الربيع السابع

أنا والعبد: رواية هو

الجديد  أحمد الحاج أحمد [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(124)]

لوحة: موفق قات
(1)

ولمّا تَجليتُ، ارتضيتُ هذا، فَساءَلني العبدُ: وَماذا عَنِ الخَلْقِ؟ فقلتُ: هُم أنا، فَلْيَتَجلوا إِذا شاهدوا الفراغَ. قالَ العبدُ: سأبلغُ الآخرينَ والأولينَ، لكنني لن أبلغَ الفراغَ. فقلتُ: أنتَ الفراغُ، فكيفَ تُبلغهُ؟ قالَ: أنا نفسي، فلا تُوصّفِ العارفينَ. هززتُ كفيَّ العظيمتين، وقلتُ: العارفونَ هُنا، فقالَ العبدُ: أينَ نفسي؟ قلتُ: فيكَ. قالَ العبدُ: أنا فيَّ، ونفسي فيكَ، فانظرْ.

(2)

ولمّا أخذتُ الروحَ من طينِ الجسدِ، ظلَّ العبدُ حبيسَ الطينْ. نام خريفاً، خريفينِ. في الربيعِ السابعِ، هززتهُ فانتبه. قلتُ: الروحُ لي، فَمَنْ تكونُ؟ قالَ: أنا طينُكَ. قلتُ: أنتَ بينَ كفيَّ، فأين تقفُ؟ قالَ: بينَ يديكَ، وفيكَ، وفيَّ. قلتُ: فيَّ تختفي الإشاراتُ، فكيفَ تَعرفُ نفسَكَ؟ قال: لا أعرفُ. رددتُ الروحَ، وأخذتُ الطينَ، وقلتُ: مَنْ أنتَ؟ قالَ: أنا الطائرُ، والعارفُ، والخائفُ، والواقفُ، والزاحفُ. أنا الفاعلُ والمفعولُ، والقاتلُ والمقتولُ، وأنتَ؟ رددتُ الطينَ، ونمتُ خريفينِ. في الشتاءِ الثالثِ، هزَّني الطينُ، وقالَ: مَنْ أنا؟ نَسيتُ الروحَ، وقلتُ: أنا.

(3)

ولمّا كانَ ما شئتُ، أطلتُ الخُروجَ، فَأَرجَعني العبدُ، وقالَ: كنتَ في فضائي. قلتُ: الفضاءُ لي، فاحفظِ الريحَ والماءَ، وغبتُ صيفاً وخريفاً، ثُمَّ رَدَّني العبدُ، وقالَ: كنتَ في سمائي. قلتُ: السماءُ لي، فاسكنِ الترابَ والنارَ. ونمتُ طويلاً، فأيقظني العبدُ، وقالَ: كنتَ في ردائي. قلتُ: الرداءُ لي، وأنتَ؟ قالَ: لا شيءَ لي.

(4)

ولمّا أشعتُ الحبَ بينَ الخلقِ، ضحكتُ قليلاً، فَجادَلني العبدُ: كيفَ سيعرفون؟ قلتُ: لا شأنَ لي، ورحتُ بعيداً. لاحقني العبدُ: تُكَسِّرُ القلوبَ وتمضي؟ قلتُ: القلوبُ على حالِها، إنَّما كسرتُ قلبي. صمتَ العبدُ. صمتُّ. ثُمَّ قالَ: لا قلبَ لكَ، فكيفَ تَكسرهُ؟ قلتُ: بالحبِّ أُكسِّرهُ، وبكَ، وبالخلقِ. بكى العبدُ، بكيتُ.

(5)

ولمّا أخذتُ العهدَ على العبدِ، رضيتُ بما قالَ: أنا منكَ، وسأكونُ لكَ، لكنَّ غروراً أصابَ الروحَ، فقلتُ: أنا لي، لستُ لكَ. تَركتُهُ، وأطلتُ غِيابي. جَاءَني بعدَ قمرينِ، وقالَ: لا عهدَ لكَ. قلتُ: كما يشاءُ الخلقُ. قالَ العبدُ: الخلقُ فيَّ، عهدُهم عهدي. ابتعدتُ قليلاً، فرأيتُ الغيَّ فيه، وقلتُ: فيكَ غيّي، فاحذر طريقَ الوهمِ.

