عن التعب الذي يلد الأمم والحماسة التي تميتها

ليس ثمة ما يمنع النخب المثقفة في الشرق الأوسط اليوم من المطالبة بقيام دولة القانون والمؤسسات. هذا مطلب يمكن أن يكون دقيقاً في منطقة مضطربة منذ بدايات القرن الماضي. أي منذ ولادة الشرق الأوسط في الوثائق الاستعمارية، بحسب دافيد فرومكين. لكن المسألة التي تحتاج إلى إنعام نظر وتدقيق بالغي الحصافة والتنور تتعلق أولاً وأخيراً بالقوى التي يناط بها حماية الدستور ودولة القانون والمؤسسات.

الجديد  جون ريتش [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(114)]

لوحة: فيصل لعيبي
وليكن التعليق أكثر دقة، وجب علينا أن ندقق بالقوى التي يوضع القانون وتبنى المؤسسات لأجل حماية مصالحها. فالقوانين المرعية الإجراء في أي بلد أو أمة هي القوانين التي تسندها قوى اجتماعية وسياسية تنتج ثقافة يكون القانون في متنها. هذه القوى تتمتع بميزتين على الأقل، على ما يرى ميشيل فوكو، أولاً: هي قوى غنية ومنتجة على المستوى الاقتصادي، وتريد أن تستثمر يسرها على نحو واضح لا لبس فيه. وثانياً: هي قوى لا يمكن الاستغناء عنها، بمعنى أن غناها وقواها الإنتاجية ضرورية لبقاء الأمة وازدهارها. فضلاً عن هاتين الميزتين الضروريتين، ثمة ميزة يمكن إضافتها في الراهن من الأحوال، تتعلق بضرورة أن تشكل الأمة التي تتكون من شعب وأرض ذات حدود تسود فيها سلطة القانون، وأن تشكل هذه الأمة ثروة لا غنى عن استغلالها لئلا تهاجر هذه الفئات إلى أقاصي الأرض حاملة معها ثرواتها.

في العصر الإقطاعي كان الدفاع عن الأرض مفهوماً وغير قابل للنقض، إذ كانت الثروات تتركز أولاً وأخيراً في العقارات والملكيات الشاسعة التي يمتلكها الإقطاعيون فضلاً عن الملكيات الأخرى. لكن الأمر اليوم يحتاج تدقيقاً شاملاً من جديد، حيث في وسع أيّ متمول أن يشتري من دبي شركات في الهند وكوريا والولايات المتحدة، مثلما يستطيع أن يضارب على العملة في ماليزيا وهو يعيش في نيجيريا مثلاً. الثروات التي لا غنى عنها اليوم ليست أراض لا يمكن نقلها من إدارة إلى أخرى إلا بقوة الجيوش. لهذا كله يجهد الاقتصاديون وأصحاب الخطط الشاملة اليوم في إغراء أصحاب الرساميل بالتسهيلات الضريبية والبنى التحتية المتطورة فضلاً عن ثبات النقد وليونة القوانين.

لا تعدم الدول ذات السيادة بعض نقاط القوة في مواجهة المستثمرين. فحين يقبل المستثمرون على بلد ما لأيّ سبب من الأسباب فإنهم يفضلون أن يبقوا على استثماراتهم فيه. ذلك أن هروب الرساميل، الذي يترك آثاراً مدمرة على الاقتصادات الوطنية، لا يتم من دون خسارات كبرى لأصحاب الرساميل. فالهلع الذي يعقب الانهيار يضع الجميع في خانة الخاسرين. فلا يغامر المستثمرون في بلد تجتاحه أعاصير السياسة والانقلابات، فضلاً عن أنهم يفضلون العمل في البلاد المستقرة أحوالها والتي لا توحي أوضاعها الاجتماعية بالخطر واحتمال نشوب الفوضى. بهذا المعنى يقع على الدولة الحديثة عبء تأمين الاستقرار الاجتماعي المقنع للمؤسسات المالية العالمية والمستثمرين على حد سواء، وتأمين مصلحة المستثمرين على أفضل وجه في الوقت نفسه، وهاتان كما لا يخفى مهمتان متضاربتان متناقضتان على نحو فاضح وصريح.

والحال فإن تأمين اقتصاد مزدهر واجتماع مستقر ومتطور يفترض أن تسود الدولة على أراضيها سيادة مطلقة لا تشوبها شائبة. السيادة في هذا المعنى ليست مطلباً رمزياً أو شعرياً. على الدولة أن تقنع المستثمر أنها تملك حق تقرير حربها وسلمها بيدها، وعليها أيضاً أن تقنعه أنها قادرة على تطبيق القوانين التي تنصها، فلا يعتدى عليه لمجرد أن ثمة في البلاد قوى أمر واقع لا تلتزم منطق الدولة ولا تخضع لقوانينها.

هذا في ما يخص السيادة لكن المسألة لا تقف عند حدودها على كل حال، على الدولة أيضاً أن تقنع المستثمر أنها تملك ثروة يمكن استغلالها على خير وجه. قد تكون الثروة نفطاً مدفوناً في باطن الأرض أو ذهباً أو فحماً حجرياً، لكن الثروة الأهم والمطلوب المحافظة عليها ليتم استغلالها هي الشعب نفسه. وعلى الدولة أن تسود عليه وأن تشمله بسيف سلطانها.

