الثقافة الجزائرية بعد الطوفان

إذا ما أردنا فهم الحالة الثقافية القائمة اليوم في الجزائر، وما طرأ عليها من تغيّرات بالقياس إلى الفترات التاريخية السابقة، لا مندوحة من العودة إلى الماضي، فالثقافة في بعد لا يستهان به نتاج تاريخي متواصل. وفي نفس الوقت، لا بد أيضا من أخذ التغيرات التي حدثت على مستوى العالم بعين الاعتبار، فقد كان لها بدورها تأثيرها على السمات التي باتت تطبع الحياة الثقافية اليوم في الجزائر.ويمكن القول بادئ ذي بدء بأن المشهد الثقافي الجزائري الراهن قد تراجع من حيث النوعية، على الأقل في قطاعين ثقافيين أساسيين، هما السينما والمسرح، بالقياس إلى ما كانا عليه في السبعينات والثمانينات، يعني عموما بالقياس إلى فترة “الاشتراكية” التي يسميها البعض رأسمالية الدولة.

الجديد  إبراهيم سعدي [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(136)]

لوحة: عزيز عياشين
في زمن المسلسلات التلفزيونية الاستهلاكية الفجة، وفي ظل رؤية تعتبر أن شهر رمضان وحده يستحق العطاء في هذا المجال، لم نعد نشاهد أفلاما في مستوى فيلم لخضر حامينا، “وقائع سنين الجمر”، الفيلم العربي الوحيد الذي حاز على “السعفة الذهبية” لمهرجان “كان”، أو في مستوى “عمر قتلاتو” لمرزاق علواش، المخرج المغترب اليوم، أو مسلسلات تقترب من مستوى مسلسل مصطفى بديع “الدار الكبيرة” المأخوذ من رائعة محمد ديب الثلاثية، أو مسرحيات كتلك التي كانت تحصد بانتظام جوائز في مختلف المهرجانات العربية، كمهرجان قرطاج والقاهرة وغيرها. غير أن هذا التراجع مرتبط أيضا، وفي آن واحد، بانهيار النظام الاجتماعي والسياسي ” الاشتراكي” الذي كرست فشله مظاهرات أكتوبر 1988. ومرتبط كذلك بما انجرّ عن هذه الأخيرة، ونقصد هنا ما يعرف اليوم بالعشرية السوداء، التي كانت في الحقيقة الإرهاصات الأولى لما تعيشه اليوم مختلف البلدان العربية التي وقفت آنذاك تتفرج عن بعد وإحساس بالأمان والاستغراب على المشهد الدموي الجزائري الذي تمخض عن تلك الأحداث وعن إفرازاتها المتمثلة بالأساس في الانتخابات التي فاز بها إسلاميو “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” وما تبع ذلك من إلغاء ثم اقتتال بين الجزائريين.

ففي تلك العشرية التي كانت سوداء بالفعل، لم تتوقف فقط الحياة الثقافية ومؤسساتها توقفا شبه كلي، في المسرح والسينما والنشر وما إلى ذلك، بل عرفت أيضا اغتيال عدد كبير من رجال الثقافة، مثل عبد القادر علولة المخرج المسرحي الكبير وزميله عز الدين مجوبي الممثل المسرحي ومدير المسرح الوطني في آن واحد في تلك الأيام، والشاعر يوسف سبتي، والروائيان طاهر جاووت والعيد فليسي، والفيلسوف الشاب بختي بن عودة، والباحث في الإسلاميات رابح سطنبولي، وعالم النفس محفوظ بوسبسي، نائب رئيس الجمعية الدولية لعلم نفس الطفل والمراهق، وزميله المعروف في مجال طب الأطفال، جيلالي بلخنشير، والفنان التشكيلي رابح عسلة، مدير مدرسة الفنون الجميلة بالعاصمة، إحدى أكبر المدارس في هذا المجال بأفريقيا، وعالم الاجتماع محمد بوخبزة، رفيق بيار بورديو في دراساته للمجتمع الجزائري، والأستاذ صالح جبايلي، مدير جامعة باب زوار، وسعيد مقبل مدير جريدة “Le matin” وزميله حسن ورتلان، مدير جريدة “الخبر”، وعالم الاقتصاد، صاحب المؤلفات العديدة، الأستاذ عبدالرحمن فرح الذهب، ومغني فن الراي، الشاب حسني الذي كانت شعبيته لدى الشباب لا تقل عن شعبية الشاب خالد أو الشاب مامي، والخبير في علم السياسة حفيظ سنحدري، والقائمة ليست كاملة. يعني أكبر”إبادة جماعية للمثقفين” في التاريخ على حدّ تعبير الأنثربولوجي محفوظ بنون. وكان عدد الضحايا من المثقفين سيكون أكبر لو لم تكتب النجاة، وأحيانا بأعجوبة، لعدد آخر من المبدعين الذين تعرضوا لمحاولة الاغتيال، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر، أزراج عمر، الشاعر المعروف عربيا، والمخرج السينمائي جمال فزاز والأنثربولوجي محفوظ بنون، والروائي مرزاق بقطاش وغيرهم وكثيرون.

