الكاتب‭ ‬والناس

لابد للمرء أن يعود إلى مفهوم الناس الذي خرج من التداول، تقريباً، في الخطابات العربية المعاصرة، وذلك كي يصبح في الإمكان إعادة قراءة العلاقة بين الكاتب والناس‭.‬ أتى مفهوم الناس، غالبا، معرفا بأل التعريف، ومنادى بأيها‭.‬ ودلالة ذلك أنه يشير دائما إلى مقصود خطاب‭.‬ الناس مخاطبون‭.‬ تقول بعض المعاجم: إن الناس جمع إنسان‭.‬ ولكنه جمع بمعناه، كنساء جمع امرأة‭.‬ والناس لا مفرد له كقوم وجيش وقطيع‭.‬

الجديد  أحمد برقاوي [نُشر في 18/08/2015، العدد: 1، ص(8)]

لا يشير مفهوم الناس إلا إلى جماعة‭.‬ فالناس يمكن أن يكونوا جماعة أو شعبا أو أمة أو إنسانية، يمكن أن يكونوا فئة أو طبقة أو نقابة أو حزبا إلخ‭.‬

وعندما نخاطب الناس يحدد مضمون الخطاب الناس ذكرهم أم لم يذكرهم‭.‬ يتوجه إليهم بكل اختلافاتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم وتعدد أهوائهم‭.‬

وفي اللحظة التي يعلن فيها الكاتب عن خطابه فإنه يدخل في علاقة ملتبسة مع الناس‭.‬ إنه خضع الآن لخيارات المتلقي‭.‬ فالكاتب ليس صاحب قرار في تحديد صنف المتلقين، ولا هو قادر على أن يحمل أحدا على القراءة أو أن يحدد نوع القراءة‭.‬ ولهذا يدخل المتلقي في علاقة حرة مع الكاتب، في علاقة حرة مع الخطاب‭.‬ ولهذا كل متلق يتحول الى مقوم، فيصدر حكمه التقويمي على النص، وإن شئت على الكاتب‭.‬ واذا ما أراد أن يعمم حكمه يصرح بكل عفوية قائلا: يقول الناس‭.‬

تتعقد هذه العلاقة بين الكاتب والناس، في مرحلة يطلب فيها من الكاتب أن يتخذ موقفا من الناس، في مرحلة من مراحل صناعتهم للتاريخ، ومن التاريخ السائر نفسه‭.‬

المؤلف والنص

هل تختفي فكرة موت المؤلف؟ ويعود النص الى صاحبه ويصير النص هو المؤلف والمؤلف هو النص؟

والحق إن المؤلف -الكاتب يصبح مسؤولا مسؤولية مباشرة لا عن خطابه-الموقف فحسب، بل عن الناس‭.‬

ولهذا فصمت الكاتب وعدم التدخل في شؤون الناس الذين يدخلون في معركة صناعة التاريخ، وعدم انحيازه إلى صراعاتهم بموقف من أطراف الصراع، وعدم كتابته من وحي العالم المعيش، كل ذلك هو نوع من الكتابة الصامتة التي يستطيع الناس قراءتها بوصفها موقفا‭.‬ إنهم-أي الناس- يكتبون النص الذي لم يكتبه هو بخط يديه‭.‬

فالناس في العالم المتعين، ثورة أو انتفاضة أو احتجاجا، في عالم متعين، كفاحا وآلاما، يسألون عن كاتبهم‭.‬ وإذا ما غاب أحد الكتاب المشهورين الفاعلين فإنهم يسألون: أين هو؟ سؤال أينه سؤال الإستنطاق، أو سؤال احتجاج ودهشة من غيابه، اعتقادا منهم أن حضوره تحصيل حاصل، وجزء لا يتجزأ من مبرر وجوده‭.‬ إنهم يسعون ليروا أنفسهم في عالمه الكتابي وإن حصل وغاب فإنهم يصدرون عليه حكمهم الذي يصل حد نفيه من الذاكرة‭.‬ والناس في أحسن أحوال تقويمهم لهذا الغائب يجدون له إن كانوا يحبونه عذرا في الخوف من السلطان‭.‬

القيامة التاريخية

الناس في دنيا العرب الآن في حال قيامة، والقيامة التاريخية خليط من المأساة والملهاة والدراما البشرية، والكاتب يقع في قلب هذه الحالات التاريخية حتى في صمته‭.‬

لقد أعادتنا القيامة الشعبية التاريخية الى سؤال كنا نظن أنه سؤال عفا عليه الزمن، أو أنه قد أجيب عليه بما يكفي، ألا وهو سؤال ما هوية الكاتب‭.‬