من هو الشعب؟

ليست الإجابة عن هذا السؤال بالبداهة التي نظنها. ثمة نص قانوني ودستوري، عالمي، يقول إن الشعب هو مصدر السلطات. لكن النص للمدقق جيداً لا يذهب مذهب الإيضاح. قد يكون الشعب مصدر السلطات على نحو ما يكون النفط مصدر الثروة التي يتمتع بها الكويتيون. أي أنه مادة خام إذا ما أحسن استغلالها يمكن أن تزهر وتورق وتثمر. الشعب مصدر السلطات، لأن شرط حيازة السلطة أن يتمتع من يحوزها بالجنسية التي تخوله أن يكون مواطناً في دولة ذات سيادة. إذن ينبغي أن يكون المرء حاملاً للجنسية. الفلسطينيون ليسوا من الشعب اللبناني أو المصري، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا مصدراً من مصادر السلطات. وعلى النحو نفسه لا يمكن أن يحوز السوريون حق التمتع بالسلطة في لبنان دستورياً وقانونياً لأنهم ليسوا من الشعب ولا يمكنهم تالياً أن يكونوا مصدراً من مصادر السلطة. لكن الشعب هو الثروة التي إذا ما أحسن استغلالها، تنتج أفراداً ومواطنين يصبحون كل بمفرده فرداً ذا صفة على وجه التحديد: عامل، قاض، طبيب، مجرم، مدير جامعة، متقاعد أو عاطل عن العمل. شعب الدولة والحال هذه هو مجموعة من الأفراد الذين يحق لهم الانتظام في أطر سياسية وحزبية ونقابية بحسب واقع حالهم ومواقعهم في المجتمع. والدولة تنظر في مطالب ومظالم هؤلاء بحسب مواقعهم الاجتماعية والاقتصادية، فلا يحدث أن ينظر وزير التربية في حق الشعب بالدراسة الثانوية، إنه ينظر بحق الطلاب الثانويين في الدراسة، مثلما لا يسع المرء أن يبني بيته من دون رخصة يوقّع عليها مهندس مدني ومعماري، ذلك أن مسؤولية الإنشاءات تقع على عاتق المهندسين سلباً وإيجاباً مثلما تقع مسؤولية الصحة العامة على عاتق الأطباء سلباً وايجاباً، وتنظم الدولة والإدارات هذه الشؤون مع أصحاب الاختصاص وذوي الشأن حصراً. وعلى نحو أدق، لا يسع المرء أن يقطع يد السارق حتى لو كان قد سرق بيته بل عليه أن ينتظر حكم القضاء. هؤلاء الاختصاصيون من الشعب لكنهم ليسوا الشعب، بل هم أعضاء في فئات اجتماعية فاعلة، كان بيير بورديو يرى المجتمعات مقسومة على أساسها. فبحسب بورديو ليس ثمة من وجود للطبقة العاملة قبل كارل ماركس. تدوين أوضاعها ومراقبتها من صاحب سلطة علمية هو ما جعل الطبقة العاملة تكتسب حقها في الوجود. تتحدد الفئات التي تكوّن مجتمعاً والحال هذه، بوصفها نطاقات اجتماعية ذات سجلات ومحاضر.

أين يقع الشعب في هذا السياق؟ يطرح سييس في نص مشهور له حول الشعب ثلاثة أسئلة “ما هو الشعب؟ هو كل شيء. ماذا كان حتى الآن؟ لا شيء. بماذا يطالب؟ أن يصبح شيئاً ما”. ويضيف إن الشرط الضروري لوجود الأمة، هو شرط صوري بمعنى ما. إذ يكفي وجود قانون وهيئة مشرعة لتتكون الأمة من وجودهما. بطبيعة الحال لا ينهي شرط سييس الجدال. القانون والحق في التشريع يحتاجان حاجة ماسة إلى اعتراف القوى أو الأفراد أصحاب المصالح الراجحة والوازنة بسيادة القانون وحق الهيئة التشريعية بالتشريع. لهذا يعتقد بولانفيلييه أنه يكفي أن تكون هناك مجموعة من الأفراد ذات مصالح مشتركة، وتجمعها بعض العناصر المشتركة، كالعادات والتقاليد واللغة حتى تكوّن أمّة.

والحال فإن الشعب الذي لم يتسن له حتى الآن أن يكون شيئاً ما، هو الشعب نفسه الذي يراه جيورجيو آغامبن أقلية. الشعب أقلية، لأن القوى التي تقرر وتضغط وتفعل في المجتمعات وتصنع سياساته ليست شعباً. إنها قوى محددة الأطر ومعروفة الأواصر والعلاقات. الشعب في هذا المعنى ذرات متباعدة، ينظمها القانون سلباً. أي يحق للشعب أن يخضع لسيادة القانون. لكن حقوقه التي يمتعه القانون بها ليست إنجازاً بديهياً. ليست معطى بموجب وثيقة الميلاد وبطاقة الهوية. القانون والسلطات التي ترعاه تفترض أن التمتع بالحقوق إنما يكون أولاً حقاً من حقوق الأفراد. إذن ما الذي يحق للشعب أن يتمتع به بموجب قوانين وسلطات الدول الحديثة؟

