الظاهرة الجماهيرية – القطيعية، وقبل ذلك في التنشئة السياسية والوعي السياسي؟

فإذا كنا نقبل القول إن “الديمقراطية هي المجتمع الديمقراطي”، أي إنها لا تُستنفَد في نظام الحكم، أو في الاقتراع والتمثيل.. إلخ، فهل نقبل أن التسلطية، أو الشمولية (التوتاليتارية)هي المجتمع التسلطي أو التوتاليتاري، على نحو ما كانت الأوضاع في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والاتحاد السوفييتي السابق؟ ومن ثمة فإن نقد السلطة السياسية ونظام الحكم لا يكفي وحده من دون نقد المجتمع، وأن نقد المجتمع وحده، لتبرير السلطة ونظام الحكم، نقد تعسفي ولاأخلاقي في الوقت نفسه.

كان هربرت ماركوز قد طرح مسألة ما إذ كانت “الفاشية هي مجتمع فاشي، وأن العنف التسلطي الشمولي والعقل التسلطي الشمولي يصدران عن بناء المجتمع القائم، الذي يدخل في دور قهر ماضيه الليبرالي ويجسد نفيه التاريخي” [2]، ولم يكن هو وأصدقاؤه متأكدين من صحة هذه الفرضية. في محاولة الإجابة عن هذه المسألة، ذهبنا إلى أن النظم التسلطية، كالنظام السوري، أنتجت مجتمعها الخاص، وهو مجتمع تسلطي تنظمه المؤسستان العسكرية والأمنية، والمؤسسات الأيديولوجية والإعلام الناقص والكاذب، وأطلقنا عليه صفة “المجتمع الموازي” للمجتمع الأهلي، التقليدي، ورأينا أن المجتمعين كليهما ينحرفان عن نموذج المجتمع المدني، وفقاً لما تحقق بالفعل في غير مكان من العالم. ورأينا، من ثمة، أن الثورة السورية هي ثورة الجزء المهمش والمهدور من المجتمعين كليهما، وهو الجزء الأكبر، بحكم آليات الاصطفاء والتهميش، التي تعمل وفقاً لتسلسل الولاءات والامتيازات. واستدللنا على ذلك بالانقسام العمودي العميق، الذي شق المجتمع السوري، منذ ربيع 2011، ولا يزال يتعمق، والذي تمر خطوطه في الأسر والعائلات الممتدة والعشائر والجماعات الإثنية والدينية والمذهبية، على تفاوت في النسب والدرجات. ونستدل على ذلك أيضاً بردود فعل المجتمعَيْن أفراداً وجماعات وتنظيمات ومؤسسات، على المجازر التي ارتكبت وترتكب والتدمير المتمادي للمدن والبلدات، وتبريرها، وتحميل مسؤوليتها للطرف الآخر، (المعادي)، أو الأطراف المعادية الأخرى. حتى صار من الممكن أن نتحدث عن مجازر فكرية وثقافية وطيش معرفي ودمار أخلاقي.

لوحة: محمد عمر خليل

ليبرالية ضد الليبرالية

التسلطية، على الرغم من مزاعمها الاشتراكية، هي ليبرالية عصر الإمبريالية والاحتكارات الكبرى، فلا يسوغ أن نتحدث عن الاحتكار في عالم الاقتصاد والمال بمعزل عن أشكال الاحتكار الأخرى، كاحتكار السلطة ومصادر القوة واحتكار المعرفة وتتجيرها واحتكار الحقيقة.. ومن ثمة فإن التسلطية هي ليبرالية إمبريالية ضد الليبرالية الديمقراطية، ولا سيما من جهة اعتناقها مذهباً قومياً أو عقيدة قومية (علمانية)، بل عنصرية، في إهاب علماني. فلا يفاجئنا، وهذه الحال، أن يصف مثقفون سوريون (ديمقراطيون) النظام السوري بأنه “نظام علماني”، على نحو ما تصفه جماعات الإسلام السياسي المعتدلة منها والمتطرفة، على السواء، فيناهضون العلمانية، انطلاقاً من هذه الحيثية. ما جعل العلمانية، وهي من أهم مضامين الليبرالية ومضامين الحداثة، موضع سجال أيديولوجي، لا يزال مفتوحاً، وهو سجال يشي برؤية هؤلاء وأولئك لما هي الدولة الوطنية المنشودة في سوريا، ولعلهم “اتفقوا” على مسخ سياسي وأخلاقي سموه “الدولة المدنية”.

