في القيمة المعرفية والأخلاقية للحوار

شكراً لمجلة الجديد، هيئة وأشخاصاً، إذ فتحت باب النقاش والحوار، ومنحتني حق الرد قبل أن أطلبه. شكراً لإبراهيم الجبين، وأبو بكر العيادي، وباسم فرات وخطار أبو دياب وجابر بكر، حسب ورود مداخلاتهم عليَّ في العدد الرابع من المجلة، مايو/ أيار 2015، ومع حفظ الألقاب. وشكر خاص لعمار المأمون، الذي أجرى الحوار واهتم به، وأبدى من المثابرة والكياسة واللطف ما يستحق التقدير.

الجديد  جادالكريم الجباعي [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(126)]

لوحة: الفريد طرزي
واقع أنني استمتعت بمداخلات من تطرقوا بالنقد لبعض ما ورد من افكار في حواري "مع "الجديد" وأفدت منها، وللمعرفة متعة خاصة يعرفها أهلها، فلست مجاملاً بالشكر. وإذ تستحق كل واحدة من مداخلات السادة، المذكورة أسماؤهم الكريمة أعلاه، وقفة خاصة، لا يتسع لها المجال، ولأن المناقشة هي مناقشة الأفكار، لا الأشخاص، مع الاحترام والتقدير لكل منهم، سأعمد إلى مناقشة بعض القضايا الإشكالية مناقشةً، لا دفاعاً ولا مساجلة، خاصة أن منطق الأخيرة لصيق بالأيديولوجيا، وما تنطوي عليه من عناد، مما يدفع المساجِل إلى قول الشيء ونقيضه، في الوقت عينه.

لعل مصدر المتعة المعرفية ينبع من اختلاف وجهات النظر، المتأتي من اختلاف الأفراد واختلاف مواقعهم الاجتماعية وبيئاتهم، بالمعنى الواسع للبيئة، واختلاف رؤاهم ومنظوراتهم واختلاف مرجعياتهم أيضاً. لذلك أغامر بوصف المعرفة بأنها “معرفة الاختلاف وتعيين حدوده”. فالاختلاف، في الرؤية والرأي لا يضع التشابه فحسب، ولا يضع الاتفاق، كالذي بدا واضحاً في المداخلات، فقط، بل يضع التعارض أيضاً. والتعارض قد يرقى إلى ديالكتيك، ينتج حقيقة جديدة للمتحاورَيْن أو المتحاورِين، وكلاهما يثلجان الصدر، ولا سيما في مسائل خلافية، كالثورة وسيروراتها ومآلاتها، والدولة المركزية والنظام اللامركزي أو الفيدرالي، ومسائل الثقافة الشعبية، التي وضعها بعضهم، في الماضي القريب، في تناقض عدمي مع ثقافة “النخبة”.

في أصول المجتمع المدني والدولة

أظن أن القطعية اليقينية في المعرفة، والاستبداد في السياسة، وهما صنوان، نتجا تاريخياً من النظر إلى عالم الإنسان من زاوية التشابه والتماثل والتجانس. وقد تولدت عن تلك النظرة، التي لا تزال سائدة، ثقافات مركزية، تعتبر كل منها نفسها، ويعتبرها أهلها ثقافة معيارية، لا تقبل الاختلاف والمغايرة، تحت طائلة القتل أو النفي أو الحِرْم والتغريب. لذلك سأغامر في وصف الثقافة/الثقافات السائدة، حتى يومنا، بأنها ثقافة/ثقافات ما قبل الحرية، مثلما التاريخ حتى يومنا هو تاريخ ما قبل الإنسان، بتعبير ماركس. والمركزية، على اختلاف أشكالها، بنت هذه الثقافة وهذا التاريخ، ولا سيما المركزية السياسية والمركزية الإثنية والمركزية الذكورية. في هذا السياق أذهب دوماً إلى أن اختلاف الأفراد، واختلاف الذكور عن الإناث، هو شكل تعيُّن الحرية وشكل ممارستها، فالحرية، في نظري، ليست “مشكلة فلسفية”، وليست مجرد قيمة أخلاقية أو مقولة ميتافيزيقية، بل معطى وجودي (أنطولوجي) ينبثق من الطبيعة والطبيعة الإنسانية. الحرية هي ماهية الكائن الإنساني، ماهية الفرد الإنساني وجوهره، هي إنسانيته، إذا تجرَّد منها ينتكس إلى ماضيه الحيواني، وإذا جُرِّد منها، بأيّ صورة من صور التجريد، إنما لجعله موضوعاً لسلطة من يجرّده منها، ومادة لإظهار صلفه وغطرسته واستبداده. والحرية، من جانب آخر، شقيقة العشوائية أو الفوضى، التي تضع المصادفة ومبدأ الاحتمال، ولذلك هي خلَّاقة بالفعل. وهي شقيقة الاتساع والفضاء المفتوح والذهن المفتوح. نحن أحرار لأننا مختلفون، مصادرة حريتنا هي ذاتها هدر إنسانيتنا بالسيطرة على اختلافنا، وجعلنا نماذج متشابهة وفقاً لما تريده سلطة مستبدة.

