الداعش‭ ‬والدامس: أهو‭ ‬ربيع‭ ‬لا‭ ‬تينع‭ ‬فيه‭ ‬غير‭ ‬الرؤوس‭

بين داعش ودامس: تكاد لغة الضاد أن تنفجر هي الأخرى من فرط اختناقها بهكذا وحوش لغوية، إذ كيف تتّسع لغة القصائد التي احتضنت مجنون ليلى وكثير عزّة وعمر بن أبي ربيعة وابن زيدون، أن تحتضن بين أحشائها الدواعش والدوامس كما الزواحف القاتلة؟ كم سنظلّ نتأرجح بين 'البين' و'البين' دون أن نتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

الجديد  أم الزين بن شيخة المسكيني [نُشر في 21/08/2015، العدد: 1، ص(44)]

الفنان: عبدالباسط الخاتم
هل سقط العقل في ديارنا في وكوكوة حضارية طالت به لأنّه لا يملك لأمراضه الترياق المناسب؟ جُرحنا، حلُمنا، فثُرنا‭.‬ قُتِل من قُتِل، لكنّ الناجين لم يجدوا بعدُ طريقهم إلى الحياة‭.‬ لا نحن وصلنا ولا نحن أدركنا الطريق‭.‬ هل جئنا إلى "هنا" قبل الأوان؟ أم أنّ أواننا الذي خلنا أنّا صنعناه بدماء أبنائنا، قد سُرق منّا ونحن على ذلك شاهدون؟ من ينقصه الطريق لا يعرف كيف يمشي‭.‬ أم ليس ثمّة طريق إلاّ ونحن صانعوه بخطى من عبروا بأرواحهم، بحرائقهم، بسخطهم، بأوجاعهم من "هنا"، من هذا التاريخ المكتظّ بالضحايا‭.‬

وأيُّ ربيع هذا الذي لا تينع فيه غير الرؤوس، رؤوس البشر وقد صاروا إلى أقلّ من بشر، فترى الجزّارين المحترفين والمدرّبين في مخابر عالية المستوى يتسابقون نحو حلبة سفك الدماء، تلك الحلبة صار لها اسم جديد هو "الشعوب العربية "‭.‬ نحن في ضرب من الطقس الوثني: دواعش ودوامس وذبح للبشر وتكبير باسم الدماء‭.‬ هل صار البشر في ديارنا أو ما تبقى من ديارنا – قرابين لآلهة جبّارين؟ أم لا شيء يكبر في ديارنا غير أوهامنا وتعاويذنا وعدد القتلى؟

وفي الجهة الناعمة من المسرح ضجيج ديمقراطي ولغط إعلامي وأعراس كرتونية تنادي بكلّ طاقة الأبواق، التي لا تصل أصواتها إلى الفقراء، أن هُبّوا، هذا هو العرس الديمقراطي، سنكثر من الصناديق، وستقفون ثانية في الطوابير، وسيأتيكم رؤساء جُدد، وبازار من الدساتير‭.‬ أبشروا، أيّها الحداثيون والتقدميون والحقوقيون، فلازال ثمّة انسان في ديارنا‭.‬

أرض الفضيحة

هيجل قال ذات يوم "هنا الوردة، وهنا نرقص"‭.‬ هل تحوّل اسم الوردة في أراضينا إلى مجاز للرقص على عتبات القبور؟ ما مصير الديمقراطية في ربيع عربي لا يحمل اسمه جيّدا لأنّه قد استلف هذا الاسم من خارج بيته الحميم، و هو لا يحمل اسمه لأنّه لم يولد في الربيع بل وُلد في شتاء قارس صعب التضاريس‭.‬

لا أحد بوسعه، اليوم، وهو مورّط إلى حدّ الفضيحة بكل ما يحدث لنا في البلاد العربية، أن يدّعي إمكانية فهم هذا الذي يحدث، لأنه لا زال بصدد الوقوع علينا كما اللعنة أو المصيبة أو المؤامرة‭.‬ فما وقع لنا وعلينا لم يحدث فقط كما تقع بقية الأحداث التي تمرّ هكذا في صمت، واعتباطا ومجانا، بل هو وجع، وهو جرح، وهو اغتيال وقتل لحيوات حميمة فينا ولمشاعر وأحلام وآمال تبخّرت‭.‬

