ماذا‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬مثقفو‭ ‬الاستبداد‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬

انقسمت المجتمعات، ومعها انقسم الإعلام، والجيوش، ووجهات النظر، فانقسمت الثقافة، ونشأت ضفتان، بينهما نهر من الدماء يجري كل يوم، جارفاً في تياره الكثيرين، مع هذا وذاك، رافضاً أو موافقاً، مؤيداً أو معارضاً، وازدادت حدّة الانقسام فانهار إرث كل من الضفتين في نظر الأخرى، حدث هذا بعد انطلاق ربيع العرب، الذي كان حتماً نهضة عربية جديدة، لم يشهد العرب مثلها منذ القرن السابع الميلادي، استطاعت أن تحرّك الملايين خلف راية التغيير والحرية، بعد صمت طويل، ووجوم يشبه وجوم المقابر الممتدة من المحيط إلى الخليج‭.‬

الجديد  إبراهيم‭ ‬الجبين [نُشر في 18/08/2015، العدد: 1، ص(40)]

الفنان: عبدالباسط الخاتم
لم يسمح العالم لهذا الانقسام الثقافي بأن يحسم، فلا نصر لهؤلاء على أولئك، حتى تحين الساعة، التي لا يعرف ميعادها أحد، وحتى تنضج الظروف التي تتلاءم مع المصالح وشطرنج القوى الكونية، ولكنها برهة طويلة تلك التي عاشتها الثقافة العربية، وسط الدمار والأشلاء، بعض أطيافها اختار ان يتأمل ويفكّر، وبعضها الآخر، لم يجد الوقت لهذا، فظلّ منشغلاً بمتابعة التفاصيل المجهرية للحدث اليومي، قصف وبراميل وانقلابات وسجون ومظاهرات وبيانات ومؤتمرات واجتماعات وقرارات دولية ورصد لحظي للمتغيرات على أمل أن يجد المتابع ما يشعره بأنه كان على صواب في اختياره هذه الضفة وليس الأخرى‭.‬

أثناء ذلك، كانت حوارات كثيرة قد فتحت على شاشات الإعلام وفترات نشرات الأخبار، ونقاش صاخب دار، وقطيعة حادة رسمت بمشارط لا ترحم، جعلت من الرأيين، من وقف ضد الاستبداد، ومن وقف إلى جانبه، متباعدين بما يكفي لتمزيق الهوية الثقافية المشتركة، إن كانت موجودة أصلاً، فحتى وقت قريب كنا نقول "الثقافة العربية"، و"صورة المثقف العربي"، و"أزمة المثقف العربي"، ولكن هل بات هذا ممكناً اليوم كما كان بالأمس‭.‬

خيمة القيم الثقافية القديمة

عاشت الثقافة العربية الحديثة، على جملة مفاهيم، اعتبر المثقفون والنقاد العرب، أنها أرض مجازية مشتركة، تضم جميع الاتجاهات الثقافية والفكرية التي ظهرت في القرن العشرين، لتنطق وتكتب وتتداول باللغة العربية، وكان لتلك المفاهيم مرتكزات أسّست وجودها، ودعمت استمرارها وحافظت على كيانها، ومنعتها من الاندثار، من تلك المفاهيم، كانت قضايا الحريات العامة، والديمقراطية، وأزمة الهوية، والقضية الفلسطينية، والدولة الوطنية، والنضال ضد القمع، والكفاح من أجل العدالة الاجتماعية‭.‬

لائحة طويلة من المشتركات، تم تمزيقها بسبب الموقف الحاد الذي دافعت فيه الأنظمة، التي واجهت ثورات شعوبها، عن وجودها، بالمزيد من العنف والقصف والتدمير والاعتقال والقتل والاغتصاب واختراق جميع القيم الإنسانية العالمية، فانزاحت كتلة من المثقفين المعارضين، ليس بالضرورة سياسياً، لكل تلك الممارسات، إلى التمسك بالقيم السابقة، معتقدين أنها ازدادت ألقاً بفضل الدليل على صحتها الذي قدّمه ويقدّمه كل يوم مجرمون لم يتورعوا حتى عن استخدام أسلحة الدمار الشامل والإبادة بحق الأبرياء، فيما قفزت كتلة أخرى من المثقفين اضطرها تموضعها الطائفي أو المصلحي، إلى منطقة جديدة، رأت أن القيم القديمة لا تصلح للدفاع عن أسس فوق أخلاقية، وأعلى من الاعتبارات العالمية الإنسانية، فوجدت نفسها وهي تدافع عن بقاء الانظمة، وعن جميع تلك الممارسات دفاعاً مستميتاً، يزداد المرء فيه تورطاً كلما توغّل فيه أكثر‭.‬