توصف العلاقات الاجتماعية والإنسانية، بين الأفراد المختلفين، ذكوراً وإناثاً، وهي العلاقات المؤسِّسة للمجتمع والدولة، توصف بصفتين متداخلتين ومتجادلتين: علاقات ضرورية، كالعلاقة بالأسرة والدولة، بالتحديد؛ إذ ليس بوسع الفرد أن يعيش لا خارج الأسرة، وهي مؤسسة طبيعية، ولا خارج الدولة، وهي مؤسسة/مؤسسات صنعية، وعلاقات طوعية أو حرة هي شبكة العلاقات الأفقية، التي تنسج المجتمع المدني وينسجها، مثالها الأبرز علاقات العمل وعلاقات الصداقة والحب الجنسي والعلاقات التعاونية والتشاركية، القائمة على الثقة والمودة والاحترام والتكافؤ، وما يشوبها من أوضار وما يعتريها من اضطراب. العلاقات الأسرية الأولية أو الطبيعية هي مبدأ العلاقات الاجتماعية والإنسانية ومبتدأها، وعلاقات المواطنة هي أفقها وذروة من ذرى تطورها (الطبيعي أساس الوضعي، لا مفر من ذلك). بعبارة أخرى، للعلاقات الاجتماعية شكلان: علاقات فردية، أو ذات طابع فردي، تنسج الحياة الشخصية للفرد، وأخرى نوعية، أو ذات طابع نوعي تنسج الحياة العامة للفرد نفسها أو نفسه، في إطار الجماعة أو المجتمع الصغير، وفي إطار المجتمع الكبير أو الكلي والجماعة الإنسانية. من هنا نفهم قولة كارل ماركس: الأسرة والمجتمع المدني يحولان نفسيهما بنفسيهما إلى دولة.. هي “الحياة النوعية للشعب”، أو “الحياة الأخلاقية للشعب”. أزعم أن هذه الرؤية للدولة هي التي تؤسس مختلف التصورات عن الدولة، ومختلف تجلياتها في الواقع، وأن هذا الأساس نفسه يحمل ممكنات شتى، منها الديمقراطية، لا بصفتها نظام حكم فقط، بل بصفتها سمة للمجتمع المعني، أي إن الديمقراطية هي المجتمع الديمقراطي.

مع فشل معظم تجارب دول الاستقلال، أصبح التغيير حاجة ملحة عبر إعطاء تعريف جديد للعروبة كي تكون بوتقة حضارية ديمقراطية تستوعب الخصوصيات الإثنية والثقافية والدينية

العلاقات الضرورية والعلاقات الطوعية لا تعيِّنان شيئين مختلفين لفردين مختلفين أو جماعتين مختلفتين، بل هما صفتان مختلفتان لعلاقات الفرد ذاته والجماعة ذاتها، صفتان لعلاقات كل فرد ذكراً كان أم أنثى بغيرها أو غيره من الأفراد، ولعلاقات كل جماعة بغيرها من الجماعات. وهكذا تندرج العلاقات الاجتماعية، على اختلاف أشكالها، في جدل الحرية والضرورة. ولي فيه قول مختلف عن القول السائد، الذي مفاده أن “الحرية هي وعي الضرورة”؛ إذ أعتقد أن الحرية تضع الضرورة أو تنتجها، وتتعيَّن أو تتموضع فيها، أي أن الحرية تنتج نفسها في صيغة ضرورة، وتعمل، بلا كلل، على تفكيكها من داخلها ومن خارجها، فتعيد إنتاجها مرة تلو مرة، وذلكم هو الديالكتيك الداخلي للحرية. ويجوز القول إن الضرورة هي الحرية مموضعة أو متعيِّنة، وكل تعيُّن سلب أو نفي، حسب إسبينوزا، ولذلك رأى هيغل في الدولة حرية موضوعية أو تجلياً للروح الموضوعي، وكان على حق، وإن قلب مقولة إسبينوزا لتصير: كل سلب هو تعيُّن، وفقاً لمذهبه المثالي القائم على مصادرة مسيحية، هي القشرة الصوفية للديالكتيك. وعبّر ماركس عن ذلك بطريقة مختلفة وصورة مختلفة حين اعتبر أن الدولة هي “الحياة الأخلاقية للشعب” أو حياته النوعية، كما سبقت الإشارة.