في سوريا، كما في غيرها من البلدان التي عاشت تجربة التسلطية أو الاستبداد الكلي، كانت سيرورة نمو التسلطية هي ذاتها سيرورة نزع المنجزات الليبرالية، الكولونيالية منها وما بعد الكولونيالية وما قبل التسلطية. فالفكر القومي، الذي تسيَّد، منذ عام 1958، وضع “الأمة العربية” في تناقض مطلق مع حرية الفرد وحقوق الإنسان والمواطن، ومع فكرة المجتمع المدني وتعارضاته الملازمة، واعتبر الأمة حقيقة أولية مطلقة هي مصدر وجود الكائن القومي ودعامته، تتلاشى في ظل حقيقتها وأصليّتها وأصالتها قيمة الأفراد، الذين ليسوا سوى أدوات لاستعادة أمجادها وتحقيق أهدافها. الأمة هي الحق والأصالة ليس عليها أن تبرر نفسها أمام محكمة الأفراد، وليست نتيجة تطور تاريخي اجتماعي اقتصادي وثقافي وسياسي، كان للفكر النظري والثقافة والفاعلية الإنسانية المنبثقة منهما أثر حاسم فيه.

الأمة، عند زكي الأرسوزي (1900 – 1968)، مشتقة من الأمّ، ما يحيل على فكرة الأصل، التي تنكشف لأفراد الأمة بالحدس، فإن “الاختلاف بين فرد وفرد من أبناء الأمة إنما هو اختلاف في درجة الوضوح في الأمور المتعلقة بالأصول؛ فما هو حدس مبهم عند الجمهور يتحول إلى بصيرة نيرة عند القادة.(وتلكم هي البدايات الفكرية للتسلطية والجماهيرية وعبادة الفرد)”. ويستأنف الأرسوزي قائلاً “وذلك ما يحمل على الاعتقاد أيضاً بأن ما يتجسد من شبه بين الأفراد المنحدرين من ذات الأصول وبين ما يظهر من انسجام في المؤسسات العامة يرجع إلى آية الأمة المتحققة عبقريةً في الطبيعة، يرجع إلى تجربة الأجداد المثلى في أصول الحياة، وليس التاريخ إلا سجلّ هذا التحقيق كمصير حصل من انتصارات الحياة على القدر”. (وليس ذلك فحسب، بل) “تبدو الأمة البدائية في الكون حاملة سيماءها بصورة مجملة، فتنفتح عنها بتجاوب تجلياتها بين (قطبيها): قطب ترسم به في بنية أبنائها معرفة متبلورة، وفي الكون عالماً تنعكس عنه الطبيعة محددة إمكانية إدراكهم، وقطب آخر ترتقي إليه النفوس من خلال هذه التجليات المستشفّة في تساميها بنور ذاتها”.. “تلك هي الأمة العربية عبقرية أبدعت أداة بيانها فأفصحت بهذا الإبداع عن حقيقتها.. إن الحدس في الكلمة العربية من صرح الثقافة بمثابة البذرة من الشجرة. ذلك ما دعانا إلى القول: بأن أمتنا ليست محصلة ظروف تاريخية، بل إنها معنى يبدع تجلياته ويوجهها نحو المزيد من الحرية. وذلك ما دعانا إلى الاعتقاد بأن مثل ظهور الأمم البدئي على مسرح التاريخ كمثل ظهور الأنواع الحياتية على مسرح الطبيعة” [3]. فـ”الفكر في حد ذاته قوة تاريخية، قوة تاريخية لا تقدر. فمجرد وضع القضية العربية القومية في صيغة فكرة شاملة كان أول مساهمة في تركيز الحركة الثورية العربية على أسس صلبة ..”[4]..” بتعبير ميشيل عفلق. (1911 – 1989) [5] الفكرة القومية فكرة مطلقة وحيّة، بتعبير عبدالله عبدالدايم، والإطلاق والحياة فيها هما طابعها الجوهري لا مجرد نعتين من جملة نعوت يمكن أن تطلق على القومية العربية. “إنها فكرة حية لأنها فكرة قومية قبل كل شيء تريد أن تبعث أمة فلا تنسى الروابط التاريخية الحية التي تربط بين أفرادها، وفكرة مطلقة لأنها تريد أن تجعل من الحياة القومية حياة حيّة لا ضيق فيها ولا فقر تستمد قوتها من قوة العقل وحقائقه” [6]. يبدو ذلك كله مفهوماً إذا عرفنا أن القومية “قدر محبب” بتعبير ميشيل عفلق، “فمتى انتبه الإنسان إلى قدره يخرج من حالة الحياة السطحية، ويدخل في جريان الحياة الحارة القوية، فإذا رافق عنده هذا الانتباه إلى القدر القبول به اتخذت حياته اتجاهاً واتسمت بالرجولة” [7]. القومية عند ميشيل عفلق “ليست نظرية ولكنها مبعث النظريات، ولا هي وليدة الفكر بل مرضعته، وليست مستعبدة للفن بل نبعه وروحه.. كل تفسير للقومية العربية لا ينبعث من صميمها انبعاث الغرسة من الأرض والسنبلة من القمحة يكون تفسيراً ضالاً جامداً ميتاً.. لا يحتاج العرب إلى تعلم شيء جديد ليصبحوا قوميين، بل إلى إهمال كثير مما تعلموه حتى تعود إليهم صلتهم المباشرة بطبعهم الصافي الأصيل، القومية ليست علماً بل هي تذكر، تذكر حي.. ما عسى أن تكون دهشتهم عندما تظهر فيهم نقية كاملة بسيطة بساطة المعجزات..”[8]. القومية عند ميشيل عفلق حب قبل كل شيء. وكان يخشى أن تسف إلى المعرفة الذهنية والبحث الكلامي، فتفقد بذلك قوة العصب وحرارة العاطفة.. (فإن) الإيمان يجب أن يسبق كل معرفة ويهزأ بأي تعريف، بل إنه هو الذي يبعث على المعرفة ويضيء طريقها” [9].