موسم الهجرة

وكانت تلك الفترة أيضا، لكن لذات السبب، بداية “موسم الهجرة إلى الشمال”، وبالأساس إلى فرنسا، من طرف المثقفين الجزائريين. وطبيعيا أن تكون باريس هي القبلة الأولى لهم، بالنظر إلى الإرث اللغوي الذي خلفه التاريخ الاستعماري الفرنسي في الجزائر. ومما ساهم في تفاقم تدهور الوضع الثقافي أن هذه الهجرة التي كانت في بدايتها هروبا من خطر الموت الداهم، أصبحت بعد ذلك تقليدا مكرسا من قبل المثقفين الجزائريين، بمختلف أصنافهم، من الأدباء والسينمائيين ورجال المسرح، وإن كان بدرجة أقل بالنسبة إلى هذا المجال الأخير بسبب لغته المعتمدة على الدارجة؛ وكذلك الباحثون في مختلف الاختصصات الذين تحولوا بالمئات إلى الجامعات والمعاهد ومراكز البحوث الفرنسية، وبدرجة أقل إلى غيرها من بلاد العالم.

ولم يكن بالطبع لهذه الهجرة الكبيرة، إن لم نقل الشاملة، إلا أن تترك فراغا ثقافيا لا تزال الساحة الجزائرية تعاني منه إلى اليوم، كما سبقت الإشارة، فيما أصبحت باريس، نتيجة لذلك كله، بمثابة “العاصمة الكبرى” للثقافة الجزائرية.

وبالرغم من تنوع مجالات هذه الثقافة التي تستقطبها العاصمة الفرنسية، إلا أن الكتاب، لا سيما الروائي منه، يمثل أبرز تجلّ لها. فكل الأسماء الأدبية المعروفة اليوم، مثل محمد ديب الذي شد الرحال نحو الغرب منذ الاستقلال، ليموت في باريس ويدفن هناك، وياسمينة خضرا وأسيا جبار وبوعلام صنصال وأنور بن مالك ومليكة مقدم ونورالدين سعدي وسليم باشي، وغيرها، تقيم في فرنسا وتكتب لجمهورها بالدرجة الأولى، بالرغم من أن المجتمع الجزائري يشكل الموضوع الأول لمؤلفاتها. وقد نشأ عن هذا الوضع ليس فقط نوع من التفاوت بين الأدب المنشور محليا والأدب المنشور في باريس، عاكسا على نحو ما حالة التفاوت القائمة بين البلدين، بل أيضا اختلاف في التوجهات، ذلك أنه لا يمكن للمجتمع المستقبل ولمؤسسات النشر فيه، خاصة في ظل علاقة تتميز بعدم التكافؤ بين هذا المجتمع والأديب القادم من بلد كان مستعمَرة سابقة له، وأيضا بالنظر إلى غياب ممنوعات ثقافته ومجتمعه الأصلي، إلا أن يحدث كل ذلك أثره سواء على صعيد التيمات أو على صعيد الرؤى والتوجهات.

