الواقع الجديد والوعي النقدي

الواقع ينتج الوعي، فإن تأبد تأبد معه الوعي، وإن تغيّر تغيّر معه أيضاً. الوعي بدوره يتلمّس الجديد في الواقع، يبحث عن آفاق التغيير فيه ويحدّدها، أي يستشرف ممكناته. الجديد في الواقع أن التغيير والقطع مع الماضي كان ضرورة منذ ما يزيد عن قرن مضى، ولكن كل تيارات الفكر النهضوية بتنويعاتها وتيارات مرحلة الاستقلال وما تلاها لم تجذر مشروع الحداثة وفكرها، بل وهناك ردّة أصولية تطال العالم العربي بأكمله ويؤرخها الباحثون مع بداية السبعينات، وتنبعث الهويات الدينية وتتصلب الأصوليات، وبالتالي وكأنّ كل تيارات الفكر في مراحل التاريخ الحديث المتعددة فشلت؟ هي فشلت فعلاً، ولكن لماذا؟

الجديد  عمار ديوب [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(82)]

لم يكن الفكر ذاته يوماً إلا وليد واقعه، كان فكر عصر النهضة المجهضة لا يقطع بشكل نهائي مع الماضي، ولا يناقش جديّا كيفية تطوير الواقع فزاوج بين الماضي والحاضر، بين التراث والحداثة، وخلط الشورى بالديمقراطية، وبين الإيمان بالدين وتديين السياسة وهكذا، ولذلك كان سهلاً الارتداد. كافة أشكال الدولة المعارضة ساهمت بقسطها في تلك الردة وفي تغييب الوعي النقدي وتسييد الوعي الديني وانبعاث الهويات الدينية.

تجديد الوعي النقدي، يتطلب تغيير الواقع، وإلا فإن الوعي ومهما تعاظم شأنه لن يكون سوى تخطيطات نظرية هامة دون شك، ولكنها محدودة التأثير في واقع جامد ولنقل يعاد إنتاجه لصالح طبقات تابعة وتعيد الأخيرة في إحكام سيطرتها الهويات الدينية والطائفية. تجديد الوعي النقدي مدخله الثقافي يبدأ بالتعليم وإعطاء الحرية الفكرية الكاملة للمبدعين، وفي ترجمة تيارات الفكر والأدب على اختلاف أنواعها، ويتطلب إعادة قراءة التراث والدين بعيداً عن محظورات رجال الدين والسياسة ومصالحهم المشتركة. من يسمح بذلك هي الدولة الحديثة، أي حين تعتمد في دساتيرها وقوانينها على المواطنة وإبعاد دور رجال الدين عن الدولة وعن الدين والتراث، وإنهاء العلاقة التتبعية بالتراث، أي تكرار الماضي في الحاضر. القراءة السليمة للماضي تكون في شرطه التاريخي، وحينها سيكون جزءاً من معركة الحاضر، وسيسعى من أجل وعي نقدي مناقض للوعي الأصولي وغير متناقض مع الوعي الديني التقليدي.

في السنوات الأربعين المنصرمة شهدنا هجرة واسعة للمثقفين النقديين إلى الخارج، وكان يرافق ذلك انتعاش للوعي والفكر الديني، يطرح في كافة الدول العربية التزاوج بين الإسلام السياسي والدولة الحديثة، وشكل هذا عاملَ مجابهة لكل وعي نقدي حداثي وتطييفاً ومذهبة للوعي. هذا التشويه لحقل السياسة انعكس على الوعي وشكل ضغطاً مستمراً لدفع الناس نحو المحافظة الاجتماعية، وبالتالي لا عجب رؤية التباين الهائل بين فترة ما قبل السبعينات وما بعدها في السعي حينها نحو التحرر المجتمعي والردة الاجتماعية بعدها، أي أن الثقافة الحديثة تعاني حصاراً مستمراً والوعي الديني يعاد تشكيله أصولياً من جديد.

إسقاط الديكتاتوريات ورفض كل شكل من أشكال الطائفية السياسية عامل تأسيسي على المستوى السياسي لتشكيل الوعي النقدي، حيث سيعمل المبدعون بحرية كاملة في تفكيك أشكال الحكم وفي التمييز بين الطائفية والدين، وتحييد الدين عن حقل السياسة والتعليم العام، ليشكل وعياً خاصاً وفي إطار أخلاقي للمؤمنين به، وعامل استقرار نفسي للأفراد بعلاقتهم بالإله.

في الغرب رافقت النهضة الفكرية الثورة الصناعية، وتخلص البشر من الزراعة القروسطية وضآلة العمل الصناعي لصالح المصانع الضخمة والإنتاج الكثيف ولاحقاً مكننة الزراعة ذاتها، وهذا ساهم في القطيعة مع بنية الوعي الديني القديم ولنقل حوّلها إلى ممارسة طقوسية خاصة ولاحقاً تراجعت لصالح وعي علماني ونقابي وحداثي عام. الثورة الصناعية لم تحدث في بلادنا، ولم تترافق مع النهضة الفكرية العربية، وهذا العامل يعد سبباً مركزياً لنمو التخلف والردة الأصولية وتراجع الوعي النقدي حيث بقي الإنتاج زراعياً والمصانع هامشية والتجارة هي الأساس. إذن لا يتشكل الوعي النقدي خارج سياق التطور العام، وبغياب مشروع طبقي للبرجوازية يخص الاقتصاد وكل مستويات المجتمع، فإن هذه الطبقة بالتحديد تساهم في إعادة إنتاج الهويات ما قبل الوطنية، وتشكل الأخيرة الفضاء الثقافي والإعلامي المتوافق مع مصالحها. يتأكد هذا من الموضوعات التي تناقش عموماً: الصراع السني الشيعي، عدم الاعتراف بالديمقراطية من قبل الإسلام السياسي، ضرورة إدخال الشريعة في الدستور كضابط للقوانين وبالتالي أسلمة الدولة، وهكذا.