من يُقتل اليوم في مناطق الربيع العربي لا يُقتل وحده ولا يُقتل وحيداً، بل تُقتل معه كلّ الرمزية العربية، كل المجازات والاستعارات والروايات والتأويلات‭.‬ كل القصائد تتألّم وتموت في اليوم ألف مرّة حين يقتل أطفالنا وتغتصب النساء في ديارنا وتصير شعوبنا إلى شعوب لاجئة، بلا وطن، بلا ربّ يحميها، بلا رغيف يحضن جوعها‭.‬ ذاك هو الربيع العربي، فأين يقع هذا الربيع تحديدا، في أيّ منطقة ميتافيزيقية من أنفسنا الباطنة، التي نسينا أين ألقينا بأغانيها وأشجانها وأوجاعها العميقة‭.‬

التشاؤم الخلاق

بعيداً عن الثنائي العقيم الذي ورثناه من المشاعر الباردة "التشاؤم والتفاؤل"، فإنّنا نحتاج، اليوم، إلى كمّية كافية من التشاؤم الخلاّق، من الغضب من أنفسنا، من حزن الخنساء التي لم تنزع عنها سواد الجاهلية الأولى‭.‬ إن كل من لا يزال يعتقد أنّ المثقّف مطالب بزرع التفاؤل والأمل في نصوصه إنما ينتمي إلى شكل رخو من سياسة الحقيقة‭.‬

نيتشه قال ذات مرّة على لسان زرادشت: "غير عابئين، مستهزئين، جبّارين، هكذا تريدنا الحكمة أن نكون: فهي امرأة وهي لا تحبّ على الدوام إلاّ رجلا مقاتلا "‭.‬ لكنّ أي حكمة في زمن الارهاب؟ وأي امرأة قادرة على الوقوف في وجه من يعتبرها قاصرا لا تصلح لغير الوأد أو النكاح؟

أين يولد الإرهاب؟ في أيّ مخبر جيوسياسي؟ وهل ثمّة ديمقراطية قادرة على مواجهة الإرهاب؟ أم أنّ الارهاب هو سلعة ديمقراطية أيضا؟

يُقال إن الديمقراطية هي لعبة من ألاعيب الغرب الذي يتسلى بدمائنا كما يحلو له، كما لو كنّا شعوبا قُصّرا، إلى متى سنظلّ نلقي بهزائمنا على أميركا والغرب؟ ويقال أيضا إن الإرهاب ينبع من الدين الاسلامي، تحديداً، وإنه علينا إعادة مراجعة علاقتنا وتأويلنا للإسلام بصنع إسلام على قياس مصالح الغرب الحيوية‭.‬ فإلى متى سنبقى نرضي الآخر كما لو كنّا متسوّلين نقتات على موائد ربّ أعمالنا الكبير أي أميركا؟

الفنان: يوسف عبدلكي

ما هو الإرهاب؟

هذا السؤال ليس من الأسئلة الملقاة على قارعة المعاني الهادئة المطمئنّة إلى مراجعها، إنه سؤال انتحاري مزوّد بقنابل تدميرية قاتلة‭.‬ وللقتل مراجعه الخاصّة‭.‬ وللدمار أيضا أوانه الخاصّ‭.‬ لهذا السؤال، إذن، تاريخ دقيق‭.‬ إنه وُلد تحديدا على أنقاض برجي التجارة العالمية في أميركا‭.‬ وُلد السؤال من بين الركام: ركام الحضارة الغربية المتقدّمة وهي في قمّة سطوتها على العالم‭.‬ وخاصّة على العالم العربي والاسلامي‭.‬ ركام العولمة التي لا مكان فيها إلاّ للسلع‭.‬ كل شيء وقع تتفيهه وابتذاله، كل شيء صار يُباع ويُشترى، كل الشعوب المهزومة تمرّ هزائمها عبر مركز التجارة العالمية، حتى هزائمنا باتت سلعة تصلح لزيادة ثراء وهيمنة لاهوت التقدّم الحداثي‭.‬ هذا هو ما فهمه الإسلامي الأصولي الذي صار اسمه الإرهابي بإطلاق، الذي ينتمي إلى "محور الشرّ" وعلى المجتمع الدولي برئاسة أميركا أن تشنّ حربا عليه‭.‬ فهل إن ما يحدث لنا اليوم في حديقة الربيع العربي المصابة بهشاشة تربتها وضعف المناعة فيها هو "حرب على الارهاب"؟