"الجبهة" اللغوية المتمركزة حول الثنائية فرنسية/عربية، أو الساحة اللغوية ككل، تعرف في العشرية الأخيرة حالة من الهدوء لم يسبق لها مثيل منذ الاستقلال

ثقافة ممزقة بين الشرق والغرب

وكما أن اللغة الفرنسية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية شكلت في مرحلة ما بعد الكولونيالية أحد أهم عوامل الارتباط، إن لم نقل التبعية، بما كان يعرف في السابق بالمتربول، فإن اللغة العربية قد ربطت أدبها الجزائري بالمشرق، لا سيما بلبنان، وإن لم تجعل هذا المشرق يتحول إلى قطب جاذب بنفس قوة جاذبية باريس، بالنظر إلى التفاوت العام بين الغرب والشرق. لكن يمكن القول مع ذلك بأن هذا الأخير يمثل “باريس″ الأدباء الجزائريين المعربين، معيدا بذلك إنتاج علاقة التبعية إزاء المشرق عبر واسطة اللغة، تماما مثلما أعادت الفرنسية إنتاج ارتباط وتبعية الجزائر بالغرب، وبفرنسا أساسا، ليس فقط من الناحية الثقافية، بل على مختلف المستويات. ذلك أن إحدى وظائف اللغة هي إنتاج وإعادة إنتاج الهيمنة والتبعية.

والحقيقة أن العامل اللغوي لم ينتج في الجزائر نخبا متوزعة بين الغرب والشرق على صعيد التطلعات الأدبية وحدها، بل أيضا على الصعيد الأيديولوجي والسياسي والهوياتي. فالمثقفون ذوو الاتجاهات اللائكية نجدهم على العموم في صفوف المثقفين الفرنكفونيين بالدرجة الأولى. وفي صفوفهم أيضا تبلور مفهوم الهوية المتوسطية التي يمكن القول بأنها مطروحة هنا كالتفاف على الهوية العربية – الإسلامية، لا سيما وأننا نلاحظ لدى دعاة “الهوية المتوسطية” ضعف الاهتمام بالقضايا العربية، وعلى رأسها قضية فلسطين، لكن دون أن يجوز بالطبع تعميم هذا التوصيف على كل المثقفين ثقافة فرنكفونية. بينما نجد أن نفس هذه النزعة الهوياتية المتوسطية أو التوجه اللائكي أقل حضورا لدى المثقفين المعربين الذين هم أكثر اهتماما وتفاعلا بقضايا العالم العربي.

نصل بذلك إلى الثنائية اللغوية التي تطبع “الثقافة العالمة” في الجزائر، بل إلى الثلاثية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار اللغة الأمازيغية التي أصبح دستور 1989، الذي جاء نتيجة مظاهرات 1988، يعترف بها بعد نضالات نخبوية وجماهيرية طويلة وأحيانا دموية، كلغة وطنية، صار لها اليوم أقسام دراسية جامعية في الكليات المتواجدة بالمناطق السكانية الأمازيغية، ومدرَّسة في الطورين التعليميين الابتدائي والثانوي بنفس المناطق، وذات حضور في مختلف الأشكال الحديثة للتعبير الثقافي، كالرواية والسينما والمسرح، وإن كان أقل بكثير من حضور الثقافة الناطقة بالفرنسية أو بالعربية.