ليس خافياً على الكثيرين المناقشات المستفيضة التي افتتحها ميشيل فوكو حول حق السلطان على الحياة والموت. لكنّ بحثاً عميقاً في أفكار فوكو، وخصوصاً في ما صدر له من بعد وفاته، يوضح أن الدولة الحديثة صارت تضطلع بمهمات أشد تعقيداً بكثير. لم تعد السلطة، سلطة الدولة، تمتلك حق الحياة أو الموت على الشعب. في الأصل لم تكن هذه السلطة تملك حق الحياة على الشعب وأفراده. كانت تمتلك السلطة على قتله ومنحه العفو. أي أن الحياة معطى لكن القتل من حق السلطة التي تستطيع أن تمنح العفو والإبقاء على هذا المعطى. لكن ما تغير بين سلطة بيلاطس البنطي والسلطات الحديثة اليوم يتعلق بحق السلطان على إماتة الناس. يذهب فوكو إلى اعتبار السلطات الحديثة تضطلع بواجب أكثر من حيازتها حقاً. تضطلع بواجب المحافظة على حياة المواطنين. على الدولة أن تحمي مواطنيها من الموت. وعلى عاتقها تقع مسؤولية درء الحروب الخارجية وتنظيم السير، واحترام حقوق المشاة والتنبه والتيقظ للكوارث الطبيعية. الدولة في كل هذا إنما تحافظ على ثروتها، الثروة الخام التي هي الشعب، الشعب الذي لم يتسن له أن يكون شيئاً حتى الآن، وهو إلى ذلك لم يتجاوز حدود الأقلية نحو تشكيل أكثرية ما في أي مكان من العالم. حتى في الأنظمة التوتاليتارية، لم يستطع الشعب الذي يُحكم باسمه أن يكون شيئاً ما، على ما توضح حنّا أردنت، رغم أن سلطة الشعب في ظل تلك الأنظمة كانت إلى حد بعيد حجة من حجج السلطات، ويمكن للباحث تقصي أثرها في عسفها. والحال، فإنه باسم الشعب الأصم والمتماسك تم تدمير الطبقات والفئات. أي تم تدمير ما انبثق عن الشعب من ترتيبات وصيغ لصالح العودة إلى كتلة شعبية صماء وسلطة واحدة تختصر كل السلطات. على هذا يجدر بنا تذكر مناقشات ما بعد الثورة الفرنسية بوصفها تمتلك حظاً من الوجاهة القاطعة: تظهر الثورة الفرنسية في تحليلات مونلوزييه، بوصفها الحلقة الأخيرة من عملية التحويل التي قامت بها الملكية المطلقة. وكانت الثورة هي الإنجاز الأخير لهذه السلطة. هل قامت الثورة بعملية انقلاب على الملك؟ أبداً. الثورة أنجزت وأكملت عمل الملك. يجب أن تُقرأ الثورة بوصفها إنجاز الملكية، إنجاز تراجيدي، ممكن، ولكنه إنجاز واكتمال سياسي حقيقي. وبذلك نكون قد قطعنا فعلاً رأس الملك في مشهد 2 جانفي 1793، ولكننا توجنا عمل الملكية. وهكذا تم الكشف عن تلك الاتفاقية، عن حقيقة الملكية عارية والسيادة المنزوعة من النبالة بواسطة الملك وتحويلها من ثمة إلى الشعب، الذي وجد نفسه، كما يقول مونلوزييه، الوريث الشرعي للملك. يكتب “الشعب السيد: لا داعي لأن نوبّخه بمرارة كبيرة. إذ لم يقم إلا بإنجاز عمل أسياده السابقين”. تخفي المرارة التي يهجو بها مونلوزييه الشعب السيد والحر، افتراضاً لم يكن يومذاك فصيحاً تماماً. الافتراض الذي يقوم على اعتبار العلاقة بين سلطة الملك المطلقة والنبالة علاقة صراعية، أي أن النبالة هي، حقاً، من جعلت المشاركة في السلطة وتوسيع أطر الفاعلين والمقررين فيها ممكناً. بتعبير أدق النبالة هي إنجاز اعتراضي في وجه سلطة الملك المطلقة. وإذا أراد المرء أن يذهب في هذا التحليل نحو قعره، يمكنه أن يقرر أن اقتراح مونلوزييه يتلخص في ضرورة إنشاء طبقات وفئات اجتماعية أخرى من صفوف الشعب المتراصة يمكنها أن تشارك أو تنتزع بعض سلطات الملك. لكن تدمير النبالة يلغي الوسيط بين السلطة الملكية والشعب ويجعل سلطة الملك على شعبه مطلقة. السؤال الذي يبدو محيراً في هذا المجال له علاقة وثيقة بوجهة ممارسة السلطة. هل كانت النبالة تمارس سلطتها على الشعب أم تنازع الملك بعض سلطاته؟ هل السلطة على الشعب معطى لا يتحول، وعلى الشعب أن يتشكل في فئات وتجمعات وأحزاب ليتسنى له أن ينازع الملكية والنبالة السلطة على نفسه؟ كيف يصبح الشعب سيداً حقاً؟