التبشير بالحداثة

ثمّة من يعتبر أن الثورات العربية نفسها ما هي سوى خطّة من خطط أميركا في حربها على الإرهاب‭.‬ هل يعني هذا أن ثورات برمّتها هي مجرّد إشاعة أو وهم أو خدعة‭.‬ هل صارت دماء أبنائنا الذين سقطوا في شوارع تونس ومصر وليبيا وسوريا مجرد كذبة؟

لا أحد بوسعه أن يقدّر مدى مكر الأجندات المافيوزية العالمية‭.‬ لكن لا أحد يحق له أن يختزل أحلام ودماء وأوجاع شعوب برمّتها في مجرّد خطّة سياسية، فأحلام البشر وآلامهم أكبر من مكر السماسرة والوكلاء العقاريين، خدم الإمبريالية العالمية وحشمها‭.‬

في تعريفه للإرهاب يزعزع دريدا كل عادات السؤال التقليدي الذي يبدو، دوماً، مطمئنا إلى إجاباته الجاهزة قائلا: "اذا كنّا لا نريد ألاّ نثق ثقة عمياء باللغة السائدة، التي تظلّ خاضعة لخطابات وسائل الاعلام أو لإيحاءات السلطة السياسية المسيطرة، فيجب علينا أن نكون حذرين جدّا عندما نستخدم كلمات "الارهاب"، و"الارهاب الدولي "‭.‬ فما هو الإرهاب أوّلا؟ ما الذي يميّزه من الخوف، من القلق أو من الهلع؟"‭.‬

نحن في ما هو أبعد من الخوف والهلع‭.‬ لأن هذه الحالات التي حدّثنا عنها التقليد الفلسفي الكلاسيكي منذ هوبز هي حالات نفسية لا تصيب جماعة بشرية ما إلاّ في حالة الطبيعة، بما هي، فقط، حالة افتراضية إجرائية لتفسير أصل الدولة، في حين نحن اليوم في حالة المدينة المشطّة في مدنيّتها إلى حدّ الإرهاب‭.‬ وفي هذا السياق يسجّل دريدا تحالفا عجيبا يسجّله بين الحداثة والأصوليات، بين العقل الحديث وعودة الديني‭.‬ وربّما يصحّ القول إن ما يسمّى بالعلمنة الجذرية ليس سوى نوع "من تمسيح العالم" اتّخذ "شكلا سعيدا من التبشير بالحداثة "

الملجأ الأخير

إن الإرهاب ردّة فعل عنيفة على عملية التحديث العنيف التي عاشها العالم العربي في ظلّ النسق السريع للعولمة الغربية‭.‬ هكذا اتفق أغلب المفكّرين الذين عالجوا هذه الظاهرة ومن بينهم خاصة دريدا وهابرماس اللذان أعادا الإرهاب إلى صانعيه، أي العولمة الغربية نفسها، وذلك رغم اختلاف الصياغة والمنطلقات والاستراتيجيات الفلسفية لدى كل منهما‭.‬ يقول هابرماس عن الإرهاب بأنه "ردّة الفعل الدفاعية على الخوف من الاقتلاع العنيف من أنماط الحياة التقليدية‭.‬

ويمكن لنا أن نفهم ردّ الفعل الدفاعي الذي يتغذى من المصادر الروحية التي تقوم، ضدّ قوى العلمنة الغربية، بإثارة الكامن الروحي، الذي يبدو إنه لا يمتلك وجوداً فعلياً الآن في حياة الغرب‭.‬ لا يواجه الغرب المادي الثقافات الأخرى، الاّ عبر ثقافة الاستهلاك الاستفزازية المتفّهة لكل شيء‭.‬ ومن ثمّ فإن اهتمامه بحقوق الإنسإن، لا يعني، في الحقيقة، إلاّ حرصه على فتح أسواق حرّة جديدة‭..‬"