الوعي النقدي لا يظهر ما لم تتوفر شروط مجتمعية ذكرنا بعضها أعلاه، وإن ظهر فسيكون هامشياً ونخبوياً. ونضيف لما ذكرنا هنا، أن العقود الأربعة الأخيرة شهدت نزوحاً كارثياً للمثقفين العرب إلى أوروبا، وترافق ذلك مع تعاظم أشكال الحكم التوليتارية، وحصلت الحرب الأهلية في لبنان واحتل العراق من قبل الأميركان ولاحقاً من قبل إيران، وتعثرت الثورات بعد 2011 لأسباب شتى ولم تحقق أهدافها؛ فسوريا تكاد تخلو من مثقفيها تقريباً؛ قصدت هنا أن غياب شروط مجتمعية وتفكك الدولة يمنع بروز هذا الوعي.

يشكل التعليم أداة أساسية في تغيير الوعي التقليدي؛ ففي كافة البلاد العربية تدرّس العلوم الطبيعية بمختلف فروعها، ولكن تدرّس كنصوص حفظية. أي لا تدرس لتشكل وعياً نقدياً وعلمياً لما يحيط بالطالب من ظواهر طبيعية، وكذلك الأمر في العلوم الإنسانية والفلسفة. التعليم يتطلب ثورة حقيقية، يُسمح فيه للمتعلم باستنتاج المعلومة بذاته، ويعطيه المجال واسعاً للبحث عنها، وبالتالي إنهاء الشكل التلقيني، عدا عن عوامل أخرى لها علاقة برفع ميزانية التعليم والثقافة ومختلف النشاطات الإبداعية. التعليم المتّبع يُغيّب العقل ويسمح بعودة الديني. ما ذكرته من عوامل تخص الاقتصاد والتعليم والسياسة كشروط عامة تحدد شكل الوعي نقدياً أم تقليدياً، وذهبت إلى أن الوعي مرتبط بالواقع، وهنا أقول الطبقات التي تسيطر على الواقع هي التي تعيد إنتاجه، وتكرّس الوعي التقليدي والديني لتؤبّد سيطرتها. السنوات الخمس المنصرمة أثبتت قدرة تلك الطبقات على تجديد نفسها، ومحاصرة كل التيارات الحداثية سياسيةً كانت أم ثقافية. التخلص من السيطرة لتلك الطبقات والهيمنة وأقصد الشكل القديم لأجهزة الأمن والجيش وكذلك الإعلام والتعليم هي مداخل أساسية للتغيير، للوعي النقدي المتجدد، ولنقل للبدء بأن يكون مسيطراً.

الغرب تجاوز كل ذلك، وكان نتيجة ذلك تعليماً إبداعياً، هذا الشكل المرغوب من الوعي لا يمكن أن يتحقق بتعليم تلقيني، ومهما صدرت دوريات وكتب وصحف وسوى ذلك ما لم يترافق مع نهوض مجتمعي حداثي وما دام البشر محكومين بأنظمة شمولية أو بقوانين تقيّد الحريات أو في حالة ضغط الحاجات المادية.

الثقافة العربية أمام مأزقٍ حقيقي، فهي إما أن تسعى نحو تمييز نفسها، وإنتاج إبداعات مميزة عن الواقع العربي وتوضيح مشكلاته وكيفية تشكيل حداثته الفعلية، وإما أن تبقى اتّباعية وماضوية تعيد إنتاج الماضي بما مضى. الثقافة العربية معنية كذلك بالاهتمام بالترجمة واعتبارها مدخلاً ممتازاً للاطلاع على آخر إبداعات العصر وفي كافة المجالات؛ الثقافة تتشوّه إذا تركزت فقط في مجالات الأدب والسينما والمسرح، وبالتالي هناك ضرورة نشر الكتب الحديثة في كافة المجالات، أو إصدار مجلات تخصصية علمية وفلسفية، وكذلك إصدار مجلات للوعي العام؛ أقول إن هذا يساهم في النهوض بالوعي النقدي.

وأخيراً، ربما المرحلة الراهنة من أسوأ ما مرّ به العرب في تاريخهم، حيث تتصاعد الردة الأصولية ويعاد إنتاج أنظمة تابعة وفاقدة لأيّ مشروع تقدمي وفي كافة المجالات، ويتم تبنى الطائفية كشكل حكم وتصوّر وكأنّها المطابق للواقع؛ يساعد في ذلك الدول الامبريالية حيث لا ترى العرب إلا طوائف وقبائل متقاتلة! إنهاء كل ذلك كما أوضحت من قبل متعلق بتغيير الشروط أعلاه؛ الثورات كانت مرحلة في هذا الإطار، وتعثرها لا يعني عدم ضرورة تلك الشروط بل التعقد يؤكد ضرورة إنجازها مجدداً.

الوعي النقدي ليس شتلة تنمو خارج شروط الواقع، وليست متعلقة بعقل المثقف وأحلامه التي تتحوّل إلى أوهام ما لم يتنبّه إلى علاقة الثقافة بالواقع، إلى علاقة وعيه النقدي بتغيير شروط الواقع، وإنهاء الطبقات التي تعيد إنتاج الواقع على قياس مشروعها العام في النهب وإنماء التخلف وتعميم الجهل وتكريس الوعي الطائفي.


كاتب من سوريا