أتينا بهذه الاقتباسات الطويلة لا لإبراز مبادئ الفكر، الذي أدى إلى التسلطية، وقيمه، فقط، ولا سيما قيم الأصالة والرجولة وقوة العصب.. إلخ، بل لأن هذه الرؤية لا تزال سائدة، ولا تزال السلطة السياسية والسلطة الثقافية تعيدان إنتاجها، من خلال النظام التعليمي والمؤسسات الأيديولوجية، والإعلام. وهي رؤية طاردة أو نابذة للفكر الحر. فقد تعلمنا بالتجربة أن هذا الخطاب القومي المضاد للتاريخ، وهذا الفكر الضبابي كانت له وظيفة مشابهة لوظيفة الدين في العصور الوسطى والقديمة. بل يذهب بعضهم إلى أن العقيدة القومية محوَّلة هي ذاتها عن عقيدة دينية، مشبعة بقيم “الجهاد” والبطولة والتضحية أو الشهادة [10] وأن لها طقوسها (المدنية) ومقدساتها، كأيّ عقيدة أو مذهب.

السلطة السياسية ونظام الحكم لا يكفي وحده من دون نقد المجتمع، وأن نقد المجتمع وحده لتبرير السلطة ونظام الحكم، نقد تعسفي ولا أخلاقي في الوقت نفسه

يبدو أن هزيمة حزيران 1967 كانت مباركة، على الصعيد الفكري، إذ انطلقت في أعقابها حركة نقدية، بدأها ياسين الحافظ وإلياس مرقص وصادق جلال العظم وجورج طرابيشي وأبو علي ياسين وسعدالله ونوس وممدوح عدوان.. وغيرهم من الكتاب والشعراء والفنانين. يقول الدكتور صادق جلال العظم “بعد الهزيمة العربية في حزيران 1967 تصدى عدد من الكتاب التقدميين العرب إلى نقد بعض جوانب البنيان الفكري والاجتماعي التقليدي لحياة المجتمع العربي وإرثه، غير أنه، في معظم الأحيان، بقي النقد الموجه إلى البنى الفوقية والأصعدة العليا في حياة المجتمع العربي (فكر، ثقافة، تشريع، أيديولوجية غيبية ضمنية..) ضعيفاً وهزيلا. وتنطبق هذه الحقيقة بصورة خاصة على الموقف من معالجة “الذهنية الدينية”، مع العلم أن الجميع يعترفون بشمولها وأهميتها وخطورة تأثيراتها” [11]. اللافت أن جميع من ذكرناهم كانوا مهمومين بالمجتمع العربي أكثر من اهتمام من اهتم بالمجتمع السوري، وذلك بتأثير ما أشرنا إليه من أولوية الأمة على الأفراد والمجتمعات “العربية”، ثم أولوية قضية فلسطين، بصفتها “القضية المركزية للأمة العربية والثورة العربية” [12].