أفول سلطة المعرفة

ليس القانون ما يمنح الشعب سيادته طبعاً. أما الدستور فيحدد الإطار العام الذي تدعي السلطة أنها تمارس سلطتها بموجب قدسيته المطلقة. الدستور الذي يحدد الحدود ويخترع الأمّة ويفرض المهمات المقدسة. والدستور الحديث هو الذي يمنح الدولة مرة أخرى حق الموت على طرف ما. حق الموت على من هم خارج الحدود، أي على الأعداء الذين يشكلون خطراً داهماً على وحدة الأمة وسلامة أراضيها. هذا الانتقال المشهود والموثّق في حدود السلطة على الموت جعل حاملي الجنسية أعلى كعباً حكماً من الآخرين الذين يقبعون خارج الحدود. جعل حامل الجنسية يتمتع بحقه في حفظ حياته بكل الوسائل المناسبة. مسؤولية الحفاظ على حياته تقع على عاتق الدولة نفسها. فالدولة والسلطات المنبثقة عنها مولجة بحماية المواطن من العدو، وهي التي تساءل وتحاسب حين تتعرض حياة المواطن للخطر. يبقى أن الإشارة ضرورية لهذا الملمح العنصري في الدول الحديثة. ملمح عنصري نشهد آثاره في المهن التي يضطلع بها المهاجرون في الدول التي يلجأون إليها، ونلمح أثره أيضاً في القوانين التي يخضع لها المقيمون من غير المواطنين، فضلاً عن أحوال الناس في المطارات وندرة ما يتمتعون به من حقوق، مثلما تشهد عليه شهادة بليغة تعقيدات قوانين منح الجنسية.

بالعودة إلى قلق الدول الحديثة، لا بد أن يلاحظ المرء أن اختلاف مصادر الثروة وانتقال مراكزها من الأراضي والثروات الطبيعية إلى مختبرات العلوم وإنتاج الرموز والصناعات الدقيقة فضلاً عن رؤوس الأموال السائلة، يجعل المواطن مهدداً في حقوقه الأساسية. فالدول الحديثة تولي عنايتها البالغة لاستقطاب أصحاب الرساميل إلى الاستثمار في نطاق سلطتها، مثلما تغري أصحاب العقول العلمية في العمل بمختبراتها، فضلاً عن الحمّى التي تعصف في كل مكان حالما تمر نجمة سينمائية عالمية في شارع من شوارع إحدى المدن. هكذا يمكننا فهم اتجاه آغامبين إلى تقسيم المجتمعات اليوم فئتين: المواطنون والمهاجرون. المواطنة بالنسبة إلى آغامبين هي امتياز، لكنها ليست امتيازاً بالولادة إلا بمقدار ضئيل. طبعاً ما زال المرء قادراً أن يلحظ امتيازاً ما لجواز السفر الهولندي على جواز السفر السوري مثلاً، لكن القسمة التي يقترحها آغامبين أشد تعقيداً بكثير. فهو يقترح قسمة جديدة، داخل نطاقات سلطة الدولة: المركز والضواحي؛ المدينة والريف؛ وصولاً إلى الغرب الأوروبي والشرق الأوروبي؛ ثم الغرب والشرق عموماً. مراتب لا تحصى لكنها واضحة المعالم. آغامبين بهذا المعنى يقيم للجغرافيا وزناً حاسماً. لكن الجغرافيا في هذا السياق ليست مكاناً. الجغرافيا علاقات وتواريخ وسمعة أكثر منها مكاناً يخضع للسيادة. ينبغي على المكان أن ينجز سمعته، أي أن لا يظل مكاناً خاماً بمعنى من المعاني. ثم على المكان أن يحسن تصوير تاريخه وكتابته، وأن يرتّب علاقات الدائرين في حيزه الجغرافي بحيث يمكن للجميع أن يشعروا بتعاظم سلطاتهم وحرياتهم. لكن المكان الذي يوصف على هذا النحو ينبغي أن يكون أيضاً طارداً وعصبياً وغير مرحب. ينبغي أن يطرد من لا يحوز الشروط الضرورية من صلب نواته. على هذه المهمة ينشأ عدد من التواطؤات والاتفاقات المبهمة: تعقيدات قوانين منح الجنسية، صعوبات الحصول على تأشيرات دخول تتفاوت بحسب أهمية البلد المراد زيارته، ارتفاع أسعار العقارات الخيالي، فنادق النجوم الخمسة، المجوهرات التي تتضاعف أسعارها ما أن يوقعها كبار مصممي المجوهرات، الثياب التي لا منطق يجعل سعرها مرتفعاً إلى هذا الحد. كودات كثيرة ولا تحصى عدداً تتدخل في جعل عملية الطرد ناجعة وفاعلة. وليس مهماً أن يعرفها المرء أو يجهلها، فالمعرفة لم تعد سلطة كما كان الأنتربولوجيون يحسبون، المهم أن يكون المرء قادراً على حيازة سلطة والتمتع بها.

لوحة: فيصل لعيبي

لا بأس بهامش صغير حول علاقة المعرفة بالسلطة:

يرى بيير بورديو أن المعرفة سلطة، وأنها جالبة للسلطة الأخرى المتعلقة بالثروة المادية. بورديو يرى أن ثمة مصدرين للسلطة: المعرفة والثروة. وغالباً ما تتصلان وتتعالقان في ما بينهما فتنتج المعرفة ثروة، وتنتج الثروة معرفة، ولو كان ذلك يحتاج إلى بضعة أجيال ليتحقق. بورديو لم يخترع هذا التصنيف، فثمة إشارات كثيرة لهذا التقسيم ظهرت في كثير من أعمال الذين سبقوه. لكن البداهة التي تتسم بها هذه الفكرة تحتاج اليوم إلى كثير من التدقيق:

حين تتعاقد نجمة ما مع جيورجيو آرماني على تصميم ثيابها فإنها عاجلاً أم آجلاً ستسلم بحقه في المعرفة وأسبقيته عليها في مجال اختصاصه. وشيئاً فشيئاً ستتحول النجمة جاهلة بالموضة وفن الخياطة وتسلس قيادها إلى جيورجيو آرماني في هذا المجال الذي يتحول إلى عالم وعارف ومقرر. ثم وبعد ردح من زمن تمتعه بهذه الامتيازات الاستشارية جميعاً يتحول إلى مدير مختبر يجري اختباراته على جسم النجمة الطيع والمستسلم. آرماني مستشار الثياب والعطور، وكارتييه مستشار المجوهرات ومكسيم مستشار المذاقات، وغارنييه مستشار في صحة الجلد، والماريوت مستشار في شروط السكن المريحة. لن تعترض النجمة حين يعرض عليها الفندق غرفة زجاجية، مثلما لن تعترض لو أسكنها في عمارة قوطية.