هذا الكلام نجده أيضا لدى دريدا لكن في صياغة مغايرة، حيث نقرأ تحت قلمه ما يلي: " كلّ إرهاب يقدّم نفسه على أنه ردّ، في حالة متزايدة‭.‬ وبكلام آخر "إن لجوئي إلى الإرهاب هو الملجأ الأخير، لأن الآخر هو أكثر إرهابا منّي، إنني أدافع عن نفسي أو أقوم بهجوم مضادّ‭.‬ إن الارهاب الحقيقي والأسوأ هو الذي يقوم بتجريدي من أيّ وسيلة أخرى، قبل أن يقدّم نفسه هو المعتدي الأوّل بوصفه ضحيّة"‭.‬ هكذا تُتّهم الولايات المتّحدة وإسرائيل والقوى الاستعمارية والبلدإن الغنية، والسلطات ذات الأشكال الإمبريالية بممارسة إرهاب الدولة، وبكونها "أكثر إرهابا "من الإرهابيين الذين يزعمون أنهم ضحايا‭..‬"

إرهابات لا إرهاب

يتعلّق الأمر بما يسمّيه دريدا "المناعة الذاتية"، حيث يبدو الإرهاب فعلاً مناعياً ذاتياً يدافع به الإرهابي عن وجوده، معبّراً عن حالة هشاشة قصوى وتهميش وإهانة حضارية لم تعد تُحتمل‭.‬ حيث يصدر الإرهاب عن رعب داخلي إزاء هشاشة من تهديد الآخر لوجودي‭.‬ يقول دريدا: "إن أكثر المصادر تماسكا للرعب المطلق الذي يجد نفسه الأكثر عزلة أمام التهديد الأسوأ، ربّما يكون ذاك الرعب الذي يصدر من "الداخل"،عن تلك المنطقة حيث يسكن "الخارج" الأسوأ معي أو "عندي"‭.‬ إن هشاشتي هي بالتعريف والبنية والحالة بلا حدود إذاً‭.‬ من هنا يكون الرعب‭..‬"

ليس ثمّة إرهاب واحد، ولا منطقة واحدة يولد فيها الإرهاب‭.‬ والإرهاب لا يطلق فقط على الإسلاميين‭.‬ إن الإرهاب يطلق، أيضاً، على كل سياسات التهميش والظلم والتفاوت الاقتصادي والحضاري والحيوي‭.‬ تلك هي النتيجة النظرية التي تخرج بها حينما تطّلع على ما كتب حول إرهاب أحداث 11 سبتمبر 2001‭.‬

لكنّ هابرماس في تشخيصه للإرهاب كان مدنيّاً أكثر من اللازم، همّه هووي غربي، تماماً، لأنه يجهد نفسه كي ينقد ما تبقى من الحداثة الغربية‭.‬ أمّا دريدا فيبدو رومانسيا أكثر من اللازم‭.‬ يبحث عن أرض في الخطاب لشعب لا أرض له في الحياة‭.‬ الأوّل، هابرماس، يداعب الغرب ويستصلح ديمقراطيته الليبيرالية، وثإنيهما أي دريدا، يلاعب اللغة ويناور على مكرها ودلالها‭.‬

التجارة بالله والبشر

لكنّنا، اليوم، في العالم العربي، وقد عاد "الإرهابيون إلى أراضيهم"، نعيش نمطاً آخر من الإرهاب، ليس ذاك الذي فكّر فيه دريدا وهابرماس أو بودريار وغيرهم‭.‬ لقد غيّر الإرهاب من خطّته ومن عنوانه ومن ضحاياه: هذا الإرهاب لا يُختزل في تفجير مواقع العولمة الغربية التي مارست عنفاً رمزياً وحضارياً على الثقافة التقليدية للإسلاميين، بل هو إرهاب يسطو على الثورات العربية، ويريد تحويل الشعوب إلى رعاع، والدولة إلى خلافة، والمرأة إلى جارية، والمدن إلى حطام، والبشر إلى جثث ورؤوس متناثرة هنا وهناك‭.‬ شعوب تأكل أبنائها، وأبناء يدمّرون مدن آبائهم، وعصابات ما بعد حديثة لا إنسإنية للتجارة بشعوبها: هذا هو الارهاب الجديد الذي حوّل الله وعباده إلى مكنة للتجارة بالسلاح والأرواح‭.‬