النقد قوة سلب أو نفي، ماثلة في بنية اللغة، أي لغة، على الإطلاق، لأن الكلام إثبات و/أو نفي، تتمحور عليهما سائر الأساليب، هذا ليس ثنوية في الكلام، بل حيوية في اللغة، أي في الفكر، لأن كل إثبات نفي، وكل نفي إثبات، وإلا من أين جاءت مقولة إسبينوزا “كل تعيُّن نفي أو سلب”، والتي صارت عند هيغل “كل نفي أو سلب هو تعيُّن”، وعند ماركس أيضاً في مقولة التموضع؟ النقد قوة مقاومة وتقويم، اعتراض وتصويب، احتجاج ونقض أو ثورة، على صعيد الفكر. قوة السلب أو النفي ملازمة للكائن والكون (مصدر الفعل كان)، ملازمة للفرد والمجتمع، وملازمة للسلطة، التي تولِّد مقاومة من داخلها ومن خارجها، وملازمة للفكر، ولعلها من أهم خصائصه. وهي عامل نمو الكائن وتطوره وعامل نمو الكون واندراجه في الصيرورة التاريخية، ما يعني أن النقد فاعلية تؤثر في عملية/عمليات النمو والتطور والتغير، لذلك تحاربه القوى المحافظة، على اختلاف مشاربها وتلاوينها، ولكن بلا جدوى. فليس بوسع أيّ قوة أن توقف مسارات التاريخ. قوة السلب التي نتحدث عنها لا يمكنها أن تخرج عن حدود طبيعة الذات الفاعلة وطبيعة الموضوع المنفعل، ولا أن تتعداها، لذلك يحتاج النقد إلى أدوات تتسق مع موضوعه وتناسب طبيعته، وإلا فقد النقد قدرته على التأثير. وأدوات النقد هي المفاهيم والمقولات والمسلمات والمصادرات.. تتحدد فاعليتها جميعاً لا باتساقها مع طبيعة موضوع النقد فقط، بل مع طريقة النقد أو منهجه، والقيم التي يتبناها، والغايات التي ينشدها أيضاً. لذلك يشار إلى الديالكتيك بأنه مبدأ النفي ونفي النفي إلى ما لانهاية.

رأى كارل ماركس، وهو من كبار النقاد، وممن أرسوا قواعد الفكر النقدي ومبادئه، أن الفلاسفة قبله قد فسروا العالم، وصارت مهمة الفلسفة أن تعمل على تغييره. ما يعني أن التفسير مقدمة لازمة وشرط ضروري للتغيير. فماركس نفسه فسر النظام الرأسمالي أو نمط الإنتاج الرأسمالي وحلله، انطلاقاً من أعمّ ظاهراته وأبسطها، أعني عالم الإنتاج الكثيف والموسع للسلع أو البضائع، بل عالم البضائع، التي تفض نفسها وتفصح عن خصائصها في السوق، أي في عملية التبادل، على نحو يفتح الطريق إلى تغيير هذا النمط، بل إلى تجاوزه جدلياً. ومن ثمة، فإن الفكر النقدي ليس نوعاً خاصاً من الفكر، إذ من طبيعة الفكر أنه نقدي أولاً ومستقبلي ثانياً، حتى عندما يصف ويفسر ويحلل ويركب، فالعبرة إذن في علاقته بالمجتمع الذي ينشأ فيه والعصر الذي ينشأ فيه والأفق الذي يتجه إليه.

أي نقد لظاهرة أو نمط ممارسة وسلوك أو موقف أو نمط تفكير أو قول أو فعل أو أيّ نقد لسلطة أو قوة اجتماعية أو سياسية.. يندرج في باب النقد، ولكنه ليس من الفكر النقدي، إذ للفكر النقدي مبادئه وقيمه الإنسانية العامة، كما سبقت الإشارة، ومنهجه وأدواته وأهدافه وغاياته، وفقاً لروية المفكر لمجتمعه وعصره، ولأحوال الإنسان ومصيره، ووفقاً لموقعه الاجتماعي والسياسي. فهو ينظر إلى الخاص بمنظار العام، وإلى الجزئي بمنظار الكلي، وإلى الواقع بمنظار الممكن، وبمنظار الواجب أيضاً، وينظر إلى موضوعه في سياق تشكله التاريخي، ولا تأخذه لومة لائم في ما يراه حقاً. فينتج بذلك رؤية متكاملة أو عمارة نقدية، أيّ خلل في أساسها وأركانها يؤدي إلى انهيارها عاجلاً أم آجلاً، لذلك تجدنا إزاء أبنية أو عمارات نقدية مختلفة في هندستها ولكنها متجذرة في تاريخ الفكر، كالعمارة الرشدية أو التومائية أو الديكارتية أو الكانطية أو الهيغلية أو الماركسية، تتناولها الأجيال بالقراءة أو التأويل والنقد، أو تستعير مخططاتها المعمارية، وتدخل عليها عناصر جديدة تضفي عليها طابعاً عصرياً.