لكن ذلك كله لن يحجّم سلطتها. آرماني في هذا المعنى يشبه الجيش الذي يحمي الحدود. جنرال تتحدد مهمته في دفع جموع العامة عن ثوب النجمة. يسوّر حدود الثوب بالسعر المرتفع، وأيضاً بإلقاء بعض الفتات للجائعين الثائرين والعارفين بما يجري.

من آن إلى آخر يجدر بالمصمم الرفيع أن يعد ثياباً للعارفين الجائعين.

المعرفة في هذا المعنى لم تعد سلطة، بل هي في أحسن أحوالها شهادة انتساب إلى بيروقراطية ما تستند على مهاراتها الذهنية حصراً في ترتيب العلاقات بين أهل السلطات وفي الدفاع عن حدودهم. العارف اليوم هو ثروة خاملة ينتظر من يحتاج خدماته ويطلقها ليصبح في عداد البيروقراطية الناجحة.

والحال فإن أحد امتيازات السلطة اليوم أن يتمتع حائزها بالجهل والكسل الذي يعفيه من جهد المعرفة. أكان هذا الجهد سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً. الامتياز الأكبر الذي تطمح له السلطات اليوم، أيّ سلطات، لا يعدو أن يكون حقها في أن تجهل ما يجري خارج حدودها. ليس مهماً أن ندرك تعقيدات العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. بل المهم أن نملك السلطة الكافية لفرض رؤيتنا الساذجة على الفلسطينيين والعراقيين والبوسنيين والأندونيسيين على نحو قاطع ومن دون لبس.

حاجج جوزف استيغليتز طويلاً في سياسة صندوق النقد الدولي غير المفهومة والتي لا تخضع لأيّ منطق، لكن صندوق النقد الدولي، في ما يظهر، لا يتبع المنطق بل يتبع سلطته التي تمنحه الحق في أن يكون جاهلاً. أليس الحديث عن محاربة داعش بحيش العشائر والميليشيات الطائفية اليوم حديثاً ينم عن جهل لا يتمتع به إلا أهل السلطات الهائلة؟

هل في وسعنا أن ندّعي أن المعرفة اليوم تنحاز طردياً إلى صف المحكومين، وأن الجهل يقع في صف أهل السلطات؟ بل ألا تستطيع اليوم أن تصنع سلطة هائلة بقوة الجهل وحده؟ أليس هذا ما تنبئنا به تجارب خامنئي والبغدادي وحتى إدارة أوباما نفسها؟

الديمقراطية المختصة والتوتاليتارية الشائعة

قد لا تكون المعرفة سلطة. لكنها تملك قدرة على التخريب. يملك العارفون أن يتنبأوا، يملكون أيضاً أن يقدروا أحوال المستقبل. لكنهم أيضاً يملكون أن يجعلوا السلطات الهائلة بلا لسان. السلطة لا تكف عن إبداء حاجتها الماسة للمعرفة، المحاججة وصناعة الحجج، ابتكار الرأي.

يقول بول فيريليو إن الديموقراطية تولي صناعة الرأي مقاماً عالياً. صناعة الرأي في الديمقراطيات تشكل علامة نبالة من معيار ما. الديمقراطية بحسب فيريليو تقنّن الرأي. طبعاً ثمة من يحسب أن الديمقراطيات تفلت الرأي من عقاله. لكن الرأي على ما يوضح فيريليو يحتاج ليتكوّن ويسود أن يكون مقنعاً. أن يتماسك بالمنطق، ونجاح المنطق يتأتى من قدرته على صناعة التسويات الناجحة. ليس من المنطق في شيء أن يقوم الشيوعيون بتجاهل الطبقات والفئات الاجتماعية جميعاً وتقديم وتصدير الطبقة العاملة وحدها دون غيرها. ذلك يجعل المستقبل قلقاً. لأن القوى التي تتم محاربتها ونفيها وقسرها على عدم التعبير عن مصالحها لا تلبث أن تجعل المستقبل قاتماً وغير قابل للاستقرار. المنطق يفترض أن تراعى القوى جميعاً. حسن تدبير الخطط وتدبيج الحجج فن قائم في حد ذاته. على المنطق أن يأخذ في اعتباره كل الاحتمالات. لهذا لا بد أن يكون تسوّوياً. لكن المنطق الذي ينشأ القانون وتقوم الدساتير على أساسه هو المنطق الهش نفسه الذي تنقلب عليه القوى الفاعلة وتقوم الحروب على قاعدة نقضه.