رأى هيغل أن الروح الموضوعي هو الروح وقد خرجت من جوّانيتها، وأوجدت نفسها في العالم الخارجي. (يتفق هيغل وماركس في هذه الحيثية، حيثية التموضع، على الرغم من الصيغة الهيغلية للتعبير). وليس المقصود بالعالم الخارجي عالم الطبيعة، لأن هذا العالم موجود بالفعل، ولكن العالم الذي يظهر فيه الروح الموضوعي، هو عالم تخلقه (الروح) بنفسها، لكي تصبح موضوعية. وهذا العالم هو بصفة عامة عالم المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية، كالقانون والأسرة والمجتمع والدولة. وهو لا يشمل هذه المؤسسات وحدها، ولكنه يشمل كذلك العرف والعادات والتقاليد والحقوق والواجبات والأخلاق.

نستحضر هيغل وماركس معاً، في موضوع الدولة، لاتفاقهما في تعيين العلاقة الديالكتيكية بين المجتمع المدني والدولة السياسية، والتي بموجبها رأى ماركس أن سير التطور التاريخي يتجه نحو وحدة المجتمع المدني والدولة وصيرورتهما “كلية عينية”، بتعبير هيغل، أي إنه يتجه نحو حل التعارض بينهما حلاً تاريخياً، قوامه إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، ونفي جميع الشروط التي تجعل الإنسان غريباً في عالمه وغريباً عنه، لا إلغاء الملكية، وعملية أو سيرورة تملك الإنسان لعالمه بالمعرفة والعمل أو بالمعرفة/العمل. ولكي نؤكد الفرق بين الكون (كوزموس) وبين البيئة (إيكوس)، أو عالم الإنسان، الذي هو من خلقه، ووضع حد للرؤى الكوزمولوجية، والانفتاح على رؤية إيكولوجية منظومية للعالم الفيزيقي والأخلاقي، للطبيعة والمجتمع، لا مكان فيها للحتمية سواء كانت فيزيقية أو بيولوجية أو ما يسمى “حتمية تاريخية”.

ومن ثمة، فإن جوهر التراجيديا الإنسانية هو الانفكاك النسبي من قيود الضرورة شيئاً فشيئاً ومرة تلو مرة، بدءا بالضرورة/الضرورات الطبيعية. ولذلك لا نضفي على الحرية قيمة إيجابية مطلقة، ولا نضفي على الإنسانية قيمة إيجابية مطلقة، فاللاحرية أو التبعية و”العبودية الطوعية”، واللاإنسانية المرادفة للعنف والاغتصاب والعدوان والاحتلال والاستعمار.. حقيقتان بشريتان وتاريخيتان. ونجادل في أن ما تُعدُّ نزعة عدوانية متأصلة في الطبيعة البشرية، ليست سوى راسب من رواسب المرحلة الحيوانية من مراحل تطور النوع، توقظها ظروف وأوضاع اجتماعية اقتصادية وسياسية لاإنسانية، أي إن ما تسمى “نزعة عدوانية” هي، في الواقع، غريزة طبيعية في الحيوان، لا في الإنسان الذي قطع حبله السري الذي كان يربطه بالطبيعة غير العاقلة وغير الأخلاقية. فليس التمدن سوى ابتعاد أو نأي متواتر ومطَّرد عن الغرائز الطبيعية، التي يتشارك فيها الإنسان والحيوان، وأنسنة مطَّردة لهذه الغرائز. الطبيعة الإنسانية عاقلة وأخلاقية، لا ينفصل فيها العقل (الذاتي والموضوعي) عن الأخلاق (الذاتية والموضوعية). لأن العقل هو عقل الفرد أساساً، والأخلاق أخلاق الفرد أساساً، لا يظهران إلا في الحياة الاجتماعية. من هنا ومن معطيات أخرى، جاءت الإشارة إلى الرؤية الكوسمولوجية المستقرة في خافية الأفراد والجماعات، وتظهر في الخطابات الإثنية والعشائرية والدينية والمذهبية وأوهام المركزية الذاتية، ولم أقل إنها كافية لتحليل أي ظاهرة.