جديد مثقفي الاستبداد

ولكن القول بأن جميع هؤلاء الذين وقفوا مع الاستبداد في حربه ضد الشعب، كانوا مصلحيين، انتهازيين، يدفع كثيرين منهم لعدم قراءة هذه السطور، وما يشبهها، باعتبار أن الحكم عليهم يسبق التفكير في عمق مواقفهم، فلعلّ لديهم ما يبرّر تأييدهم لنظام مثل نظام بشار الأسد أو مبارك أو بن علي أو القذافي أو علي عبدالله صالح!‭.‬

فليس صحيحاً أن معظم هؤلاء ينتمي لفكر طائفي، أو مذهبي ضيق، وليس صحيحاً أن معظم هؤلاء غَرَفَ من رشاوى الأنظمة حتى شبع، فكثير منهم من الفقراء والبسطاء والمهمشين، وليس صحيحاً أن متلازمة ستوكهولم التي تصف تعلّق الضحية بالجلاد هي ما يتحكم بسلكوهم النفسي والفكري، فمعظمهم يدرك تماماً أن جرائم تلك الأنظمة ساطعة وواضحة ولا تحتاج إلى دليل عليها، وقد عانى بعضهم منها سنين طوالاً في المعقتلات والمنافي، فما الذي يدفعهم إذاً إلى الالتصاق بجسم الاستبداد، والتهليل له، والدفاع عنه؟‭.‬

إن الصراع الذي اندلع من تونس، بحادثة البوعزيزي ، وامتد ليشمل مناطق سكانية تعيش فيها مئات الملايين، لم يتح حتى هذه اللحظة، حواراً جاداً قائماً على مساجلة قيمية، بين مثقفي الثورات ومثقفي الاستبداد، مما سهّل على الأخيرين، التهرّب الدائم من سؤال القيم الثقافية والأخلاقية الذي كان سيواجههم في حال نشأ هذا الحوار، وساهم الدفع والتكفير الثقافي الذي مارسته آلات الثورات، بحكم تحكّم الناشطين بها، والأجهزة الإعلامية التي لا تنتمي لبلدان تلك الثورات، بدفع المغايرين لمسافات بعيدة، وخلق الحاجز الفاصل بينهم وبين من يختلف معهم في الرأي‭.‬

ولنتخيل حواراً هكذا، يدور في محفل فكري ثقافي، بحيث يقدّم أحد مثقفي الاستبداد ورقته المعنونة " دفاعاً عن استخدام الكيماوي ضد الغوطة الدمشقية" على سبيل المثال، أو ورقة عمل أخرى تحت عنوان" لماذا يجب أن يستمر رئيس الجمهورية إلى الأبد؟" أو ثالثة تحت عنوان" الطائفية كمستقبل مشرق للشعوب"، أو " معايير سحق المتظاهرين على يد الجيش" أو " ضرورة التخلص من حاضنة الإرهاب الشعبية حتى لو كانت بالملايين" أو " الحفاظ على أمن إسرائيل السبيل الأوحد لتحرير القدس"‭.‬

ظهور التطرّف أبهج مثقفي الاستبداد

كانت ذريعة الحرب على الإرهاب، هي أولى الأوراق التي استعملتها الأنظمة، لا سيما وأنها عاشت طويلاً بفضل استخدامها لوصفة محاربة المتطرفين، وتلقت الدعم منقطع النظير من الولايات المتحدة والغرب، للخدمات القذرة التي أدتّها لمساعدة الأميركيين في حربهم ضد القاعدة، فاستعملت تلك الأنظمة شعوبها وأراضيها وعلاقاتها الدولية، كي ترضي سيدة العالم المتمدن في واشنطن، وكانت الصفقة واضحة (الحرب على الإرهاب مقابل الاستمرار في الحكم)‭.‬

