أيها النقد لا تكن موضوعيا أبداً

الجديد  هيثم الزبيدي [نُشر في 01/07/2015، العدد: 6، ص(160)]

النقد عمود أساس من أعمدة التكوين الثقافي الفردي والجمعي. من دون نقد، لا يمكن مواصلة أيّ بناء ثقافي لأن أيّ نتاج ثقافي، بأوجهه المتعددة، سيصبح موّالا فرديا. من دون نقد آلت أمور المثقف والثقافة في المنطقة العربية إلى ما هي عليه الآن.

القول بأن النقد يجب أن يكون موضوعيا، لا مجال له هنا. النقد غير الموضوعي ليس نقدا بالأصل، بل هو إما تحامل أو دعاية. الأهم أن يكون النقد علميا.

الناقد هو مفتاح هذه العملية المهمة مما يفرض عليه أن يكون متسلّحا بأدوات علمية، بعض منها علمية مجازيا وأخرى علمية لأنها تنتمي حقا إلى ناصية العلوم النظرية والتطبيقية.

المجازي من الأدوات هو التقنيات التي طورها النقاد فيما بينهم لتحليل النصوص والأعمال الثقافية والفنية. ثمة وسائل لتقديم تلك النصوص والأعمال للقارئ بعين الناقد بما يجعل فهمها وتأثيرها أكبر وأهم. الخلفيات الفكرية والفلسفية والحياتية مهمة جدا لأنها ترسم صورة أغنى وأكثر تفصيلا. النص والعمل الفني، السينمائي أو التشكيلي أو الموسيقي، لا معنى لهما تجريديا حتى تلك الأعمال التي توصف بالتجريد. قيمة الأشياء تكمن فيما تمثّله من انعكاسات لتلك الخلفيات. المقارنات بالمثيل أو الضد هي وسيلة مهمة ثانية للنقد. نحن نقيس أغلب سلوكاتنا الحياتية من باب المقارنات ونستطيع أن نفهم الأشياء أفضل لأننا نقارنها بغيرها.

غير المجازي من الأدوات هو المشكلة. الادعاء بامتلاك أدوات من العلوم النظرية والتطبيقية يمكن استخدامها في النقد الثقافي أو الكتابة الفكرية قضية خطرة. يفترض البعض أنه بمجرد معرفته لبعض المعطيات العلمية في حقل تخصصي ما، فإن هذا يؤهله للخوض في غمار النقد والفكر.

هذا مطبّ خطير. مبعث الخطر فيه أنه تسبب في قراءات نقدية غير موضوعية بتاتا قدمت فقط لأن قائلها إما متخصص في حقل علمي أو أنه قارئ غير متخصص قلب بعض الصفحات العلمية واستثارته بعض المفردات والمصطلحات فسعى إلى “تلوين” نصه النقدي بها.

العلوم ليست منطقة رمادية. هناك تكمن الحقائق التي لا تعرف التأويلات الفلسفية أو النقدية. إنها منطقة يمكن وصفها باللون التام البعيد عن التدريجات الرمادية التي تحفل بها القراءات الفلسفية والنقدية.

لا تستطيع أن تستعير من العلوم مصطلحات وتوظفها في النقد لتفسر الأشياء إلا إذا كان هذا صحيحا تماما. الاستعارات العلمية لا تتحمل الدجل.

دجل الاستعارة العلمية قضية حقيقية في الثقافة والنقد. هي قضية لا ترتبط فقط بالدجالين ممن تحفل بهم الفضائيات العربية والذين يقدمون تفسيرات فكرية ودينية وروحانية باستخدام مفردات علمية. مثل هؤلاء يراهنون على حسن نوايا المشاهد وجهله معا. هؤلاء دجالون مفضوحون.

ثمة مفكرون ونقاد معروفون دخلوا عالم الفكر والنقد من بوابة صحيحة، لكن سرعان ما نفدت معارفهم ورؤاهم فصاروا يبحثون عن أدوات “جديدة” في العلوم المطلقة. هؤلاء خطر حقيقي على العملية الفكرية والنقدية لأنهم يستفيدون من مسار بدأ صحيحا ثم انحرف نحو الاستعارات والتأويل وأنصاف الحقائق ليبرروا أفكارهم “الجديدة”.

مثل هؤلاء صاروا يتكاثرون في عالم الفكر والنقد المتداول في اللغة العربية. بعضهم تأثر بشكل كبير بمدرسة فرنسية في التفكير كانت إلى وقت قريب تتقبل مثل هذه الخزعبلات. علينا أن نحذّر منهم لكي لا نكرّر الوقوع في مطب تعلمت منه المدرسة الفرنسية درسا بليغا قبل سنوات.