لكن يمكن القول بأن “الجبهة” اللغوية المتمركزة حول الثنائية فرنسية/عربية، أو الساحة اللغوية ككل، تعرف في العشرية الأخيرة حالة من الهدوء لم يسبق لها مثيل منذ الاستقلال. ذلك أن العلاقة، لا سيما بين اللغتين الأوليين، كانت دائما علاقة نزاع، سواء في العهد الكولونيالي الذي كانت العربية أثناءه مصنفة قانونا كلغة أجنبية، أو بعد الاستقلال حيث تحول الأمر إلى صراع من أجل الهيمنة، نتج عنه انقسام المثقفين الجزائريين إلى “معربين” و”مفرنسين”، أيديولوجيا ووجدانيا وحتى سياسيا، الأمر الذي أدى من جهة إلى ما يمكن ربما تسميته بالطائفية اللغوية التي جعلت الجزائر تعاني معاناة البلدان العربية الأخرى من الطائفية التقليدية، أي الدينية؛ ومن جهة أخرى إلى الحيلولة، نتيجة ذلك الانقسام بالذات، دون أن يلعب المثقفون دورا سياسيا يستحق الذكر. فقد شغلوا أنفسهم بالصراع حول السلطة الرمزية فلم يؤثّروا تأثيرا يذكر على السلطة الفعلية. وكما هو الشأن في كل انقسام ثقافي أو غير ثقافي يطبعه الصراع، فإن كل طائفة ثقافية-لغوية أسست حول نفسها وحول الآخر رؤى تبرر بها نفسها، معلية من ذاتها، في مقابل الحط من “الآخر”. فقد كان المثقفون الفرنكفونيون يعتبرون الفرنسية الحل السحري لمعضلة التخلف، والطريق الملكي نحو الحداثة، وفي العربية “لغة الآخرة”، على حد تعبير مصطفى لشرف، أحد أبرز مثقفي ما بعد الاستقلال، يعني لغة التخلف التي “أنتجت الإرهاب” في نهاية المطاف؛ وبالتالي كان الفرنكفونيون يرون في أنفسهم قاطرة التقدم والحداثة، لأنهم يمتلكون لغة غربية؛ فيما رأى المعربون في لغتهم عامل حفاظ على الهوية، وفي المدافعين عن لغة الآخر ما يسمونه بـ”حزب فرنسا”. وقد كانت وسائل الإعلام المكتوبة الساحة المفضلة للمواجهة بين الطرفين. وهكذا أصبحت الثقافة الجزائرية في مرحلة ما بعد الاستقلال ثقافة منتجة للشقاق بين الجزائريين بسبب انقسامها لغويا.

لكن وكما سبق القول فإن هذه الجبهة قد عرفت في العشرية الأخيرة هدوءا ملحوظا، بالرغم من أنه لا يعني بالضرورة زوال المشكلة، فلا يزال التواصل بين المكونات الثلاثة للثقافة الجزائرية ضعيفا إلى اليوم. ويمكن إرجاع الهدوء الملحوظ مع ذلك إلى جملة من العوامل، لعل أهمها، انتشار دائرة مزدوجي اللغة، وكذا تجميد مشروع تعريب الإدارة الجزائرية بعد مجيء عبدالعزيز بوتفليقة إلى السلطة واستعماله اللغة الفرنسية في الخطب التي كان يلقيها بالخارج، الأمر الذي حدا بالحزب الذي ينتسب إليه، المدافع التقليدي عما يسمى بـ”الثوابت الوطنية” إلى استيعاب الرسالة والسكوت نتيجة لذلك عن هذه “الثوابت”. يضاف إلى ذلك ربما طول مدة هذا الصراع اللغوي الموروث عن فترة الاستعمار، والاعتراف، كما سبق القول بالهوية الأمازيغية للشعب الجزائري ومعها اللغة الأمازيغية، ذلك أن إقصاء الهوية الأمازيغية كمكون من مكونات الهوية الوطنية، أدى إلى نشوء نوع من التحالف بين الأمازيغية والفرنكفونية في مواجهة العربية ومختلف تجلياتها الثقافية والهوياتية، كما يدل على ذلك مثلا استعمال اللغة الأمازيغية للحرف اللاتيني بدل الحرف العربي، بل وحتى بدل حرف تفيناغ الخاص بها. وربما كون عمليات الاغتيال أو محاولة الاغتيال التي تعرض لها المثقفون في التسعينات، قد شملت المفرنسين منهم والمعربين، ساهم بدوره في ردم الهوة بين الطرفين، بالرغم من أن الصراع الدموي الذي غرقت فيه البلاد في تلك الأيام لم يكن خاليا من بعد ذي خلفية ثقافية، له صلة بالهوية واللغة والدين، أي بالصراع الذي أصبح الآن عاما أو يكاد في كامل المنطقة العربية، بين العلمانيين والإسلاميين، وإن كان الأمر فيما يخص الحالة الجزائرية قد تميز بظروف نوعية خاصة به إلى حد معين.