ليس ثمة ما يبرر الحروب منطقاً. كل الحروب خاسرة، إذا ما تم النظر إلى الحروب من بؤبؤ عين الدولة المولجة بحماية مواطنيها. الدولة في هذه الحروب تخسر من اقتصادها، أفراد جيشها وسلامة أراضيها ومبانيها. وإذ تقاس مسألة الخسارة بقدرة الدولة على تعويض ما خسرته بعد الحرب إلا أن الخسارة تقاس دائماً، من ناحية ثانية، بحجم الأضرار الناجمة عن تجنب الحرب. ينبغي القول إن الولايات المتحدة الأميركية وجدت نفسها بعد الحادي عشر من سبتمبر من دون قدرة على تجنب الحرب، أي على تجنب خسائرها في ما لو قررت عدم الدخول في حرب ضد الإرهاب. كان في وسع الرئيس الأميركي ألاّ يتخذ قراراً بالحرب على الإرهاب الذي طال الدولة الأميركية في بعض أبرز رموزها. لكن مثل هذا القرار لا يملك ملمحاً مستقبلياً، بل يكاد يشبه الوضع الذي وجد صدام حسين نفسه حياله قبيل شن الحرب على نظامه. أن تتجنب الحرب بكل الوسائل الممكنة، يعني أن تغامر في جعل الخسارة بطيئة وطويلة الأمد. نظام صدام حسين الذي كان يحاول الانفكاك من أثر الحصار المفروض على العراق، كان قبيل الحرب، وهو يحاول تجنبها، يغامر بأن يجعل الحصار حالة دائمة. وهذا بالضبط مفاد الاقتراح الفرنسي – الألماني – الروسي يومذاك، الذي دعا إلى عدم الانزلاق إلى الحرب من دون أن يبدي استعداده للتصالح مع نظام صدام حسين. كان الاقتراح الأوروبي والذي لاقى ترحيباً عراقياً حاراً، يقضي بأن يترك العراق ليموت من تلقائه. وبعبارة أخرى، أن تتجنب الأمم المتقدمة في العالم خسارات في الحروب هي في غنى عنها لأن ليس ثمة حرب مفروضة عليها، تهدد مستقبلها وينبغي أن تعد العدة لخوضها. جل ما جرى الاعتراض عليه يتعلق، إلى هذا الحد أو ذاك، بالجشع الأميركي. وبمعنى آخر بالاستعداد الأميركي للقيام بحرب من دون سبب وجيه. فالعراق لا يهدد أمن الولايات المتحدة، لكن سيطرة الولايات المتحدة على العراق ومن ثمة على المنطقة من بعده تهدد مستقبل أوروبا برمتها. ما يتيح للولايات المتحدة القبض على علاقة المفاتيح كاملة، والتحكم بمستقبل حلفائها الأقرب.

بين إدارة جوج بوش الابن وإدارة أوباما فوارق جليلة. الحديث عن رغبة إدارة أوباما في تجنب الأزمات هو حديث لا يمكن الركون إلى بعد نظره. الولايات المتحدة التي تخوض مناوشات في الشرق الأوسط، تغامر في أن تجعل الجميع أعداء لها. هي منخرطة في الحروب لجهة الخسائر التي تنجم عنها، لكنها منسحبة من تلك الحروب لجهة المنافع أو سياسة الحد من الأضرار التي تدفع إليها. إدارة أوباما ترضى لجيشها أن يشكل سلاح جو وقوة إسناد لميليشيات الحشد الشعبي التي تدين بكل ولائها لإيران. ميليشيات الحشد الشعبي لا تكف في كل مناسبة عن رفض المساعدة الأميركية، حين لا تكون في حاجة لها، وقبولها على مضض حين تكون الحاجة إليها ملحّة. جيش الولايات المتحدة في العراق غير مرغوب به من قبل من يجهد لأن يساعده في معركته. النتيجة المنطقية التي ستنجم عن هذا السلوك هو تدفيع إدارة أوباما أكلاف الحرب على داعش، ومنعها في ما بعد من الحصول على غنائم الحرب ومنافعها. كل الغرم على الولايات المتحدة وكل الغنم لإيران.