تكمن قيمة الفكر النظري عامة والنقدي خاصة، وجدواه الاجتماعية، في قدرته على اكتشاف القوى الحية الفاعلة، في المجتمع المعني واللحظة التاريخية المعطاة، واستجلاء ممكنات الفاعلية الاجتماعية واتجاه حركة التعارضات الملازمة للحياة الاجتماعية، على اختلاف أشكالها، الاقتصادية والثقافية والسياسية والأخلاقية. كما يكمن غناه في اختلاف مواقع المفكرين ومنظوراتهم ورؤاهم ومناهجهم. بل تكمن قيمته وأهميته في قدرته على اكتشاف قوة السلب الكامنة في البنى والتنظيمات والمؤسسات، وتظهيرها والتضامن معها والانحياز إليها، وهو انحياز إلى المستقبل، على اعتباره ممكنات الحاضر. وفي هذا الانحياز ما فيه من المغامرة المدفوعة بفضول معرفي لاكتشاف ما يقع وراء الحدود. وعليه فإن المفكر بشر يخطئ ويصيب، وهذه مزيّته، ومزيّته الأهم هي قدرته على نقد ذاته، بالحزم نفسه الذي ينقد به الآخر أو الموضوع.

بقي أن نقول: إن نقد الفكر الذي أدى إلى التسلطية، والذي يمكن أن يؤدي إلى الظلامية، صار واجباً على كل من تعنيها أو تعنيه كرامة الإنسان وحريته، وحقه في أن يوجه حياته الوجهة التي يريد، وكل من يعنيه أو يعنيها تقدم المجتمع وازدهار الحياة.

الهوامش:

[1]- إلياس مرقص، المذهب الوضعي والمذهب الجدلي، نشر خاص، دمشق، 1992، من مقدمة الكتاب.

[2]- هربرت ماركوز، فلسفات النفي، دراسات في النظرية النقدية، ترجمة مجاهد عبدالمنعم مجاهد، مكتبة دار الكلمة، القاهرة، 2011، ص 7.

[3] – زكي الأرسوزي، الأمة في الحدس العربي، من “القومية والوحدة، المقالات”، تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب، وزارة الثقافة، 1994، ص 576.

[4] – تتلمذ حافظ الأسد، رئيس الجمهورية العربية السورية السابق، على الدكتور وهيب الغانم، وهذا الأخير هو من زرع أفكار الأرسوزي في حزب البعث العربي الاشتراكي، بعد عام 1963. وكان الأرسوزي أثيراً عند الرئيس حافظ الأسد، وهو وحده من بين مفكري الحزب من يسمح له بزيارة القطعات العسكرية وإلقاء المحاضرات في ضباط هذا الجيش، كما يذكر الدكتور منيف الرزاز، في كتابه “التجربة المرة”.

[5] – ميشيل عفلق، معالم القومية التقدمية، عن المصدر السابق، الجزء الثاني، ص 685.

[6] – عبدالله عبدالدايم، فكرتنا حية، عن المصدر نفسه، الجزء الثاني، ص 555.

[7] – ميشيل عفلق، القومية قدر محبب، عن المصدر السابق، الجزء الأول، ص 316.

[8] – المصدر السابق، ص 323.

[9] – المصدر السابق، ص 313.

[10] – وليم. د. هارت، إدوارد سعيد والمؤثرات الدينية للثقافة، ترجمة قصي أنور الذبيان ( أبوظبي: هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، كلمة، 2011)، ص 33.

[11]- صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني، دار الطليعة، بيروت، الطبعة التاسعة، 2003، ص 7.

[12] – راجع/ي، جادالكريم الجباعي، ياسين الحافظ، سيرة فكرية سياسية، مجلة عمران، العدد السابع، خريف 2014.


مفكر من سوريا