وحين اشتعلت الأرض من تحت أقدام الانظمة المستبدة، توجّب أن ترفع بطاقة الإرهاب من جديد، ولكنها لم تفلح تماماً، فقد كان الخصم هذه المرة، آلافا من الناشطين الشباب المدنيين، من ذوي الاهتمامات البعيدة عن التطرف والقاعدة والإسلام السياسي كلّه، ولكن هذا لم يمنع الانظمة من صنع الدليل بنفسها، فبدأت بترويج الأفلام القصيرة التي تظهر متطرفين ينوون إقامة إمارة سلفية هنا، أو ينفذون غزوة هناك، ليس لإقناع جمهورهم ومثقفيهم، بقدر ما كان الهدف، تقديم إشارات براءة تعيد التذكير بالدور الوظيفي لتلك الأنظمة أمام مراكز القوى في العالم، واستمرت تلك الدوامة، في النمو، واستمر الضغط الطائفي والديني عموماً من قبل أجهزة المخابرات ومن يدعمها، بالتوازي مع وجود بيئة جاهزة مثّلها الإخوان المسلمون، كضحايا تاريخيين للنفي السياسي وأصحاب ثأر مع الأنظمة، بما يمتلكونه من تنظيم وقدرات مالية وعلاقات مختلفة في دول الإقليم، فنشأ التطرف بالضرورة، كخلاصة حسابية طبيعية لكل ذلك، ولكن هذا لم يكن كافياً لوصف الثورات بأنها كانت ثورات طائفية أو دينية متطرفة‭.‬

هذا المناخ، حتى ما قبل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، كان ملائماً تماماً لمثقفي الاستبداد، الذين أشاروا باليد الآن ، مع أثر رجعي، إلى أنهم كانوا على حق في موقفهم المضاد لثورات الشباب، وأنهم حذروا من أن التخلص من الحكّام بهذه الطريقة سيولّد الفوضى، ويؤدي إلى ظهور التطرف الديني، وفي الوقت ذاته، لم يفلح مثقفو الثورات في إيجاد كيانات ثقافية متماسكة تترجم توجه ثوراتهم، وتعلن أهدافها ومبادئها، بشكل مستمر يواكب المتغيرات، رغم ظهور محاولات بسيطة متقطعة، ولكنها لم تشكّل جبهة ثقافية كبيرة تقف في وجه الاستبداد والتطرف معاً، ولا يبرئ هذا ساحة بعض الدول التي عملت على تكريس الطابع الديني لثورات الربيع العربي، ومنع وحظر أي حضور مدني على شاشات محطاتها الفضائية، وكذلك فعلت مؤسسات المعارضة في سوريا، والتي أهملت كلياً فكرة أن يكون لها تمثيل إعلامي أو فكري في الأوساط لدعم ثورتها أمام الرأي العام العالمي والعربي وحتى المحلي، مكتفية بتغطية قنوات مثل "الجزيرة" و"العربية" وغيرها، وكذلك بالدعم الثقافي الذي تلقته كما تتلقى الدعم الإغاثي والمساعدات الطبية، وكذلك الأمر في مصر التي صعد فيها الإخوان ليتولوا حكم الدولة بعقلية المعارضة، ففشلوا في إقناع الملايين بمشروعهم الذي ظهر وكأنه غطاء من نوع آخر للتطرف الديني، ما أثار هلع كثيرين في مصر والإقليم، وليبيا التي تفككت ثورتها إلى ميليشيات متصارعة مرتبطة بصراع المحاور، والحال ذاتها في اليمن الذي خلقت المبادرة الخليجية مناخاً غير مستقر فيه، لأنها لم تقض تماماً على نظام علي عبدالله صالح ، فما لبث أن عاد على ظهور الحوثيين، وباستثناء تونس التي عبرت بصعوبة نحو الممارسة الديمقراطية ضمن الدولة المستقرة، فإن دول الربيع العربي ما زالت تعصف بها موجة القيم المتناقضة المتصارعة طيلة الوقت‭.‬

في حال انتصر الاستبداد

لا تنتهي المشكلة في حال وضعت الحروب أوزارها، وانتصر الاستبداد على معارضيه وعلى التطرف معاً، ولكن حينها ستبدأ المشكلة الثقافية التي أصبحت ذات بعد مجتمعي واسع النطاق، بعد سنوات من الصراع، فكيف سيتم الدفاع عن تلك القيم التي يجسّدها الاستبداد؟ وماهو التعبير الفني والأدبي عن موقف المستبد ومن اصطف معه؟ وكيف سيكون شكل القصائد التي ستكتب حينها في وصف قتل وتجويع وحصار الناس؟

