المفكر ميشال أونفري ينعي الحضارة الغربية

كل الحضارات ذائقة الموت، إذا ما صدقنا نبوءة بول فاليري الشهيرة بما فيها الحضارة الغربية إذ دقت بداية نهايتها حسب مواطنه المعاصر الفيلسوف ميشال أونفري. فهل التحق فيلسوف المتعة اليساري بقافلة المفكرين المحافظين وبات يتحسر على مصير حضارة يهودية- مسيحية تعيش أعمق أزماتها الاقتصادية والأخلاقية والسيكولوجية حسب الذين يقظ مضجعهم الخوف من انهيار واختفاء فرنسا من الوجود خاصة والحضارة الغربية عموما؟

الجديد  حميد زناز [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(142)]

من البديهي أنه لا يمكن حشر الرجل مع جماعة آلان فلكنكروت صاحب “الهوية الشقية” أو إريك زمور مؤلف “الانتحار الفرنسي” أو باسكال بروكنر كاتب “زفير الرجل الأبيض” وغيرهم.. فالرجل على عكس هؤلاء ومن يدور في فلكهم لا يؤمن بإمكانية العودة إلى ما مضى بل ولا يتمنى حتى ذلك. وإن قاسمهم التشاؤم فيما يتعلق بمستقبل الحضارة الغربية التي خربتها الليبرالية الجديدة التي باتت في رأيه تملي قوانينها وتفرض فلسفتها الاستهلاكية على المجتمعات الغربية، فإنه يختلف مع هؤلاء في تشخيص داء الغرب وفي الحلول التي يقترحون من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فإن دعا الأفوليون (نسبة إلى الأفول) صراحة أو تلميحا إلى الانعزال عن العالم وإعادة النظر في أسس الاتحاد الأوروبي ذاته، فهو متيقن بعدم إمكانية العودة إلى الوراء وفك الارتباط مع العالم المعولم، وهذا أمر مستبعد لا يتم سوى بانتهاج الأسلوب الديكتاتوري، وهو أمر يبدو له مستحيل التطبيق وغير مرغوب فيه أصلا. فما الحل إذن؟

الحقيقة الفظيعة هو أن “حضارتنا في انهيار متواصل”، هكذا يردد دائما في كتاباته وفي وسائل الإعلام شارحا أن أوروبا قد ماتت ومتنبئا بنهاية الغرب. فأين يرى علامات ذلك السقوط المحتمل؟

أصبحت حياة الإنسان الغربي مرتبطة أساسا بالحاضر وهذا يحرمه من النظرة الشمولية التي تضع مسافة بينه وبين الواقع وهو أمر ضروري لا فلسفة تاريخ دونه. الحضارة الأوروبية حضارة يهودية- مسيحية ولدت مع قسطنطين في بداية القرن الرابع. وقد عمرت 1500 سنة، فمن يجرؤ الاعتقاد بأنها ستعيش إلى الأبد؟ هي فانية كغيرها، يقول، وإلا كانت فريدة من نوعها في تاريخ البشرية. لا يريد الغربيون الاعتراف بأن حضارتهم هي في طريقها إلى الفناء ولا يريدون رؤية علامات هرمها. تبقى الحضارة حية حينما تستمر في الإنتاج والإبداع وقد كانت الحضارة الغربية منتجة ومبدعة في كل المجالات. فماذا تنتج الآن وماذا تبدع؟ يتساءل الفيلسوف ويجيب: تنتج سينما بدون صور، روايات دون حبكة ولا شخصيات، شعر دون كلمات، موسيقى بلا نغمة، معارض دون معروضات! في أوروبا اليوم تبنى متاجر كبيرة تطوف فيها العائلات يوم السبت بحثا عن الاستهلاك ولا تبنى كاتدرائية واحدة. الغرب في حالة تحلل: يشتري الكبار كراسات من أجل تلوينها كالأطفال، يصطحبون حيواناتهم الأليفة عند المحلل النفساني، ويخصصون قنوات تلفزيونية للكلاب والقطط، ويستأجر أغنياؤهم أرحام النساء الفقيرات ليحملن مكان زوجاتهم.. ولكن لا أحد مستعد للموت من أجل هذه التفاهات.. ولذلك لا أحد سيضحّي بحياته من أجل هذه الحضارة المشوهة وحتما ستنهزم أمام حضارة يضحّي أهلها بحياتهم من أجل المبادئ التي يؤمنون بها.

ينظر أونفري إلى الواقع دون أدنى تأسف عما آلت إليه الأمور وينفي عن نفسه أن يكون أفوليا (من الأفول) أو رجعيا أو محافظا إذ لا يريد بعث الماضي بدعوى أنه كان الأحسن. كل ما في الأمر أنه على عكس الأغلبية قد تعلم مع الفيلسوف هيغل أن الحضارات تولد، تنمو، تعيش، تصل إلى أوجها، تضعف، تتهاوى ثم تختفي لتترك مكانها لحضارة جديدة.