الأمّة التي تبنى على تعب المحاربين

تقوم التسويات في التاريخ الحديث على اعتقاد مجموع القوى المؤثرة بضرورة التسويات في ما بينها لحماية مصالحها. الأمة في هذا المعنى سابقة على التسوية. أي أن قدرتها على البقاء والاستقلال والاستقرار كانت موجودة من قبل وجود التنظيم القانوني والدستوري. ما أن يتم التنظيم حتى يوجّه الصراع العنيف الذي كان حتى هذه اللحظة حربا أهلية، إلى الخارج. شرط وجود الأمة هو استقرارها، أن تعرف قواها الحدود التي لا يمكن تجاوزها. لهذا تبدو القوانين ضرورية. القوانين التي تضعها فئة محايدة. فئة تعرف القوانين، ومعرفتها تخولها أن تشكل بيروقراطية ما تقوم بفض النزاعات في ما بين القوى المؤسسة صاحبة المخالب والأنياب الطويلة. يمكننا القول إن الأمة تتشكل من تعب المحاربين. الأمة تتكون وتستقر حين تتيقن الأطراف المتنازعة ذات الشأن من أن الحرب في ما بينها ليست أكثر من خسارة صافية. والحال، يحوّل القانون المرعي الإجراء العوام والطبقات أفراداً أمام القانون. لهذا تبدو التظاهرات والحشود مربكة للقانون. التظاهرات تجعل القانون عاجزاً أو كسولاً. فالقانون يحتاج أن يحاكم الحشد فرداً فرداً. أن يحدد المسؤوليات في دقة شديدة. أن يفكك العصبية التي يتمتع بها الحشد. بقوة البوليس من جهة أولى ودقة القانون من جهة ثانية. الحشود في هذا المعنى تبدو كما لو أنها، على الأقل، قوة معطلة. على الأقل خدم يرفضون الخدمة. وينبغي على الحشد ليكون مؤثراً أن يثبت أن امتناعه عن الخدمة يرتب آثارا خطيرة على الأمة. لو قسمنا العالم إلى نطاقات اجتماعية ومهنية لبدا إضراب للأطباء في بلد ما، بالغ التأثير على المجتمع برمته. حيث لا يمكن للقوى المؤسسة تجاهله. إضراب الأطباء يعطل المجتمع لكنه أيضاً يوضح ضرورة وجودهم، أهميتهم وقدرتهم على تشكيل عصب حيوي من أعصابه. بالامتناع والإضراب تستطيع القوى الناشئة أن تثبت ضرورتها. لكن بعض النطاقات تستطيع أيضاً بهذه الوسيلة العنيفة أن تثبت انتقالها من صعيد إلى صعيد، أي أن تتحول عن صعدها المهنية إلى الصعد السياسية على نحو لا لبس فيه. بالامتناع عن الخدمة تهدد هذه القوى بتعطيل الاجتماع ما لم يتم الالتفات لمصالحها وتحقيق مطالبها على نحو ما. في هذه الحال لا يعود القانون حاكماً على الأفراد. ينبغي أن يتم تعديله ليلائم المستجدات في موازين القوى. لهذا ثمة تفريق كبير بين الجرائم العادية والجرائم السياسية، وبين سجناء الرأي والسجناء العاديين. في الحالة الأولى ترتكب السلطة جريمة إعدام أو قتل أو منع حشد كامل، وفي الحالة الثانية تقتل مجرماً فرداً. سجين الرأي هو جزء من حشد كبير، لكن السجين العادي هو فرد صفته الأصلية أنه انفصل عن الحشد والانتظام معاً وجميعاً في آن واحد. الفارق بين قتل السجينين كالفارق بين المذبحة واصطدام سيارتين. الجرائم حوادث تحدث عرضاً في الجسم الاجتماعي. ثمة أسباب تتعلق بالحظوظ والمصادفات تبعث على الجرائم، لكن الاعتراض السياسي الحاشد يتخذ دائماً صفة الحدث الفريد. صفة الانقلاب إذا أردنا الاستعارة.

غاية القول إن القانون يكون مرعيّ الإجراء ما دامت القوى الحاشدة والوازنة والتي لا يمكن تفريقها إلى أفراد يخضعون فرادى لسلطة القانون مستعدة لتقبل أحكامه على أفرادها. والحال فإن القانون بهذا المعنى يتسيّد ويسود بقوة التواطؤ على تنفيذ أحكامه.

يمكننا والحال هذه أن نلحظ الفارق العميم والهائل بين القانون المحلي في دولة ما والقانون الدولي. إذا كان القانون المحلي يملك قدرة على الثبات وتنفيذ أحكامه فالأمر يعود في صورة أساسية، إلى قدرة الأمة على تثبيت استقرارها وسيادتها واستقلالها عن الخارج. على هذا تختلف محاكمة عبدالله أوجلان وقدرة الدولة التركية على الثبات في أحكامها القضائية عليه عن محاكمة كارلوس في فرنسا أو خالد شيخ محمد في أميركا. هذه المحاكمات التي تستند إلى قوانين محلية دائماً لا تستطيع تجاهل أو نكران تدخلات خارجية تجعل من الثبات في تنفيذ الأحكام علامة لا تدحض على مدى قدرة الأمّة على مواجهة التدخلات الخارجية وأخذ مصالح من هم خارج حدودها في اعتبارها. لن يتدخل المصريون في القضاء الفرنسي لكن الفرنسيين يستطيعون التدخل في أحكام القضاء المصري من دون أن يرفّ لهم جفن. هذا يفترض أن القانون الدولي يكون نافذاً في عقر الأمم الأقل قدرة على تثبيت استقلالها منه في الأمم والدول القادرة على تثبيت هذا الاستقلال. ويمكننا على هذا النحو فهم المصدر القانوني والحقوقي لعبارة الدول المارقة والخارجة على القانون، ويمكننا أيضاً في سهولة بالغة أن نعرف على أيّ القوانين خرجت تلك الدول.