لوحة: الفريد طرزي

والحرية، استطراداً، هي “السم المضاد للمساواة” بتعبير ألكسي دي توكفيل، وهي ما تُعيِّن نسبيَّةَ المساواة، بفعل نسبيتها هي ذاتها. ويتوقف تحقق العدالة، التي يتطلع إليها البشر منذ أقدم العصور، على وحدة الحرية والمساواة، أي على تركيب جدلي منهما، يشبه تركيب الماء من هيدروجين وأوكسجين، إذا فصل أيّ منهما عن الآخر يصير الهيدروجين ساماً والأوكسجين حارقاً؛ وهكذا الحرية والمساواة. الحريّة المطلقة هي، بالأحرى، حرية طبيعية، تؤدي إلى الفوضى وحرب الكل على الكل، ويصير معها الإنسان ذئب الإنسان. والمساواة المطلقة تنفي الاختلاف، أي تنفي الحرية، وتجعل من الرعايا مجرد قطعان بشرية. “الاستبداد يساوي بين جميع رعاياه، على أنهم لا شيء”. وهذا ما أسمّيه المساواة الصفرية، التي نعمنا بها في دولة البعث.

ثمة التباسات بين مفاهيم الدولة والسلطة ونظام الحكم، أساسها، على ما أظنّ، أن فكرة الدولة في لغتنا لا تطابق مفهومها الحديث، المتعارف عليه اليوم، في العالم، وأن لعثرات الترجمة إلى العربية أثراً لا يخفى في هذه الالتباسات. ولكن الأساس الأعمق هو اختلاف الرؤى الأيديولوجية والسياسية للعلاقة بين المجتمع المدني والدولة السياسية، وصعوبة تصور ما عبّر عنه كارل ماركس، لدى تناوله المسألة اليهودية، بإمكانية إلغاء الدين سياسيا، على الرغم من ازدهاره في المجتمع المدني وتطوره وفقا لقوانينه الخاصة، مثلما أمكن إلغاء البورجوازية سياسياً في البلدان الديمقراطية، حيث يشرِّع غير المالكين للمالكين، على اعتبارهم الأكثرية، وازدهارها، أي البورجوازية، في المجتمع المدني. وهذا مشروط بتمكن الفئات الفقيرة ومتوسّطة الغنى من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، ومشروط، من ثمة، بثقافة تتناسب مع المشاركة السياسية.

اللافت في الدستور السوري لعام 1973، على سبيل المثال، وكذلك في تعديله الأخير، عام 2012، أن المساواة، في مواده المعنية بذلك، مطلقة، لا تحتاج إلى قانون ينظمها، والحريات الخاصة والعامة مقيدة، بصيغة: (وتحدد بقانون أو ينظم القانون هذه الحقوق). الممارسة العملية للمساواة المطلقة كانت عبودية مطلقة للقائد الرمز، وذوبان الأفراد والمؤسسات في عصبية البعث، وهي عصبية مركبة من عصبيات شتى، مختلفة ومتخالفة. وقد قدم الجابري في العصبية المركبة مداخلات عميقة، في كتابه العصبية والدولة.