وأمام مصير الحضارات هذا وقدرها، لا يجد الفيلسوف أحسن من موقف سبينوزا: لا ضحك ولا بكاء وإنما محاولة الفهم إذ لا يمكننا ترقيع ما لا يرقع. لقد ضيع الإنسان الغربي الانبهار الذي كان يسكنه منذ الشاعر فيرجيل وحتى ظهور الآلة الميكانيكية. ومن ذلك الوقت أصبح يعيش في نوع آخر من الحضارة : من مولدهم إلى مماتهم، لم يعش بعض الأفراد في الغرب سوى بين جدران الإسمنت المسلح، الطرق المعبدة، الغازات السامة.. ولا يعرفون من الفصول الأربعة سوى بعض أوراق متساقطة من بعض شجيرات لا تزال واقفة على حافة بعض شوارعهم. يمكن أن تكون تغريدة محبوكة بشكل جيد وأنيق بمثابة وريث أقوال الأخلاقيين الفرنسيين في القرنين السابع والثامن عشر المأثورة. ولكن لا يمكن مقارنة عمر فراشة بعمر حضارة: الثقافة الآنية الحالية تقف أمام الإنسان الغربي حجر عثرة أمام انفتاحه على المستقبل و إدراك تموضعه في التاريخ ومعرفة المسار الذي قطعه منذ قسطنطين إلى اليوم.

يعتبر الفيلسوف تقلص فضاءات الأرياف، تضاؤل عدد القرويين وتآكل طبقة الفلاحين، والاهتمام المفرط بالحياة الذهنية بمثابة القطيعة الأنتروبولوجية والأنطولوجية. فإن كانت المعضلة هي نسيان الذات بالنسبة إلى الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر، فإن التغافل عن وجود العناصر المكونة للكوسمس هو لب المشكلة لدى الفيلسوف الريفي ميشال أونفري. يعود خلل الحضارة الغربية في رأي صاحب كتاب “الإلحادولوجيا” وعدو جميع الأديان إلى افتقادها لأساس روحاني يبعث فيها الحياة!

كالعادة سرعان ما احتدم الجدل حول تنبؤات أونفري وانبرى مثقفون وفلاسفة وسياسيون كثيرون لتفنيد مقولاته والدفاع عن نضارة الحضارة الغربية ومستقبلها الزاهر

ولكن أليس هناك عودة للدين؟ عودة للروحانية التي افتقدها ميشال فوكو قبله وراح يبحث عنها في الشرق كدواء لتصحر الغرب الروحي؟

يلاحظ صديقنا أونفري أننا كنا واهمين عندما اعتقدنا مع أوغست كونت أن الخروج من المرحلة الدينية سيشهد ميلاد مرحلة فلسفية وضعية. فلا يزال الناس يفضلون دائما الأكاذيب التي تطمئن قلوبهم على الحقائق التي تثير القلق في عقولهم. ليس هناك عودة للدين في الغرب كما يدّعي كثيرون وإنما هناك قدوم واضح للإسلام حسب الفيلسوف. فلا المسيحية بخير هنا ولا اليهودية. وحتى وإن نزل مسيحيون للشارع للاحتجاج ضد الزواج المثلي على سيبل المثال، فهذا لا يعبر عن استرداد المسيحية لقوتها وتأثيرها. وربما هنا يكمن انهيار الغرب، إذ تبنى كل حضارة اعتمادا على دين يستعمل العنف. والروحانية المسيحية هي التي كانت وراء ظهور الحضارة الغربية يقول ميشال أونفري، وإن غدت المسيحية اليوم متسامحة، فلأنها ببساطة لم تعد تملك وسائل اللاتسامح. أما الإسلام فيملك تلك الوسائل ولا يحرم نفسه من استعمالها، وهكذا تركت له المسيحية المجال والمكان وماتت. ويخلفها إسلام لم يختبر 10 قرون من الفلسفة، فلم يعرف لا الكوجيتو ولا العقل ولا اللائكية ولا التقدم. حتما سيختفي العقل حسب ميشال أونفري حينما يتحول الإيمان إلى قانون. واختفاء العقل، يقول، لا يمكن أن يكون خبرا سعيدا أبدا. فهل قضي الأمر وانتهى كل شيء وبات سقوط الحضارة الغربية حتميا؟

اختار أونفري “الانحطاط” كعنوان للكتاب الثاني من ثلاثيته التي تحمل عنوان موسوعة موجزة عن العالم والتي صدر أولها أخيرا تحت عنوان “كوسمس (الكون) في سبيل حكمة بمنأى عن الأخلاق”، والثالث سيكون تحت عنوان “الحكمة”. فهل أصبح صديقنا من أتباع شبينغلر، من هواة التفلسف في سقوظ الغرب؟