أما انعكاس هذا على الحياة العامة، فسيكون على شكل تعميم كبير لما تم التمسك به خلال سني الحرب، وعلى رأسها الفرز الطائفي والمذهبي الذي لن يسمح للحياة بالاستمرار، كما كانت عليه من قبل، في الشارع والحارات والبيوت، وليس فقط في النوادي الأدبية والثقافية التي سيكون عليها أن تختار بين أمرين، إما أن تنقد الإشكالات التي صارت واقعية الآن، أو أن تروّج لها على أنها هي القاعدة، ولن يتوقف الأمر عند حدود ظواهر فردية مثل حالة أدونيس الذي عبّر عن منطلق طائفي صرف في مواقفه المرة تلو المرة، بل سيكون على المؤسسات الثقافية أن تتبنى خطاباً مشابهاً، يحتفل بالمحور الإيراني ـ الشيعي ورموزه، ويرجم المحور العربي السني ورموزه، ليصبح الواقع مقلوباً، فبعد أن بنى الاستبداد مجده على الاحتفال ببني أمية وخالد بن الوليد، سيكون عليه أن يحظر استخدام اسميهما، أو أن يسمح بالنيل منهما ، كما تكرر أكثر من مرة على لسان مثقفي الاستبداد الذين انهالوا بالشتيمة على خالد بن الوليد باعتباره كان (قاتلاً وليس صحابياً جليلاً)‭.‬

وليس خيالاً التفكير في شكل المناهج الدراسية في جامعات مستقبل الاستبداد، وكيف سيتم تحويرها وتنقيتها من كل ما يدفع الناس إلى الثورة والتحرر، وكل ما يشير إلى عروبة أو هوية وطنية أو رموز تشابكت في حياة الناس ووعيهم‭.‬

هل يملك الاستبداد حاملاً ثقافياً

صحيح أن بعض مثقفي أوروبا وقف مع هتلر، ولكن انهيار الأخير، كان خلاصاً لأولئك المثقفين الذين تمت محاكمتهم، بشكل أو بآخر، والغفران لهم، بسبب غياب واضمحلال النازية، القطب الذي داروا من حوله، ولكن ماذا لو استمرّ هتلر قوياً أو حتى ضعيفاً؟ كيف سيكون شكل المنتج الثقافي حينها؟ وما هو شكل الحامل الثقافي له؟ وفي عالمنا العربي طالما عبّر الاستبداد عن حاجته للحامل الثقافي، واستطاع بجدارة في بلد مثل سوريا ومصر وليبيا أن ينتج بضاعة ثقافية عاشت عقوداً، تمكنت من حمله والدفاع عنه، وتبرير وجوده رغم قبح مساره، وكان الجبهات الثقافية التي يؤسسها عريضة بما يكفي بصد أي هجوم مضاد، قبل أن يتنوّر الشارع، ويشيع لدى العوام مفهوم "الحرية"، وزاد طين الاستبداد بلة، التهجير الكبير الذي تعرّض له ملايين السكان، واحتكاكهم بالأمم، وتذوقهم للحياة في مكان آخر، مما سيصعّب إعادتهم إلى حظيرة الوطن بمفهوم الاستبداد من جديد، دون عواقب، وستكون مهمة الحامل الثقافي المتبقي، الذي تناثر بقوة وتهتك أمام فداحة دفاع الاستبداد عن وجوده، صعبة للغاية في إعادة إنتاج خطاب ثقافي فكري شبيه بما كان صالحاً في الماضي، وبعد انكشاف موقف الاستبداد من قضايا قومية عربية كبرى مثل قضية فلسطين وغيرها، لن يكون ممكناً بناء تلك الجبهة الثقافية على أنقاض القضية الفلسطينية التي انتهى شكلها السابق وإلى الأبد مع بداية الربيع العربي، ومع امتناع نظام الممانعة في دمشق وحزب المقاومة في لبنان عن إطلاق رصاصة واحدة رداً على الغارات الإسرائيلية وتكشف فضيحة لقاءات بشار الأسد بإيهود أولمرت في تركيا‭.‬

فعلى ماذا سيبني الاستبداد حامله الثقافي الجديد الذي سيكفل له الاستمرار؟ ما هي المفردات التي ستكون قطع اللوحة الثقافية التي سيبرزها الاستبداد بعد انتهاء الحرب؟ هو اليوم يعيش على مادة الحرب ذاتها، وعلى مقاومته للإرهاب والمؤامرة الكونية، ولكن بعد حين لن يجد صفيحاً صلباً يستند إليه ثقافياً وفكرياً وإعلامياً، مهما ابتكرت بقية العقول المحيطة به، والتي لم يكن لديها أساساً مشروع خلاق في ما مضى أكثر من براعة التأقلم مع الاستبداد ذاته والاستفادة من بنيته.


كاتب من سوريا مقيم في ألمانيا