عصر ليليت

سوريا وأنجلينا جولي والزمن الأمومي

الجديد  كمالا العتمة [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(112)]

من زاوية ضيقة وبكثير من التذمر نظر البعض لتبني أنجلينا جولي للطفل السوري اليتيم (موسى) في مخيم اللاجئين في تركيا. ولكن هذا الضيق لم ينعكس بشكل إيجابي للاقتداء بتصرفها الذي لفت نظر العالم لمأساة شعب قتل منه حوالي النصف مليون إنسان، وأصيب فيه بعاهات حوالي مليون ونصف، وشرد حوالي أربع ملايين خلال أربع سنوات لم يحرك المجتمع الدولي خلالها ساكنا لإنهاء مأساتهم، واكتفى الجميع بإرسال المعونات والخيم حسب المتاح وليس حسب الحاجة لهؤلاء المنكوبين، والبعض شارك بالنظر عبر شاشات التلفزيون بأسف من قرأ لتوه على الشريط الإخباري نبأ موت عدد من الفراخ في مصنع تعطلت فيه الكهرباء..

الطفل موسى ليس أول طفل تتبناه أنجلينا سفيرة الأمم المتحدة للنوايا الحسنة لمفوضية اللاجئين، هو رابع طفل يتم تبنيه من قبلها، فقد تبنت من قبل طفلا من كمبوديا وآخر من فيتنام وطفلة من أثيوبيا ليعيشوا معا كإخوة إضافة إلى أولادها البيولوجيين الثلاثة ولتمارس مهمتها في لفت انتباه العالم لما يفعلونه من مآس نتيجة الحروب ولم تكتف بذلك بل قدمت انتقادات لاذعة للأمم المتحدة التي لم تستطع أن تجد حلولا للمشاكل في سوربا التي تعد الآن أكثر مكان في العالم يواجه كارثة إنسانية مروعة. أنجلينا بتصرفها الإنساني وتبنيها للأطفال من أنحاء العالم بجنسيات وأعراق وخلفيات دينية مختلفة.. أعادت إلى أذهاننا صورة العصر الأمومي الذي كانت التجمعات الإنسانية فيه تقوم على قيم الأنوثة والأمومة التي هي العاطفة الأصيلة الوحيدة الصادقة حين اكتسبت المرأة هذه المكانة بسبب قدرتها على توسيع دائرة ذاتها لتشمل ذاتا أخرى ومخلوقا آخر وتغذيه بالحب فتحافظ عليه وتنمّيه وتكون مسؤولة عن حياته بغض النظر عن شكله أو قدراته أو أبوته. هذا الحب الأمومي الذي يحقق السلام والعدالة والمساواة الاجتماعية ويبتعد عن الاستبداد والتسلط والتعالي بين بني البشر.

أنجلينا صاحبة تلك الذات الواسعة قدمت الحب لأطفال العالم قولا وفعلا وقدمت اهتماماَ خاصاَ بالمرأة أيضا حين عرضت فلمها (أرض الدم والعسل) الذي تحدثت فيه عن قتل حوالي 300 ألف مسلم و50 ألف امرأة مسلمة تعرضن للاغتصاب في البوسنة، والذي حورب من قبل الصرب وعَرّضها للتهديد، ولكنها لم تتوان عن تقديمه للناس ليروا بوضوح شرور الحروب ونتائجها الكارثية.. وسوريا تحتاج ربما عشرات الأفلام على شاكلة “أرض الدم والعسل” تتحدث عن سفك دماء السوريين وعن اغتصاب النساء الذي فاق هذا العدد في البوسنة، والذي أدى إلى خلق جيل من الأطفال ليس لهم آباء معروفين وأحيانا ليس لديهم أمهات بيولوجيات والذي يقدر عددهم بحوالي 500 ألف طفل يتيم موزعين بين الداخل السوري ومخيمات اللجوء في تركيا..

فهل هذا العدد من الأطفال أو النساء الأرامل والمغتصبات سيعود بسوريا للعهد الأمومي من جديد وهل تصبح المرأة هي من يصبغ حياة الجماعة ويحدد قيمها وعلاقاتها ونظمها وجمالياتها؟

المرأة السورية الجديدة

ربما ستصبح سوريا مملكة النساء اللواتي سيكن حاضنات وناشئات لأطفالهن البيولوجيين وغير البيولوجيين، بعد أن فقدت سوريا من الرجال ما نسبته 89 بالمئة من أعداد القتلى. هذا الدور الذي تقوم به المرأة الآن في مخيمات اللجوء أو في المناطق المحاصرة وستقوم به في المستقبل القريب أيضا بعد أن تهدأ الحرب ويعود اللاجئون إلى بيوتهم المهدمة، ستكون المرأة هي المسؤول الوحيد عن الأُسرة وخصوصا بغياب دور الدولة التي ستكون كسيحة تعاني من صعوبات في محاولتها النهوض من بين الركام.

وكما فعلت نساء ألمانيا بعد الحرب حين قادت لويزا شرودر حملة نساء الأنقاض التي شارك فيها 80 ألف امرأة لفصل الأحجار السليمة عن الأحجار المهشمة بعد أن أصبح في المانيا 400 مليون متر مكعب من الأنقاض. وكما ساعدت المرأة الألمانية في النهوض ببلدها رغم المعاناة التي كانت أشد وطأة عليها ووصلت بألمانيا إلى ما وصلت إليه اليوم من اقتصاد وقوة عسكرية وتربعت على عرش القيادة فيها امرأة فيها من القوة والتواضع ما يجعلها مثالاً لنساء الكون ولرجاله.. ستكون المرأة السورية أيضاً، وهي لا تقل عنها قوة ولا ذكاء لتصبح في المستقبل إلى جانب دورها كعاملة وفلاحة وموظفة وطبيبة، ستكون هي الحاكمة وهي صاحبة القرار وهي المسؤولة عن تنشئة جيل جديد يهتم بالسلام والعلم والعدل، ونتيجة جهودها سيتراجع الرجل عن دوره التسلطي مرغما ولن تكون له القدرة على إنتاج مجتمع ذكوري جديد وخصوصا أن الرجال أثبتوا عدم قدرتهم على إيقاف الحرب التي لن يوقفها سوى نساء العصر الأمومي القادرات على إرضاع الحب لجميع الأطفال الذين هم أخوة في أسرة كبيرة تتسع لتشمل الجميع.. بغض النظر عن أشكالهم المختلفة. والقادرات على إشاعة جو الحرية والمساواة والعدالة بين أفراد المجتمع.. والقادرات على إشاعة فكرة السلام والمحافظة عليها ورفض رفع السلاح بوجه الأخوة.. القادرات على إعادة عصر الفروسية والشهامة وحماية النساء بالضمير الذاتي للفرد.. امرأة سيكون الرجل حاميا لها من الأعداء فقط، ومسانداً لها في إزالة الركام وبناء الحياة من جديد بشكل جميل خططت له امرأة تحب السلام والجمال على شكل الإله، امرأة على شاكلة أنجلينا جولي ومثيلاتها من نساء انطلقن خارج حدود ذاتهن ومجتمعاتهن بنظرة إنسانية رائعة لتتحقق رغبة ورؤية الدكتورة نوال السعداوي التي قالت في إحدى محاضراتها مستنكرة تراجع دور المرأة في العصر الحالي (كنت أعتقد أننا في القرن الواحد والعشرين سندخل العصر الأمومي من جديد”.

فهل ستدخل سوريا في العصر الأمومي الذي تقصده الدكتورة نوال السعداوي حين كانت المرأة هي أول ديانة للرجل كما شهدت رسومات جدران الكهوف قبل 36 ألف سنة قبل الميلاد عن سيدة براسميوي، وفينوس دي سيروي، والربة إنانا في الأسطورة السومرية ربة البشر والشجر والخصب.. والربة ليليت المقدسة ربة المهد التي ترعى الأطفال وتسهر على تربيتهم التي تقول الأساطير إنها خلقت من طين مثل آدم وهي الزوجة الأولى له ولم تخلق من ضلعه مثل حواء الزوجة الثانية له بعد أن رفضت ليليت الخضوع لآدم وفضلت أن تتوه في الحياة بدل أن تعيش في الجنة مقيدة له للأبد.. فكم من حرة الآن في سوريا تشبه ليليت التي كانت ندّا لآدم، وكم من امرأة خرجت من الحرب أقوى وأصلب بعد ما عانت من قهر السجن وحرقة التعذيب ومرارة الفقد وصعوبات البقاء. وكم من ربة ستقف على أرض صلبة لتحقق مملكتها التي ليس فيها سوى الحب والعمل. وكم من امرأة ستعيد الحصان من حيوان يستخدم في الحرب إلى حيوان يستخدم للجر.. وستذيب حديد القذائف لتبني به بيوتا مهدمة يحتاجها أطفال يتطلعون للحياة والمستقبل.

تحية لك أنجلينا جولي وتحية لك أيتها المرأة الحرة أينما كنت لأنك قادرة على قيادة المجتمع، وتحية لك أيتها المرأة السورية صاحبة التاريخ العريق والكبرياء العظيم.


كاتبة من سوريا مقيمة في واشنطن

مقالات أخرى للكاتب:

  • النوم‭ ‬على‭ ‬الأريكة