وحتى وإن لم يصدر كتاب”الانحطاط” بعد، فهو يرد على هذا السؤال الاستباقي فيقول “يعتبر شبينغلر من المفكرين الذين تتردد أسماؤهم كثيرا دون أن يقرأ نصوصهم أحد. وكذلك تونبي. كان شبينغلر موضوع أطروحتي الجامعية. لقد قرأت ما كتب منذ 30 سنة. وإن اتفق الناس مع مقولة بول فاليري الشهيرة: إننا ندرك اليوم أن حضاراتنا محكوم عليها بالموت، فقليل من يستخلص النتائج المترتبة عن ذلك. كل حضارة ترتبط بالحركة الروحية التي تكون رافدا لها وتجعلها ممكنة. عاشت الحضارة الغربية ألفية ونصفا ولما ماتت المسيحية ها هي اليوم في طريقها إلى الزوال، ولا يمكن اعتبار من يقر بهذه الحقيقة من منظري الانهيار وهواته. أمام هذه الحقيقة، تسأله جريدة لوفيغارو عماذا عساه أن يقول لشاب غربي في العشرين من العمر، فأجاب بصراحته المعهودة “الباخرة تغرق، حاول أن تبقى أنيقا، مت واقفا”.

إن الزعم بعدم وجود صراع حضارات بين الغرب المحصور محليا والمحتضر والإسلام المتحرر من الإقليم والذي ينعم بصحة جيدة لهو سخافة كبيرة تعيق التفكير في ما حدث وما هو واقع وما سيقع.

وكالعادة سرعان ما احتدم الجدل حول تنبؤات أونفري وانبرى مثقفون وفلاسفة وسياسيون كثيرون لتفنيد مقولاته والدفاع عن نضارة الحضارة الغربية ومستقبلها الزاهر. وفي رأينا كانت مداخلة الفيلسوف لوك فيري، وزير التربية السابق، من أقوى الردود إذ لا يتفق مع تشخيص صديقه أونفري بل يرى العكس تماما. ويكتب موجها الكلام لأونفري مباشرة “أنت لا تفرق بين سقوط يوتوبيات 68 التي آمنت بها والغرب كله”. فالحضارة الغربية ليست أبعد ما يكون عن السقوط فحسب، بل هي في رأيه أكثر جاذبية من أي وقت مضى. فإلى أين يشد المهاجرون الرحال اليوم؟ هل يغامر مهاجر بحياته في البحر من أجل الوصول إلى العراق أو إلى بلد من بلدان الساحل؟ لنتذكر سنوات 60، فماذا كنا نرى في تلك الفترة؟ بلدان تحكمها شموليات، في شرق أوروبا، في الصين، في أميركا الجنوبية، وحتى في قلب أوروبا حيث فرانكو في أسبانيا، والفاشية في اليونان والديكتاتورية في البرتغال.. واليوم نرى العكس تماما يقول لوك فيري، فقيم الغرب قد انتشرت وفرضت نفسها في البرازيل والشيلي والأرجنتين وفي البلدان الشرقية التي كانت تحت سيطرة الفكر الستاليني. فعلى عكس الكآبة الفكرية السائدة ، أعتقد، يقول لوك فيري، بأن حضارتنا الأوروبية هي اليوم أجمل وأثمن. هي حضارة “الخروج من الطفولة”، حيث لا يتم تزويج مراهقات غصبا عنهن، حيث لا تمنع النساء من الخروج والعمل والتمتع بكامل حقوقهن. ويعيد الفيلسوف لوك فيرى النظر في نظرة أونفري لليبرالية مؤكدا أنها ليست هي التي تهدم بل عدم توسعها هو الإشكال، وعلى رغم ما تخلفه الليبرالية من بعض أضرار اجتماعية، فهذا النهج هو الذي يسمح لنا بممارسة النقد والمقاومة وتصحيح مسار حياتنا ومعناها بأنفسنا. وتلك نعمة خارقة لم يعرفها لا التاريخ ولا الجغرافيا إطلاقا. وينهي الفيلسوف رده كاتبا: بما أن الوعي الشقي لا يحُب أن يحُب، فمن هنا ذلك النزوع الطبيعي نحو التشاؤم. وعلى عكس التفاؤل، فهو ينمي أسلوب الفكر السلبي. وهكذا أصبحت هذه النزعة داء القرن، فتعددت الكتب التي تعلن انهزام العقل وانهيار الغرب والعزوف المدني وانتحار القارة العجوز والكارثة الليبرالية.. فلنحذر من سراب التوق إلى الماضي.

المراجع:

"كوسمس" (الكون)، في سبيل حكمة بمنأى عن الأخلاق، فلاماريون، 2015

فيلوماغازين، مايو 2015 حوار أسبوعية ماريان الفرنسية، 22/03/ 2015

حوار لوريون لو جور اللبنانية، مايو 2015 حوار الفيغارو 01/04/2015 و24/03/2015

موقع ميشال أونفري الرسمي:

http://mo.michelonfray.fr/chroniques/la-chronique-mensuelle-de-michel-onfray-mars-2015-n-118/


كاتب من الجزائر مقيم في باريس