(6)

ولمّا أَوجَدني العبدُ من خوفٍ، كنتُ ناراً، وقلتُ: أنيرُ كهفَكَ، أمّا روحكَ، سأُبقيها للعتمِ. ضحكَ العبدُ، وقالَ: نورُكَ لي، أُطفئُهُ متى أشاءُ. قلتُ: النورُ لي، ولكَ الحريقُ، فاحذرْ مما تُريق. أطفأَ العبدُ النارَ، وأطفأَني، واختبأَ في الكهفِ، وخبأَني. ثُمَّ قالَ: لا نارَ لي، ولا رفيق.

(7)

وحينَ أَخرجني العبدُ من الكهفِ، كنتُ حجراً لا يَرى. قالَ العبدُ: أَنزلِ المطرَ، فقلتُ: لا أرى. قالَ: أنا عيناكَ، فقلتُ: لا سمعَ لي، فقالَ: أنتَ لي فافعلْ، فقلتُ: لا فعلَ لي. أَعادني العبدُ إلى الكهفِ، ونمتُ نومَ هانئٍ، وظلَّ يطاردُ نفسَهُ. ضحكتُ، وقلتُ: هُوَ ونفسُهُ لي.

(8)

أشارَ العبدُ إليَّ، وقالَ: كُنْ شمساً، فكنتُ، فأقامَ ولائمَ واحتفلْ. قلتُ في سِرِّي: سَيُصيبُهُ المَللْ. قالَ العبدُ، بعدَ رقصٍ ونارٍ وقُبلْ: يا شمسُ، أَضيئي الروحَ والسُبُلْ، واجْعَلي سنبلاتٍ تميلُ مِنْ بَللْ. أضأتُ، وجَعلتُ، ثُمَّ قلتُ: يا عبدُ، لَمْ تُبقِني ناراً، وكسَّرتَ الحجرْ، فأيَّ خيرٍ تريدُ مِنْ شمسٍ ومطرْ؟ قالَ: نَفسي، ثُمَّ بَكى. دَخلَ الكهفَ. نَقشَ بإزميلهِ حرفينِ، وَمَضى.

(9)

ولمّا أطلتَ الغناءَ، تغيرتْ سُبلُ الكلامْ. قليلاً هدلَ الحمامْ، وانشغلَ بالصوتِ الأنامْ. قلتَ لي: كسَّرتُ إيقاعَ المرورِ والشرورِ والسرورِ، فافعلْ يا ربُّ ما تَرى. افعلْ، فالكونُ خَلا، من فرحِ الطيرِ والخيرِ والسيرِ، خلا من خطوِ العذارى، ورنةِ النداء مشتاقاً. افعلْ يا ربُّ. قلتُ: أنتَ الربُّ ولكن جَعلتني اسماً وطيفاً. سأفعلُ فاحتملْ، واحملْ عذابَكَ على كفِّ غيري. احملْ أسفاركَ على الصخرِ والحجرِ، وانظر فيكَ، تجدُ السلام.

(10)

لا تَقُلْ أنني تركتُ الطيرَ يرسمُ رحلتي، والريحَ تأخذُ خطوتي. لا تَقُلْ يا ربُّ، وأنتَ تُكسِّرُ الروحَ. أنا يا عبدُ لم أكتبِ الخطوَ، والمحوَ، ونحوَ الخطى. تَركْتَني أنتَ. وأنتَ غيّرتَ الزمنْ، أوجدتَ الشجنَ والحنينَ والمِحَنْ. أَوْجَدْتَني، غَيَّبتني في الغيِّ، ثُمَّ سألتني. لا تَلُمني يا عبدُ، وارسمْ طريقكَ كما تشتهي.

(11)

وَكَمْ، يا ربُّ، سيبقى هذا المطرْ؟ بعدَ رحيلكَ، سأكتبُ الخطرْ. وَأَجُرُّ نفسي، هزيلاً، نحوَ موتي، ثُم أنتظرْ. سأدعوكَ طويلاً، وأغفو قليلاً وروحي تحتضرْ. أنا يا عبدُ، ما شِئتُ هذا، ولا شِئتُ الرحيلَ، ولا العويلَ. أنتَ غيّرتَ الدروبَ والقلوبَ، وغيّرتني. أيقظتَ الندوبَ والخطوبَ، وندبتَني. لن ينتهي، يا عبدُ، المطرْ. سأظلُ فيك، أسكنكَ، ويسكنكَ الخطرْ.


شاعر من فلسطين مقيم في مصر

مقالات أخرى للكاتب:

  • قدرة‭ ‬الشاعر