قد يقال إن هوية الكاتب لا تحيل إلا الى ذاته، وانتماء الكاتب هو إلى الكتابة‭.‬ لكن الكتابة وهي تحدد هوية الكاتب دون توقف، وتحيل إلى نظرته الى العالم وموقفه من الناس، هي التي تعين السيرة الذاتية لهوية الكاتب في كل أحوالها‭.‬ سيرة كتابته وانتمائها وصورته في ذهن الناس‭.‬

والناس قلما يكترثون بالكتابة بوصفها سيرة ذاتيه في الحياة العادية، ولكن في فترات القيامة التاريخية سرعان ما يربطون كتابته بوصفها سيرة ذاتية بالقيامة نفسها‭.‬

فإذا كانت القيامة هي ثورة وثورة مضادة، قوى صاعدة فاعلة وقوى منهارة، وقوى رمادية، وأخرى سوداء، إذا كانت القيامة دفاعا عن الحرية والكرامة وحق الحياة، ودكتاتوريين فاسدين، وقتلة وسجانين وحراس سجون، ونفي الحياة، فإن هوية الكاتب تظهر، هنا، بانتمائه قولا وفعلا وصمتا، موقفا متعينا بالكتابة، حيث الكتابة هوية انتماء‭.‬

هوية الكاتب

ها نحن أمام الناس وقد حددوا هوية الكاتب والكتابة عموما‭.‬ لقد قرروا، وبشكل عفوي، معنى الكتابة تأسيسا على مطلبهم من الكاتب والكتابة‭.‬

نحن هنا أمام قضية الكتابة بوصفها، في هذه اللحظة، انحيازا بأي شكل وبمعزل عن الشكل‭.‬ الكتابة في علاقتها المعقدة هذه حالة وجودية بامتياز‭.‬

ذلك لأن الوجودية هي موقف، عبر هذا الموقف الوجودي يظهر الكاتب عبر الكتابة كل هوياته المستترة والنائمة والمستيقظة، القديمة منها والجديدة‭.‬

ولما كان كل كاتب طامحا للحضور، ولا حضور إلا في حقل الناس الذين ينتظرون الحضور، دون أن يعني ذلك حضوره منعزلا عن موقفه العميق من الوجود الجديد، فإنه يظهر لا كما يحب الناس أن يروه⊇ بل استجابة لندائه الداخلي، ثم يأتي الحضور لاحقا‭.‬

وهكذا في هذه اللحظة من القيامة الثورية، يظهر كاتب الخلاص الأرضي المرتبط مع الخلاص الألهي‭.‬ فيجد الناس المؤمنون بخلاص كهذا كاتبهم الأثير‭.‬ فهو من جهة مكافح ضد السلطة المستبدة بخطاب الهوية الدينية التاريخية‭.‬ كاتب كهذا قادر على الإعتداد بالإرث التاريخي المقدس، فيحضر كهوية أثيرة، ويزداد حضوره قوة إذا ما كان ذا تاريخ من التضحية، سجنا ومطاردة ونفيا‭.‬ فيكتسب قوة أخلاقية لدى الناس مما يزيد من تأثيره الفاعل في تشكيل الوعي‭.‬

كاتب كهذا يعاني من مفارقة في الوعي، فهو منحاز الى قيامة الناس، أي التاريخ كسيرورة، من جهة، ولديه تصور سكوني للتاريخ من جهة ثانية‭.‬

إنه يقدم خطابا بسيطا قريبا من وعي الناس المتوارث والذي لا يحتاج إلى عناء لاستيعابه، فيزداد اقترابه من الناس، وبخاصة حين يوقظ فيهم ذاكرتهم التاريخية وهويتهم النائمة‭.‬

ويقوم بدور الداعية الخلاصي، فيعكر صفو الفعل الثوري‭.‬

وفي مقابل هذا النمط من الكاتب الخلاصي المتكئ على خطاب ديني سهل العرض، يظهر كاتب خلاصي آخر شمولي النزعة‭.‬ يتحدث عن خلاص أرضي بفكرة مهزومة في الواقع، لكنه يقيم فارقا بين صحة الفكرة المطلقة وهزيمتها في التاريخ، إذ أن التاريخ عنده ليس معيار صحة الفكرة، بل الفكرة في ذاتها تنطوي على صحتها، معتقدا أنه إذا ما توافرت قوة شعبية جديدة تؤمن بالفكرة المهزومة أمكن للفكرة أن تستعيد دورها الخلاصي‭.‬

غير إن علاقة الناس بخطاب كهذا لا تعدو علاقة يمكن أن تذكر ولكن من دون أثر فاعل، أو يجد خطاب كهذا لدى نخبة قديمة وأخلافها حضورا طوباويا دون الاحساس بتغير الشروط والأحوال‭.‬