إن الارهاب الذي تعيشه اليوم شعوبنا في سوريا، أو ليبيا، أو العراق، أو تونس، هو إرهاب من نوع خاصّ جدّا: لا يقتصر على تفجير سريع لا يظهر مصمّموه إلاّ على الشاشات الافتراضية، بل صار الإرهابيون يتجوّلون في قلب العواصم العربية على ظهور الدبّابات في شكل من الغزو البربري والوقاحة اللاهوتية والعراء التشكيلي والصفاقة الكلبية‭.‬ فتراهم يقتّلون ويذبّحون قُرى بأكملها وعائلات وعشائر ينثرون الرعب والخراب حيثما حلّوا‭.‬ ما دخلوا مدينة الاّ وصارت رُكاما‭.‬ وفي كل هذه الحكاية يبدو الإسلام بُرقعا تختفي تحت لوائه شبكات لتجارة الأسلحة والمخدّرات وأشكال أخرى من الجرائم في حقّ البشرية‭.‬

إن ما يحدث اليوم للشعوب العربية تحت راية الإرهاب يستوجب تغيير استراتيجيّة الحقيقة في خطابنا‭.‬ يبدو أن معجمنا السياسي الكلاسيكي لم يعد قادرا على معالجة هذا الشكل من البربرية التي سقط فيها العالم الاسلامي خاصة والعالم برمّته، طالما لازلنا نسمح لأنفسنا بالحديث عن عالم‭.‬ لإنه يبدو أن لم يعد ثمّة عالم‭.‬ ولم يعد ثمّة مستقبل في انتظارنا‭.‬ ما تبقى لنا هو أن نواصل الحلم والنضال اليومي من أجل الحياة‭.‬

سؤال المستقبل

هل ثمّة مستقبل للإرهاب؟ أم أن الإرهاب لا يملك غير الماضي الذي نعتقد أنه يأتينا منه‭.‬ وماذا لو ثبت أن الإرهاب لا يأتينا من الماضي، إنما هو مقبل علينا من المستقبل أي من "مستقبل يأتي على نحو جذري، بحيث يقاوم حتى قواعد المستقبل المقدّم"‭.‬ والأخطر هو أن كل "حرب على الإرهاب تعمل على إعادة توليد الشرّ الذي تدّعي استئصاله "‭.‬

ماهو العمل اذن؟ "خطوتان إلى الوراء، خطوة إلى الأمام"؟ وماذا لو كنّا نسكن شكلا هندسيا غير الخطّ المستقيم الذي نعتقد أنه الطريق؟ يبدو أننا في دائرة مربّعة تستوي فيها كل الجهات‭.‬ بعض الأصوات من أصحاب النوايا الحسنة تنادينا "أن تمسّكوا بالديمقراطية كشكل وحيد لمقاومة الإرهاب"‭.‬ لكن أي شكل من الديمقراطية؟ الديمقراطية الليبيرالية، أي ديمقراطية السلع التي حوّلت البشر إلى انفعالات استهلاكية؟ ربّما علينا أن نستفيد من كل النقد الذي أنجزه المفكّرون المعاصرون للديمقراطية الغربية التي حوّلتها أميركا إلى سلاح مضادّ للشعوب العربية، تسوّقها على أراضيهم على ظهور الدبّابات‭.‬ نحتاج إلى شكل مغاير من الديمقراطية، كمطلب نضالي حيوي من أجل عالم مشترك في ما تبقى لنا نحن المحاصرون بالهلاك من كل صوب، من النهارات القليلة التي اسمها الحياة في عالم "لم تعد فيه الحياة تحيا" (وفق عبارة كارثية لثيودور أدرنو).


كاتبة وأكاديمية من تونس

مقالات أخرى للكاتب:

  • صخب‭ ‬المؤنث‬