في ضوء ما تقدم، لا أميل إلى “علمية الثورات”؛ فليس من علم من العلوم الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، يمكن أن يحيط وحده بالثورة أو بالتحولات الاجتماعية. أشير هنا إلى ما يسميه علماء الفيزياء “أثر الفراشة”، أي إن لبعض التغيرات الطفيفة والخافية أو غير المدرّكة أثراً قد يكون مهماً في التغيُّرات الكبرى. هناك دوماً أشياء لا نعرفها عن عوامل التغيُّر وديناميات الثورة. والملاحظ أن صفة “العلمية”، التي نصف بها أفكارنا ومقالاتنا، أقرب ما تكون إلى مصادرة على “الخصم”، بغية إفحامه وإسكاته، ولكنها لا تقف عند هذا الحد، بل تتعداه إلى تقرير الحتمية، وهذه ممّا نفته العلوم الأحدث. هذا الموقف وثيق الصلة بالحرية، إذ يحيل على الآفاق اللانهائية للمعرفة، ويشير إلى أن ثمّة متسعاً في أعماق الحياة الاجتماعية والإنسانية، الفردية منها والجمعية، ويرفض تبخير الواقع في جملة من “القوانين العلمية”، كالتي تنسب إلى كارل ماركس أو غيره.

سهل سعي الأنظمة إلى اكتساب شرعية تنقصها عبر الأسلمة الاجتماعية نشوء هذا الواقع وانحسار دور القوى الليبرالية والديمقراطية. وفي ظل هذا المعطى تكرس خلق الفراغ حول الحاكم والتهويل من مخاطر الفوضى

في رسالة المثقف ونقد الشعبوية

في كل ما قلته وكتبته لم أكن أمثّل إلا نفسي. لم يفوضني أحد كي أمثله؛ التمثيل مقترن بالتفويض، ومشروط به. يقيني أن المثقف لا يمثّل الشعب، وكذلك السياسي والكاهن والبورجوازي أو البروليتاري والقائد الملهم. لا يمثّل الشعب تمثيلاً صحيحاً سوى من ينتخبهم الشعب انتخاباً صحيحاً، ويفوضهم أن يمثّلوه تمثيلاً مشروطاً بإرادتهم العامة وكفالة حرياتهم وحقوقهم المدنية والسياسية.

ولكن الثقافة روح الشعب، أو حياته الروحية، بل شكل روحي من أشكال حياته. ثقافة أيّ شعب تدل عليه. ثقافتنا هي نحن، هي قوام هويتنا، التي ينسجها التاريخ. الثقافة، بهذا المعنى فضاء عام، مشترك بين أفراد الشعب، والمثقف فرد في هذا الفضاء العام، خَرْزة أو خيط في نسيجه، ولويْنة في لون من ألوانه أو خلية من خلايا جسده الحي، وليس “رأس الأمة” إلا لدى من يقدسون “الرأس″، ويزدرون بقية الجسد، التي يعتمد عليها الرأس (“الرأس″ موجود في كل خلية من خلايا الجسد، بصيغته الجينية، أي بصيغة معلومات، وإلا لما كان الاستنساخ ممكناً؛ وهو موجود، قبل ذلك، بالقوة، في البويضة الملقّحة).

لقد صار من الضروري إطلاق سراح المثقف من شرط الرسولية، إذا كنا نريد أن نعترف بالشعب مصدراً لجميع السلطات، بما فيها السلطة الثقافية الناعمة، بتعبير بيير بورديو، وإذا كنا نريد أن نعترف بأن الطبيعة مصدر وحيد للمعرفة والمجتمع مصدر وحيد للمعاني والقيم، وأن “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس″، حسب ديكارت.

سياسياً: الشعب (ديموس) حقيقة أيّ نظام من أنظمة الحكم، حسب رؤية ماركس العميقة للديمقراطية. لكن ما لم يقله ماركس أن نظام الحكم هو حقيقيَّة الشعب، في لحظة معطاة، أيضاً، (لا حقيقته). وهذا ما يضع حداً للشعبوية، أي لتقديس الشعب من أجل خيانته والركوب على ظهره، كما حدث عندنا، ولا يزال مستمراً. (حقيقة الشعب هي الروابط المتغيرة دوماً بين أفراد المجتمع وانتظاماته وتنظيماته ومؤسساته، على الرغم مما يبدو، على السطح، من “استقرار” نسبي، هو محصّلة غير نهائية لعلاقات القوة). لذلك رأيت في نظام البعث خاصة اغتيالاً لجنين المجتمع المدني والدولة الوطنية، وتبديداً للشعب، بتحويله إلى “جماهير”، بل إن عملية الاغتيال قد حدثت قبل ذلك، عام 1958، وقد لاقى ذلك استحسان النخبة وحظي بتأييدها، سوى الاستثناء. وإذا أضفنا إلى ذلك أن مفهوم الشعب يحيل، كما يفترض، على نسيج من علاقات متبادلة بين مواطنات حرائر ومواطنين أحرارا، انفككن وانفكوا سياسياً من الروابط الطبيعية، ما قبل المدنية، يتوجب علينا أن نقرن مقولة الشعب بالحرية أولاً وبالمدنية أساساً، أو لنقل بالحرية المدنية. لذلك أرى تلازماً ضرورياً بين الحرية والكرامة التي خرج شباب سوريا من أجلهما وبين شعارهم الأثير: “الشعب السوري واحد”، وبهذا كانوا متقدمين على معظم المثقفين والسياسيين من أبناء جيلي، الذين كانوا مهمومين بالمجتمع العربي والشعب العربي والأمة العربية، أو بالأممية البروليتارية أو الأمة الإسلامية. المجتمع والشعب والأمة ليست مقولات استاتيكية، وليست مجرد صور ذهنية فقط في رأس هذا المثقف أو ذاك، في رأس هذا السياسي أو ذاك. بعض المثقفين والسياسيين، “كإله إسرائيل، يختارون شعوبهم”، بتعبير محمود درويش. هذا ما يستحضر مفهوم العصبية الخلدوني، ويمنحه قيمة إبرائية في أيامنا، بكل أسف.

ثمة وجاهة في القول إن الإعلام (ولا سيما الإعلام الثوري) يحاصر المثقف، “حرصاً على وجدانية الثورات، ومن أجل الإبقاء على الرضا الاجتماعي عن المفكرين، وأنه جعل منهم هدفاً ودريئة أمام الرأي العام، فلم يجرؤ أيّ منهم على رفع الصوت بالنقد، خشية الهجوم العنيف الذي قد يتعرّض له من قبل العامة، وبات تعبير “تمثيل الناس″ خطراً للغاية. فما الجدوى من مفكرين يتطابقون في فكرهم مع الشارع، والأصل أنهم طليعته ونخبته التي تتقدمه وتأخذ بيده إلى ما لا يدركه بعد من الانتقالات المعرفية؟ وهنا تصبح مهمة المفكرين صعبة للغاية، “فهم في مواجهة مزدوجة ضد العامة وضد الاستبداد في لحظة تاريخية واحدة”.

أريد أن أستدرك هنا أن موقف المثقف، في العالم العربي، كما وصفه إدوارد سعيد، صعب للغاية، إذ يجد نفسه في مواجهة الاستبداد والاستتباع أو الاستعباد، ولا فرق، وفي مواجهة الجهل والتبعية أو العبودية، في الوقت نفسه، لا في مواجهة العامة ولا في مواجهة الشعب. وحين دافعت عن حرية المثقفين في خياراتهم ومواقفهم موالين كانوا أم معارضين، إنما فعلت ذلك لاقتناعي أن المثقف لا يجوز أن يكون مدّعياً وقاضياً في الوقت نفسه، ولأن مهمته النقدية هي نقد الأفكار، لا نقد الأشخاص، على سبيل التشهير بهم أو التحريض عليهم، فهؤلاء زائلون، على الأقل. هذا موضوع يحتاج، عندنا، إلى مراجعة من قبل المثقفين أنفسهم، نظراً لما بلغه “النقد” من إسفاف. نقد الشروط التي تجعل الأفراد ما هم عليه، هو مهمة الفكر، وما عدا ذلك يتكفل به العرف الأخلاقي والقانون، ببطانته الأخلاقية، والبطانة الأخلاقية للقانون هي العدالة. فلماذا نرفض الحكم على نصر حامد أبو زيد، مثلاً، ونقبل مثله على من يخالف رأينا وموقفنا؟

ما قلته في ردي على تلك الصبية أردت منه أن أقول لها صراحة إن الثورة جيلكم، وأنا فيها ومعها، بلا تردد ولا تحفظ، مع النقد

لعل المقارنة الضمنية بين المثقفين الفرنسيين من فلاسفة وأدباء وشعراء وفنانين.. وبين المثقفين السوريين، تؤيد ما ذهبت إليه ولا تنقضه، ذلك أن جان بول سارتر، على سبيل المثال، كان منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، أحد فلاسفة الحرية، وأن موقفه وموقف النخبة الفرنسية من ثورة الشباب عام 1968 متسق مع سيرته وسيرتهم الفكرية ورؤيته ورؤيتهم السياسية، بخلاف المثقفين السوريين، الذين غلبت الأيديولوجيا القومية أو الاشتراكية أو الإسلامية أو خليط منها جميعاً على أفكارهم ورؤاهم السياسية، ولم يولوا قضية الحرية ومقتضيات التحول الديمقراطي في سوريا، وقضية الوطنية السورية أيّ اهتمام يذكر قبل عام 2000، وأن معارضة بعضهم أو معظمهم للمستبد السوري مثلومة بتأييدهم لمستبد آخر، عراقي أو مصري أو غير ذلك، وإعجابهم به، وإحاطته بهالة من العظمة والقداسة، علاوة على ما أشرت إليه من تبعية الثقافة للسياسة، وهذه، عندنا، أيديولوجيا خالصة، تغطّي كلبية وقحة، وتبعية المثقف للسياسي.

ثمة استثناءات مهمة، بلا شك، والاستثناء في نظري لا يؤكد القاعدة، حسب الرأي الدارج، الذي يزدري القليل والصغير والتحت والهامش..، بل ينقضها كلياً أو جزئياً، ولكنه يظل استثناء إزاء قوة القاعدة، وقوة الرأي العام. الاستثناء الذي أشير إليه هامشي في الثقافة السورية والحياة السورية. وصفة الهامشي هنا صفة إيجابية، لا سلبية، كما هو مستقر في الأذهان. لا أريد أن أذكر أسماء في هذا السياق، لأنني، كما في المقابلة، بصدد مناقشة قضية، تتجاوز الأشخاص، ولا سيما قضية موقف النخبة من النظام التسلطي أو التوتاليتاري السوري، ومن “الحركة التوتاليتارية”، كما وصفتها حنة أرندت أدق وصف وأعمقه، أو كما وصفها خلدون حسن النقيب في كتابه المهم “الدولة التسلطية في المشرق العربي”، إذ تسارع النخبة إلى تأييد الحركة التوتاليتارية، مثلها مثل رعاع الريف وحثالة المدن، وتصير أداتها الأيديولوجية والإعلامية، ومعروف أن النظام التسلطي يقوم على ثلاثة أركان هي الجيش والمخابرات، والأيديولوجيا، والإعلام. هذا ما دفعني إلى القول: إننا مسؤولون عما آلت إليه بلادنا وعما يعاني منه شعبنا.

ثمة التباس لا بد من رفعه، ورد تحت عنوان “ثورة محرّمة على الذات”، فقد بدا أنني اعتكفت في برجي العاجي بعيداً عن الثورة السلمية وفعالياتها، وهذا غير دقيق. وما قلته في ردي على تلك الصبية أردت منه أن أقول لها صراحة إن الثورة هي ثورة جيلكم، وأنا فيها ومعها، بلا تردد ولا تحفظ، مع النقد، ولكن لا تركنوا إلى من يتنطع لقيادتها من أبناء جيلي، ولا تسمحوا بمصادرتها أو تأميمها لمصلحة هذه الجهة أو تلك، فأنا خبير بأحوال النخبة المثقفة والقيادات السياسية. وسارعت إلى تأليف كتابين أهديتهما لشابات سوريا وشبابها، هما “في الدولة الوطنية الحديثة، نقد الكتابة على جلود البشر”، و”من الرعوية إلى المواطنة”، وكتبت عدداً من المقالات، وأكثر من دراسة وبحث استلهمت فيها الثورة السلمية وما كشفته لنا ممّا لم نكن نراه، ولأقل إنها كشفت لي شخصياً ما لم أكن أراه وما لم أكن أعرفه. وإنني لأعتز بكوني معارضاً لسلطة البعث، منذ نعومة أظفاري، وبكوني اليوم معارضاً لكل سلطة، بما فيها سلطة المثقف، وسلطة الأب الروحي. فقد بتّ أنظر إلى السلطة على أنها الضرورة التي تضعها الحرية، ثم تعمل على تفكيكها من داخلها ومن خارجها، مرة تلو مرة. أنا لم أعلل الإحداثيات التي تحكم لحظتي الشخصية، كما قد يخيل للقارئة أو القارئ، وللتعليل، في العبارة اللطيفة معنى التبرير.