كاتب آخر

ويعود كاتب من نمط آخر يبني علاقته بالتاريخ المنفجر بتبرئة الخطاب الأيديولوجي القومي من مسؤوليته في خراب الأحوال، نافيا أن يكون الطغاة منتمين بالأصل إلى الفكرة القومية، بل على الضد من ذلك، فإن خطابهم القومي لا يعدو كونه إخفاء وتزييفا وأداة سيطرة‭.‬

ان الكاتب هنا يستند الى هوية قومية متعثرة في التاريخ، لكنها تظل حية لدى جمهور من الناس الذين يحلمون‭.‬

يحضر حسن البنا وخالد بكداش وميشيل عفلق، مرة أخرى، بدلالاتهم الرمزية، وهم ثلاثتهم قرروا أن يكسروا رأس التاريخ‭.‬

لقد تشابهوا في الإعلاء من شأن الإرادة في تحقيق الفكرة، بمعزل عن فكرة الإمكانية‭.‬ أما كاتب التاريخ المنهار، كاتب الضمير المنهزم، فيقدم خطابا للناس مليئا بالعاطفة الزائفة والحديث عن المؤامرة الأوروبية الصهيونية على الأوطان‭.‬ والدفاع عن المستبدين بوصفهم حماة الديار‭.‬

إنه، وهو لا يستطيع أن يتجاهل الخراب والتدمير الذي أنجزته السلطة المستبدة، راح يتحدث عن إصلاح ممكن أو كان ممكنا‭.‬

مع اندلاع الثورات العربية نشأ المعيار الأخلاقي بوصفه المعيار الذي يقيس علاقة الكاتب بالناس‭.‬

لقد صار مفهوم الناس وقفاً على الناس الذين اندرجوا في حركة التاريخ‭.‬ وفي ضوء ذلك نشأ الكاتب المصاب بالهزال الأخلاقي، والآخر المتمتع بالقوة الأخلاقية، ولكن دون النظر إلى مضمون الخطاب‭.‬

ولقد ظهر الكاتب الإسلاموي بوصفه كاتب الغنيمة، وليس كاتب التحول التاريخي، ظهر الكاتب الذي أعلن الشمولية على نحو جديد، والذي يلقي باللائمة على كاتب الحداثة بوصفه مسؤولاً ومنهزماً معاً، وآية ذلك أن أغلب السلط المستبدة قد لبست ثوب الحداثة واستعارت أشكالها الخارجية في ممارسة قروسطية، فوقعت الشبه بالكاتب الحداثوي بأنه جزء من هذه الآلة الهمجية‭.‬

ولكن النسبة الأكبر من كتاب الحداثة العربية الديمقراطيين والإنسانويين سرعان ما انحازوا إلى الناس، بقوة روحية ووعي متجاوز‭.‬

قشرة الحداثة

أجل: كانت القوة الأخلاقية عند الكاتب الإسلامي القطبي مترافقة مع هزال في الوعي‭.‬ فيما اتحدت القوة الأخلاقية بقوة الوعي المتجاوز عند الكاتب الحداثوي الإنسانوي العربي المنتمي إلى فكرة الحرية‭.‬ غير أن ظاهرةً راحت تبرز شيئاً فشيئاً في تجربة الكاتب السوري والعراقي واللبناني، ألا وهي إرتداد بعض كتاب الحداثة إلى هوياتهم الطائفية الضيقة، فأصيبوا بالهزال الأخلاقي الذي جعل الناس ينفضون عن خطابه، بل وتاريخ قولهم‭.‬

فإذا بالحداثة عندهم ليست إلا قشرة خارجية تماماً كحداثة النظام نفسه‭.‬

غير أن بعضاً من كتاب بلاد الشام والعراق وذوي الأصول القومية والإنتماءات الشيوعية، وهم مصابون بالخرف الأيديولوجي، لم يستطيعوا إدراك حركة التاريخ الراهنة بوصفها تجاوزاً حقيقياً للخراب الذي راكمته السلطة المستبدة‭.‬

أعتقد جازماً أن الناس قد ولدوا، الآن، لا بوصفهم قطيعاً غنمياً، كما أراد لهم صاحب السلطان المطلق، بل بوصفهم مجموعة ذوات مستقلة تواجه عقولاً وممارسات، منزعجة من ولادة الذات كالداعشية والحالشية، بكل صورها الحاكمة وغير الحاكمة‭.‬