لوحة: عزيز عياشين

وهم إعادة التشكيل الثقافي

لكن تنبغي الإشارة أيضا إلى أن العشرية الأخيرة قد تميزت بمحاولة إعادة الاعتبار للتاريخ الثقافي الجزائري ككل، يعني على نحو يتخطى حدود الموروث الثقافي العربي الإسلامي، ليشمل المرحلة الرومانية ذات الصبغة اللاتينية المسيحية، كما تجلى ذلك من خلال خطاب رئاسي لبوتفليقة، في زيارة إلى إيطاليا، سنة 2004، تحدث فيها عن شخصيات أمازيغية الأصل خلفت تأثيرا على التراث المسيحي واللاتيني على غرار أبوليوس ويوبا II وترتوليان والقديس أوغسطين وغيرهم. كما تجلى أيضا في أول ملتقى دولي عقد بالجزائر، في أبريل 2001، حول القديس أوغسطين المولود بمدينة سوق أهراس، إحدى مدن شمال الجزائر، بينما كان مؤلف كتاب “مدينة االله” يقدم في فترات سابقة مقرونا دائما بالعمالة للإمبراطورية الرومانية، كما فعل مثلا، رضا مالك في كتابه «Tradition et Révolution». فالظروف الدولية تغيرت، والخطاب المعادي للإمبريالية سقط مع سقوط الاتحاد السوفياتي والدول السائرة في فلكه وأيديولوجيته، ليهيمن خطاب العولمة والنيوليبرالية. ولم يكن بإمكان الجزائر أن تبقى بمنأى عن هذه التغيرات العالمية، كما يدل على ذلك تخلى دستور1989 عن الخيار الاشتراكي وما تبعه من خوصصة مؤسسات الدولة وتسريح للعمال وإطلاق العنان للقطاع الخاص، الذي كان من نتائجه ظهور دور نشر خاصة، بالموازاة مع حل مؤسسات الإنتاج الثقافي التابعة للدولة، لا سيما السينمائية منها، وظهور جمعيات ثقافية “مستقلة”، إلى جانب “فك” الارتباط العضوي للدولة بالاتحادات ذات الطابع الثقافي، كاتحاد الكتاب الجزائريين، وذلك في إطار مسعى عام هادف نظريا إلى تأسيس مجتمع مدني وإلى إرساء قواعد التعددية السياسية التي نص عليها الدستور المذكور. وكان من نتائج كل ذلك أن الدولة كفّت مبدئيا عن أن تكون المتحكم في وسائل الإنتاج الثقافي، أو على الأقل لم تعد الوحيد في هذا المجال. على أن الطابع الشكلي لهذا التحول في بنية السلطة جعلت هذه التغيرات تتخذ بدورها الطابع الشكلي، بل وتعيد على مستواها الخاص إنتاج ثقافة السلطة بالمعنى السياسي. فبحكم اعتمادها على تمويل من الدولة، لم تكسب هذه الجمعيات استقلالية حقيقية إزاء السلطة، ولا سعت وراء ذلك في الواقع. بل إن ممارساتها كانت لا تختلف عن ثقافة احتكار السلطة المعتمدة في الواقع من طرف النظام الحاكم، مما حال دون أن تكون تعبيرا عن المجتمع في المجال الذي يعنيها، أي المجال الثقافي، بل صورة مصغرة عن النظام، عن ثقافة الاستبداد العام، إذ لم تعرف هذه الجمعيات الثقافية في معظم الحالات غير مسؤول أوحد. وبالرغم من أن بعضها حقق بعض النجاحات، إلا أن غياب ثقافة المؤسسات وثقافة التداول، كان يؤدي بها إلى الإخفاق بعد رحيل المؤسس، بل إن بعضها تحول إلى ملكية شخصية في نهاية المطاف. هذه الوضعية المعبرة عن المجتمع المدني بالمعنى الكاريكاتوري للكلمة، تكشف في الحقيقة عن صعوبة التغيير الحقيقي في المجتمع.

ومثلما أمكن للسلطة إعادة إحكام قبضتها على الإعلام من خلال توزيع ريع الإشهار والإعلانات الذي بقي حكرا على الدولة، فكذلك أمكنها من خلال الدعم المالي لدور النشر الخاصة التحكم في سياسة نشر الكتاب بواسطة لجان وزارية مكلفة باختيار العناوين. وقد أدى ذلك إلى تضخم عدد دور النشر بفعل إغراء إعادة توزيع الريع المقدم تحت مسمى دعم الكتاب. وكان بالإمكان رغم كل شيء لهذه السياسة تحقيق بعض النتائج، لكن بما أن الكتاب في الجزائر يعاني من عجز في التوزيع، حتى أن المنشور منه لا يمكن العثور عليه في كثير من الأحيان إلا في مكتبة صاحب دار الناشر الذي أصدره، فقد كانت في الأخير سياسة ثقافية عبثية، الرابح الوحيد فيها هو الناشر. فالكتاب المدعّم منشور، ولكن لا وجود له في أيّ مكان تقريبا. لكن في الوقت الذي يغيب فيه توزيع حقيقي يشمل مختلف مناطق البلاد، لا يفتأ الناشرون يتحدثون عن تدهور المقروئية. ربما يمكن القول بأن الكتاب الديني، بالرغم من أن مكانته قد تراجعت بالقياس إلى ما كان عليه أيام ازدهار الإسلام السياسي، هو الناجي الوحيد من الغرق، خصوصا بالقياس إلى الكتاب “الإبداعي” الروائي أو الشعري، الذي لا يتجاوز عدد نسخه الألف عند النشر. في مثل هذا الوضع، نتفهم شعور الكاتب الجزائري بأنه طالما لم ينشر مؤلفه في المشرق أو في باريس، فهو لم ينشر أو ليس في عداد الكتاب.

غياب المردودية الثقافية الفعلية والدائمة لهذه السياسة ليس بأقل من غياب مردودية الثقافة المناسباتية والإشهارية المتجلية في تنظيم المهرجانات الكبرى، على غرار سنة الثقافة الجزائرية بفرنسا التي نظمت سنة 2003 و”تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية”، سنة 2011، وتلك التي يزمع تنظيمها سنة 2015 بمدينة قسنطينة. مهرجانات تبتلع أموالا ضخمة، جزء منها مشبوه المآل حسب بعض الآراء، مقابل فعالية لا تتجاوز زمنيا فترة انعقادها، بينما تبقى مدينة القصبة، المعلم الثقافي التراثي العريق متروكا للإهمال والموت البطيء، والحال أن إعادة ترميمه، لو تمت، كانت ستجعل عاصمة البلاد تتحول إلى قطب سياحي ثقافي ذي جاذبية كبيرة ودائمة، مانحا لها في ذات الوقت نكهة وسحر عبق التاريخ والحضارة. مثلما بقى أيضا إنجاز فيلم حول الأمير عبد القادر الذي يجري الحديث عنه منذ سنوات طويلة مؤجلا ربما إلى أن ينسى الناس تاريخهم، بالرغم من أن فيلما واحدا، مهما كانت أهميته، لا يؤسس ثقافة سينمائية، لكنه سيكون على الأقل إنجازا يتسم بالديمومة ويسهم في الحد، ولو قليلا، من الأثر المدمر لثقافة النسيان والجحود المنتشرة على مختلف الأصعدة، دون استثناء.

ما يمكن القول بأن الكتاب الديني، بالرغم من أن مكانته قد تراجعت بالقياس إلى ما كان عليه أيام ازدهار الإسلام السياسي، هو الناجي الوحيد من الغرق

السلطة والمثقف

هذا التعامل المجدب والاستعراضي وغير الثقافي مع الثقافة، المعبر في الحقيقة عن غياب حضورها وغياب أيّ دور لها في السلطة، يجد له امتدادا من خلال التهميش الذي حظي به على الدوام المنتجون الحقيقيون للفكر والثقافة، الأمر الذي حال على الدوام دون تشكل “قوة ناعمة” في الجزائر. ففي بلد تهيمن فيه قيم القوة والسلطة، بدءا من المرحلة الكولونيالية المجسدة لوضع قائم على الغلبة، لا مكانة حقيقية للمفكر والمثقف، يعني لنوع آخر من السلطة غير سلطة القوة بمعناها السياسي، بل والعسكري. لهذا عاش دائما المبدعون والمفكرون الجزائريون من طينة محمد ديب ومحمد أركون وكاتب ياسين وأبو القاسم سعد الله وغيرهم، على هامش البلد الذي أنجبهم، وماتوا غرباء، بعيدين عنه. فمحمد أركون على سبيل المثال، لم تقم أيّ جامعة جزائرية بدعوته أو تنظيم ملتقى فكري حول فلسفته، أثناء حياته. ومحمد ديب، لمّا خطر للبعض تكريمه وهو لا يزال على قيد الحياة، لتدارك التهميش والإنكار الذي تعرض له، تم ذلك بطريقة مسيئة له، إذ جرى تأسيس جائزة أدبية سنوية بمال الدولة تحمل اسمه، لكن يحرم من الاشتراك فيها الكتاب الجزائريون الذين يكتبون بالعربية، اللغة الوطنية والرسمية للبلاد.