قبل بضعة أعوام، قرر أستاذ للفيزياء في جامعة أميركية أن يختبر متانة مجلة نقدية وفكرية معروفة. بعث لها مقالا طويلا استخدم فيه استعارات وإسقاطات من المفردات العلمية بشكل مثير. تفاعل المحررون مع المقالة ونشروها. بعد أيام كشف الأستاذ الأميركي أن المقالة هراء منمّق وأن لا معنى لها سوى اللعب بالكلمات والمصطلحات التي تبدو علمية.

فتحت الحادثة الباب على عالم مكتظ بالكتّاب ممن يكتبون عبثا، بعض منهم من الأسماء الكبيرة. ضربت المدرسة الفكرية والنقدية الناطقة في العالم الأنجلوساكسوني منافستها في العالم الفرانكوفوني في مقتل عندما تفرغ باحثون متخصصون لاستقصاء العبث الذي يمارسه المثقفون والنقاد فيما لا يفهمونه حقا. توج الجهد البحثي بكتاب “مثقفون دجالون” بعنوان ثانوي “كيف ينتهك المثقفون العلوم”، عاملته فرنسا على أنه عملية تصفية حساب مع مثقفيها ونقادها.

لكن الدرس كان بليغا. صار الجميع يحسب الحساب قبل أن يدّعي فهم الشأن الثقافي والفكري النقدي من خلال أدوات علمية لا تمتّ إلى هذا المجال بصلة. البيئة الثقافية ربّت نفسها بنفسها لكي تمنع تكرار مثل هذا العبث.

السعي إلى تأسيس مشاريع فكرية ونقدية ينبغي أن يضع مثل هذه الأمور في الحسبان. يجب أن لا ننشر لأن المعروض أمامنا “يسترضي جهلنا” أو أنه “يبدو علميا متينا”. النشر مسؤولية أخلاقية بالأساس لا تحتمل أفاقين ودجالين. يكفينا ما نراه على شاشات التلفزيون.


كاتب من العراق

مقالات أخرى للكاتب:

  • مأزق اسمه الفكر النقدي
  • قلق المستقبل
  • السؤال الضائع
  • هل نملك غير الثقافة ردّا على العنف؟
  • تيه المجتمعات يبدأ من تيه المرأة
  • احتفاء‭ ‬بالبلدة‭ ‬المغربية‭ ‬شيء‭ ‬تناساه‭ ‬المشرق‭ ‬العربي
  • أدب الشغف
  • بوصلة‭ ‬شعبوية
  • المدينة العربية
  • المصدومون
  • المثقف‭ ‬كاتباً
  • ‬المتعة‭ ‬الغائبة
  • وداعاً لبراءة الطفل
  • الصحفيون ألسنتهم طويلة
  • يقظة‭ ‬ثقافية‭ ‬لا‭ ‬‮\'‬ثورة‭ ‬ثقافية‮\'‬
  • ثقافة‭ ‬غربية‭ ‬ومنتجات‭ ‬شرقية
  • حادثة سعيدة حقا: المطالعة
  • الأسيران، المثقف والمفكر
  • مثقف‭ ‬اللحظة‭ ‬الراهنة
  • لماذا‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدينا‭ ‬مسرح
  • الهوية‭ ‬المستبدلة
  • أهلا‭ ‬بكم‭ ‬إلى عالم الرواية الممل
  • دع‭ ‬الثقافة‭ ‬وشاهد‭ ‬التلفزيون
  • كلام‭ ‬في‭ ‬الصحافة
  • غيتو إسلامي
  • عام أول من المحاولة
  • تحية‭ ‬متأخرة‭ ‬للأسطى
  • قصيدة‭ ‬حقد‭ ‬واحدة
  • ثقافة الرخيص، ثقافة \'القط بسبعة أرواح\'
  • نحو‭ ‬مثقف‭ ‬جديد‬‬‬‬
  • الدولة‭ ‬العربية‭ ‬المعاصرة لصاحبها ‬‮\'‬ماد‭ ‬ماكس‮\'‬
  • حكاية‭ ‬فيديو‭ ‬عقلي
  • تلك الأدوات التي تغيرنا
  • عقول‭ ‬سطحية لا‭ ‬تستطيع‭ ‬التركيز
  • تكنولوجيا‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬أيدٍ‭ ‬متخلفة