في الثقافة والثقافة الشعبية

“الثقافة الشفوية لا تقل قيمة عن الثقافة المكتوبة، والناس يتناقلونها خلفا عن سلف كما يتوارثون أشياء عزيزة لا تقدر بمال، ويجددونها جيلا بعد جيل بإضافة عناصر من عصرهم وبيئتهم، فتكتسي طابعا لا غنى عنه لدى علماء الأنثروبولوجيا والاجتماع لمعرفة أحوال الأمم وعاداتها وتقاليدها. حتى أن الكاتب الكونغولي تشيكايا أوتامسي صرح مرة أن كل عجوز يموت هو بمثابة مكتبة تحترق”. أقول: هذا عين الصواب، والثقافة ممارسة، ولكن الثقافة الشعبية ثقافتان، على الأقل، ثقافة استظهارية وتكرارية جامدة وسلفية، وتستند إلى بنية معرفة مغلقة، وثقافة متجددة، تغذيها بنية معرفية منفتحة، هي ثقافة الحياة بأدق تفاصيلها، وهذا مطّرد لدى سائر الجماعات والمجتمعات. ثقافة المثقفين أنفسهم شفوية وشعبية، في معظمها، ومعظم المقولات الفلسفية ذات أصل شعبي وشفوي. نقد الثقافة الشعبية التقليدية لا يقلل من قيمة الثقافة الشعبية الشفوية، بل هو واجب معرفي وأخلاقي، اجتماعي وسياسي مآلاً.

أذهب إلى ضرورة تدوين اللغة المحكية، والثقافة الشفوية، وفي ذهني بعض أعمال أبو علي ياسين، من سوريا، وهو من الرواد في هذا المجال وغيره، ولا سيما في كتابه “الثالوث المحرم”، الذي يقع في صلب حوارنا. وفي ذهني أيضاً، معجم ألفاظ اللهجات المحلية، الذي نشرته مؤخراً الهيئة العامة للكتاب. تدوين اللغة المحكية، غير الكتابة بها؛ ووضع قاموسها خطوة ضرورية في سبيل تجديد القاموس العربي وتحديثه، وقد بات هذا واجباً وضرورة ملحة. وليس لديّ وهم بأن مهمة من هذا النوع يمكن أن تنجز وتثمر في وقت قصير. هذا ما عنيته بردم الهوة بين الثقافة الشفوية والثقافة المكتوبة. التزلف للشعب والثقافة الشعبية، بلا صفة أخرى، مثل التزلف للسلطة، فهو تزلف للرأي العام. لا أحد يمكن أن يقف في وجه الشعب (ضد الشعب) ويصمد، ولكنّ كثيرين وقفوا ضد الرأي العام وانتصروا، ولو بعد حين. كانت أمي تردد، كلما نشب نزاع في القرية بين عائلتين “العامية عماء”، هذه ثقافة شعبية مضادة للعماء أو ثقافة منيرة، ومستنيرة بأخلاق الواجب، مع أن أمي كانت أميّة لم تسمع بإيمانويل كنت (أو كانط)، ولم تسمع بقوله “ليس الإنسان في حاجة إلى فلسفة ولا إلى علم لكي يعرف ما ينبغي عليه أن يفعل لكي يكون أميناً وخيّراً، لا بل ليكون حكيماً وفاضلاً.. فملكة الحكم العملية تتقدم، في الفهم الإنساني على ملكة الحكم النظري”.

المثقفون والسياسيون المتفاصحون وحدهم يعانون من ازدواجية لغوية، إضافة إلى ازدواجيات أخرى، لم نأت على ذكرها؛ اللغة الفصحى علامة على تمايزهم (انفصالهم) عن الشعب، وعلامة على سلطتهم الناعمة، واللغة المحكية هي صلتهم بذويهم وأصدقائهم وصديقاتهم وحبيباتهم وجيرانهم وزملائهم في العمل.. إلخ. والمؤسسات الثقافية والإعلامية، في سوريا، حيث تزول الفروق بين الثقافة والإعلام، مؤسسات تلقين أيديولوجي ورقابة أمنية على الفكر الحر. أحيل على مسرحية سعد الله ونوس “يوم من زماننا”، التي يختمها بعبارة مقتبسة من مذكرات البديري الحلاق، أواخر القرن التاسع عشر، “…” تدل على أن الاستبداد هو الاستبداد في كل زمان ومكان، وهو علة الفساد الأخلاقي.


مفكر من سوريا