في أصل تكوّن الأمة تسويات بين قواها الداخلية. حروب داخلية وضعت أوزارها، ليتسنى للأمة أن تصلي خارجاً ما حرباً لا هوادة فيها. والحال فالقانون المحلي يهتم برفاه وعيش الأفراد المتمتعين بحق الانتماء إلى الأمة واضعة القانون. وثمة خارج دائماً يهدد هذين الرفاه والعيش، وينبغي محاربته. نظرياً لا يتمتع السائح بأيّ حقوق، وتحديداً حقه في الحفاظ على حياته، في البلد الذي يزوره. فقط ثمة المعاملة بالمثل، وثمة سطوة الأمّة التي ينتمي إليها. ما الذي يمنع المكسيك أن تعامل الولايات المتحدة بالمثل في ما يتعلق بقوانين الهجرة؟ بالتأكيد ليست القوانين المحلية السمحة في المكسيك ولا قوانين الولايات المتحدة الجائرة. الأمر على غير هذه الصورة أصلاً. ما يجعل المكسيك أشد تسامحاً في هذا المجال هو سطوة الولايات المتحدة وقوتها وجبروتها. أي في اختصار قدرتها على التدخل في الشؤون الداخلية المكسيكية على نحو لا حساب أو عقاب عليه. والحال، فإنه لا قانون دولياً يمنع سنغافورة أن تعدم مهربي المخدرات، أو أن تجرّم حيازة العلكة واستعمالها. هذه ليست جريمة عالمية إنها محلية بامتياز. والحال فإنه يحق لسنغافورة نظرياً، ما دامت تستطيع تجريم حيازة العلكة، أن تعدم أو تسجن الإندونيسيين مثلاً، فذلك لا يتعارض مع قانونها المحلي. وأيضاً لا يلزمها القانون الدولي بأيّ إلزام على هذا الصعيد. تستطيع ذلك نظرياً، لكن السؤال يتعلق فعلاً بقدرتها على تحمل نتائج مثل هذا التوجه. إذن ما الذي فعله البغدادي ويمكن اعتباره جريمة يعاقب عليها القانون العراقي؟ قتل الأميركيين وذبحهم على الشاشات؟ الأرجح أن لا. فهذه جرائم لا يفترض بالقانون أن يعاقب عليها. مرة أخرى نحن أمام موازين قوى تجرّم وتعاقب بحسب مقدرتها على إلحاق الأذى بالخصم. وإلا وجب على القضاء الأميركي أن يحاكم السلطات الأميركية على جريمة القصف على العراق أثناء الحرب، القصف المعاين والمشهود والموثق. حين يعلن البغدادي الحرب على الولايات المتحدة الأميركية فإن هذه الحرب تستهدف القوة الأميركية المولجة بحماية المواطنين الأميركيين. لكن الحرب لا تمر من دون مضاعفات جانبية خطيرة. المدنيون الذين يسقطون جرّاء الحروب هم بعض هذه المضاعفات. والمفترض أن يكون الصحافيان الأميركيان بالنسبة إلى البغدادي بعض هذه المضاعفات والآثار غير المرغوبة. لكن البغدادي ضعيف إلى حد أنه لا يحدث أيّ آثار تصدع في جسم الآلة الحربية الأميركية الصلب. والحال فإنه يجعل المضاعفات الجانبية والآثار غير المرغوبة في متن حربه وليس في هامشها غير المرغوب. لكن الولايات المتحدة تستطيع بآلتها العسكرية أن تصيب النظام العراقي السابق في متن آلته العسكرية وصلب نظامه، وعلى هذا يصبح القتلى من المدنيين العراقيين بعض هذه المضاعفات الجانبية لحرب الولايات المتحدة على الإرهاب. جرائم لا تطالها القوانين وليس في وسع الضحايا في هذه الحال أن يحتكموا إلى القانون لينتصر لهم. لكن جريمة البغدادي الكبرى أنه لا يستطيع أن يحدث الآثار الفعلية في حربه على الأميركيين، مما يجعل قتله للأميركيين العزل الأثر الوحيد، فلا يعود من المضاعفات الجانبية غير المرغوب فيها لأنه لا يملك أكثر من إحداث هذه المضاعفات.

داعش ليس دولة لكن كيري طائرة مروحية حقا

نجح تنظيم داعش في تغيير معادلات كثيرة في المنطقة والعالم. هو حقا تنظيم يشكل خطرا على الإقليم وعلى العالم كما يقول مساعد وزير الخارجية الأميركي في إدارة أوباما أنتوني بلينكن. وربما يكون تعليق وزير الخارجية الأميركي نفسه أبلغ وأكثر دقة، حين قال: من يعتقد أن داعش هو دولة كمن يعتقد أنني طائرة مروحية. التعليق الساخر لا يفي خطر الاصطفافات المذهبية في المنطقة حقه. والحق إن ما يطمح داعش والحشد الشعبي وحزب الله ونظام الأسد وجبهة النصرة وكل اللاعبين على مساحة الشرق الأوسط اليوم إلى تحقيقه، ليس بناء الدول، بل تهديمها. هؤلاء اللاعبون يريدون رفع أعلامهم على الخراب. على أنقاض ما كان يمكن تشبيهه بالدول الحديثة. لن يتأثر داعش بتعليق كيري الساخر. الأرجح أنه لا يقيم وزنا له، لأن عملية تهديم مبنى الدولة الحديثة في المنطقة التي بدأت مع حملة جورج بوش الابن على أفغانستان والعراق، وجدت من يستلم رايتها ممثلا بالقوى الإرهابية التي تدعو لتحويل شعوب المنطقة كلها إلى مقاتلين، وهذا لا يستثني الغزل المنقطع النظير بالمقاتلات الكرديات. كان الأجدى أن يتغزل العالم بنسبة الطبيبات والمهندسات بين النساء الكرديات لا تحويلهن إلى مقاتلات لا يجدن في نهاية الأمر غير القتل ورفع أعلام أشباه الدول على الخراب.

خطورة ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، له ملامح عالمية. رفع الأعلام على الخراب لن يستثني الغرب وفي طليعته الولايات المتحدة. الأرجح أن الجميع يتعلم من داعش درسا عميقا ومخيفا، خلاصته أن الانتصار لا يحتسب بنجاح هذه الأمة أو تلك في المحافظة على حياة مواطنيها، بل في نجاح جيوشها وميليشياتها في إلحاق الأذى بالخصوم. أميركا أيضا شريك أساسي في هذه اللعبة الحمقاء.


كاتب أميركي من مواليد عمان 1965، يدرس العربية وعلم الاجتماع في لشبونة. له أبحاث منشورة في عدد من الدوريات الأميركية