ولعل المثقفين الجزائريين، ومن خلالها الثقافة الجزائرية، يدفعون على العموم ثمن عدم قيادتهم لحركة المطالبة بالاستقلال ثم لحرب التحرير التي كان أول من طالب بها ثم حوّلها إلى حرب تحرير هم فئة غير المثقفين، مثل مصالي الحاج، المسؤول النقابي المعروف، ثم فيما بعد قياديون عسكريون من غير ذوي المؤهلات العلمية أو الثقافية. لكن قد يكون هذا الأمر مرتبطا أيضا بالتدمير المنهجي للثقافة الوطنية ولسياسة التجهيل الكولونيالية، لأنه ينبغي ألا ننسى أن أكبر مقاومة للاحتلال الفرنسي كان قد قادها في بداية الاستعمار الأمير عبدالقادر، الشاعر والصوفي، تلميذ ابن عربي.

نهاية مثقف الخلاص الجماعي

خارج نطاق الممارسة “الثقافية” للدولة، نجد أن من بين ما تتميز به الساحة الثقافية الجزائرية الراهنة، على مستوى المنتجين الفعليين للثقافة، اختفاء المثقف النقدي. فمنذ رحيل كاتب ياسين ومولود معمري وعبدالحميد بن هدوقة، وانتهاء العشرية السوداء التي تبلور فيها خطاب المثقف النقدي أساسا كخطاب معارض للإسلام السياسي، الأمر الذي كلف بعضهم حياته، كما حدث للروائي طاهر جاووت والمخرج المسرحي عبدالقادر علولة، اختفى المثقف الحامل لرسالة “الخلاص الجماعي”. فمع التحول نحو الرأسمالية، وهي رأسمالية متخلفة وبالتالي متوحشة، وانتهاء مرحلة العنف الدموي، أصبح المثقف يدير رأسماله الثقافي، أو الرمزي إن جاز التعبير، إدارة المقاول لرأسماله المادي. لقد صار هذا المثقف يستثمر رصيده المفترض، الأدبي منه وغير الأدبي، لتحقيق خلاصه الفردي أكثر منه لتحمل مسؤوليته إزاء المجتمع بوصفه مثقفا. لقد صار يعكس في مجال الممارسة الثقافية الراهنة الذهنية العامة الحالية للفرد الجزائري، ذهنية متمركزة حول الذات، غير منشغلة بالمصير العام. هكذا فقد مثقفونا اليوم إحدى المحددات الرئيسة للمثقف، حسب ت. بوتمور: التجرد من الذات من أجل التحول إلى ما يشبه صوت الضمير الجمعي الذي دونه لا مجال للحديث عن السلطة الرمزية أو الأخلاقية التي تنسب عادة للمثقف. فمثقف اليوم يفتقر إلى حس مقاسمة الألم الجماعي.

ولعل تراجع حضور الأيديولوجيا والسياسة في النص السردي الراهن، مقابل تواجدهما البارز في نص المرحلة “الاشتراكية” أو النص المرتبط بـ”العشرية السوداء” متجلية، فيما يخص الأخير، في موقف الرفض للإسلاموية والإرهاب، ليس غير تعبير عن هذه الذهنية “الثقافية” الجديدة المتميزة بعدم الانشغال بالمصير العام. وربما يكون تحول “الهجرة إلى الشمال” من طرف المثقفين، وغيرهم، إلى ما يمكن تسميته بثقافة الخلاص الفردي، هو مظهر من مظاهر “موت الأيديولوجيا” في ثقافة العشرية الأخيرة، ذلك أن الأيديولوجيا، في بعد من أبعادها، تعبير عن انخراط الكاتب في المصير الجمعي. لقد أصبح المثقف الجزائري، وذلك أيضا تحت تأثير عوامل محلية طاردة، مثقفا “بلا وطن”. ولعل ما يمكن قوله كخلاصة هو أن الوضع الثقافي القائم حاليا في الجزائر هو جزء من صورة مجتمع بلا أفق ولا طموح.


كاتب من الجزائر