وتحرير الذات يعني تحرير الكائن من هويته المغلقة، من ذلك الانصياع إلى خطاب داعية يبعث فيه أخلاق النار والإنتقام‭.‬

سؤال طارئ

تطرح علينا ولادة الذات – الإنسان اليوم سؤالاً عن العلاقة الجديدة التي يجب – أجل – يجب أن تقوم بين الكاتب والناس في صورتهم الجديدة‭.‬

من حيث المبدأ لا يستطيع المبدع أن يتلقى أمراً من أحد‭.‬ ولا يجوز أبداً أن نفكر انطلاقاً مما يجب أن يكون عليه الإبداع‭.‬ ولهذا فعندما نتحدث عن العلاقة بين الكاتب والناس، فإنما نتحدث عن الموقف‭.‬

فالشاعر والروائي والموسيقي والرسام والمفكر والفيلسوف لا يستطيعون – بحكم الهيبة التي ينطوون عليها، وبحكم الحضور القوي في حياة الناس – أن يكونوا خارج الحدث عبر القوة الأخلاقية‭.‬

ربما كانت مهمة المفكر والفيلسوف أصعب من مهمة المبدعين الآخرين‭.‬ فالموقف يمد الناس بالقوة الروحية بشكل عام، أما المفكر والفيلسوف فعليه واجب إنتاج خطاب الوعي التاريخي‭.‬ وآية ذلك أن صنّاع التاريخ يجب أن لا يكونوا عزلاً من الوعي وإلا سار التاريخ على نحو حركة سبهللية‭.‬

ففي الوقت الذي يمد المبدع الروحي البشر بطاقة روحية وسمو جمالي وفني يعزز معنى الوجود الذي يجب أن يكون، والموجود الذي يجب أن يعيش، فإن الفكر يمنح الوجود قدرة على الانخراط في الحدث التاريخي، أو ما سميناه قيامة الناس‭.‬

وهنا يبدأ الإختلاف بين كاتب الذات المغلقة وكاتب الحرية – الذات المنفتحة‭.‬

إذ تعيش الذات المغلقة في صورة كاتب بلا هم، فيما تظهر الذات المنفتحة في صورة الكاتب المهموم بوصفه شخصاً يفكر عن التاريخ‭.‬

التاريخ مفكراً

أجل الكاتب المنفتح المهموم بالحرية هو التاريخ وقد راح يفكر‭.‬ فالتاريخ لا يعي ذاته إلا عبر وعي المفكر والفيلسوف به‭.‬ والتاريخ في البداية والنهاية هو تاريخ الإنسان المتعين‭.‬

تحاول لغة التاريخ عبر المفكر المنفتح أن تصل إلى الناس بأبسط صورة وأعمق فكرة، وأسطع مشكلة معيشة‭.‬ وحسن النوايا هنا لا يعني عدم سقوط المفكر في المشكلات الزائفة‭.‬

فهزيمة حزيران عام 1967 والتي ما زلنا نحصد آثارها، حتى الآن، لم يرَ فيها بعض المفكرين إلا نتيجة من نتائج إهمالنا لتراث الأمة الفكري الذي يبدأ من المعتزلة وينتهي بإبن رشد‭.‬

لم يرَ هؤلاء أن الوجه الحقيقي للمشكلة إنما يكمن في النظم الشمولية نفسها‭.‬

وأن إنتقال المجتمعات إلى حالة الحرية والديمقراطية والحق كفيلة بأن تخلق الإنسان الذي لا يهزم، كفيلة بولادة الإنسان القادر على تجاوز الهزيمة‭.‬

وراح حسنو النية يقدمون للناس أبا هذيل العلاف والكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد‭...‬ الخ في لباس تنكري وبلغة مغتربة عن العالم المعيش‭.‬

وهكذا لم يطرح المفكر مسألة النظام السياسي، والدولة، وحرية الكائن‭.‬ فاستمرت السلطة المهزومة التي حان أوان اندثارها بعملية تاريخية تحمل وزر ماضٍ معقد‭.‬

والأسئلة الزائفة قد تصدر عن سوء نية، أيضاً، هروباً من حق الناس بالتعبير، وبالجديد، وبنوع من الخبث الذي يقدم قولاً في المجرد كي يهرب من المتعين‭.‬ فلا يكون للناس وجود، ويحتل الوجودَ سؤالٌ زائف يظهر بلباس أخاذ وتبرج فاتن‭.‬

غير أن الناس يعرفون بغريزتهم الجماعية، وحسهم الأخلاقي، ووعيهم الذاتي المكتسب من تجاربهم، أن الخائف من المستقبل هو الحريص على بقاء الحال، والحرص على بقاء الحال هو ضربٌ من المحال.


كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات