أن‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬المنفى

من دفتر يوميات

الجديد  أزراج عمر [نُشر في 18/08/2015، العدد: 1، ص(66)]

الفضاء الممكن

لم تمض على مغادرتي لبلادي الجزائري إلى بلاد الإنكليز سوى مدة شهر واحد حتى بدأت أشعر أن رحيلي عنها ليست لعبة سياحية، أو نوعا من الغياب المؤقت لمدة أسابيع معدودة أو لسنة واحدة فقط‭.‬ لقد أحسست بالألم يجتاحني من كل حدب وصوب حتى نفذ إلى قلبي اليتيم‭.‬

بالفعل فقد جرَبت في حياتي أنواعا كثيرة من لسعات الغياب الدائم، وصرت أكتب الشعر لكي أسترجع كل ما أخذه مني ذلك الغياب المتكرر والعنيف، وبذلك أصبحت أؤمن أن مهمة الشاعر هي مقاومة الغياب بما في ذلك غروب الشمس في فصول الشتاء بقريتنا الباردة بسفح جبل "لا لاّ خديجة"‭.‬ لقد غاب عني كثير من الناس ولم يعودوا إليّ أبدا، منهم أقرباء استشهدوا أمامي في الحرب الوطنية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي‭.‬ لقد غاب أخي إسماعيل وهو في ريعان شبابه حيث ذهب إلى المهجر الفرنسي للعمل هناك ولم يعد إلاّ قطعا ممزقة بقوة الحديد الذي سقط على جسده جراء حادث مروع حدث له في معمل "رونو" الباريسي للسيارات‭.‬

أذكر أننا في الليلة التي غادر فيها إلى المهجر الفرنسي قد وضعنا الملعقة الخشبية التي كان يأكل بها دائما في مكانها في صحن الكسكسي التقليدي ومن ثمة صعدت إلى أعلى شجرة الزيتون بحقلنا ورحت أناديه لكي يعود ليتعشى معنا، فرددت مرتفعات الجبال والروابي المحاذية لبيتنا ولحقلنا صوتي: "تعال أخي إسماعيل وعد إلينا لكي تتعشى معنا…"، وفي تلك اللحظات انهمرت الدموع من عيني ومن عيون إخواني وأخواتي ووالدي، وشعرنا بالآلام تخنقنا، ولكن الأصداء لم تعده إلينا سوى جثة هامدة‭.‬

كانت هذه الطقوس هي طقوس قريتنا في توديع العمال المغتربين إلى فرنسا الذين قد يعودون أحيانا وقد تغريهم ديار الغربة فيختفون لسنين طويلة وحين يشيخون تقذف بهم الأيام إلى الأهل، وقد يعودون موتى أو يدفنون هناك‭.‬ نعم، لقد صرت أحدّث نفسي كلما انعزلت وحيدا وأقول لها وكأنني أحدّث شخصا أنجبته بنفسي وبصيغة المثنى: "رحلتنا في بلاد الضباب هذه ستكون طويلة"‭.‬

في مثل هذه اللحظات رحت أستعيد كتابات كثيرة قرأتها عن الهجرة والمنافي، منها ما كتبه سوفوكليس في مسرحيته "المتضرعات" عن

النساء المصريات الهاربات من مصر من العسف إلى بلاد اليونان‭.‬ تذكرت أيضا أن المفكرة البلغارية الأصل والفرنسية الجنسية والإقامة جوليا كريستيفا كتبت مرّة قائلة بأن "عصرنا الحاضر هو نوع من المنفى"، ثم استطردت متسائلة: "كيف يستطيع الفرد تجنّب الغرق في وحل الحسّ المشترك، إن لم يكن ذلك بأن يصبح غريبا أمام وطنه، ولغته، وجنسه وهويته؟"‭.‬ إن هذه المفكّرة البلغارية التي جرّبت عمليا مرارة الغربة في باريس/فرنسا جراء رحيلها عن وطنها وعن العقيدة السياسية التي لم تكن تريدها ولكنها كانت تتربص بها في كل مكان، تعتبر المنفى شكلا من أشكال الانشقاق الذي يعني في الحقيقة وفي العمق: "سلخ الفرد لنفسه عن العائلة، وعن البلد أو عن اللغة"‭.‬

ولكي يتم قهر صقيع هذا المنفى لا بدّ إذن للمناضل أو للأديب أو للشاعر أو للفنان من أن يخلق لنفسه، في الأرض التي يسقط فيها فجأة، فكرة بديلة يعيش من أجلها وتكون بمثابة وطنه الجديد حيث يفتقد بحسرة وطنه الأصلي الذي قد لا يعود إليه أبدا‭.‬ إنه صحيح أن المنفى بالنسبة إلى المنفي "يقطع كل الصلات بما في ذلك تلك التي تربطه بالمعتقد الذي يجعلنا نعتقد أنّ الشيء الذي يدعى الحياة له معنى يضمنه الوالد الميّت‭.‬ إذا كان المعنى يوجد في حالة المنفى فإنه رغم ذلك لا يجد تجسيدا، وأنه ينتج دون توقف ويحطم في التحولات الجغرافية والخطابية" كما تضيف كريستيفا التي تبرز مجددا أن "المنفى هو طريقة للبقاء حيّا في وجه الوالد الميّت، وأنه المقامرة مع الحياة التي تعطي معنى لها، وهو الرفض بعناد الاستسلام لقانون الموت"‭.‬ لا شك أن المنفى ليس ابن الجغرافيا فقط بل إنه قد يكون نتاجا للاغتراب الفكري أو النفسي أو الروحي أو المادي في الوطن نفسه، وتعد هذه الأشكال المتنوعة من المنافي أكثر قسوة على الروح‭.‬ ودون أدنى ريب فإن كلاّ من ليون غرينبورغ وروبيكا غرينبورغ على حق في قولهما بأنّ "المهاجر بحاجة إلى "المكان الممكن" الذي يخدمه كـ"مكان انتقالي" وكـ"زمان انتقالي" من أدوات بلده الأم إلى العالم الخارجي: المكان الممكن الذي يحوي إمكانية تحويل الهجرة إلى لعبة معيشة بكل جدية، وإذا انعدم وجود هذا المكان، يحدث التصدع في علاقة الاستمرارية بين المحيط والذات"‭.‬

حقا، تلك هي الصعوبة التي تقف أمامنا بحدة، إنها مأساة انقطاع حوار الذات مع جوارها، وفي هذا السياق فإن انعدام هذا المكان الممكن الذي وصفه المفكر والمحلل النفسي البريطاني دونالد وينيكوط في سياق حديثه عن المشكلات التي تنشأ عن النمو غير السوي للطفل يمكن نقله لوصف حياة المغترب‭.‬ إن انعدام هذا الفضاء الممكن أمر يجعل المنفيّ في مهجره يفقد الصلة مع العقلانية، كما يفقد الطفل الصغير المحروم من أدوات اللعب إمكانية " تشكيل الرموز″ كما يستنتج أيضا كل من ليون وروبيكا غرينبورغ في رصدهما النظري والعيادي للمشكلات النفسية والوجودية التي تنشأ عن الهجرات بكل أنماطها في العصر الحديث‭.‬

في الأسابيع الأولى من بداية حياتي كمهاجر ببريطانيا أدركت على ضوء ما قرأته للمفكرة البلغارية المذكورة آنفا أن "الكتابة مستحيلة دون بعض نوع من المنفى"‭.‬ ماذا يعني هذا بالضبط؟ إنه يعني في رأيي أن الكتابة الإبداعية في حاجة ماسة ودائما إلى مسافة مع تقاليد الكتابة الموروثة لكي يسهل إدراكها كما هي وبعيدا عن عادة الإغلاق عليها في صناديق عواطفنا التي تلتصق بها غالبا، وتجعلنا بالتالي وجراء ذلك الالتصاق لا نراها، بل تجعلنا نعيد إنتاجها وتكرارها بشكل نمطي ودون وعي منّا‭.‬ إنه دون حدوث انفصال العادات القديمة عن عواطف البشر فإن تجديد أو إبداع العادات الأكثر إنسانية وتطورا وديمقراطية يبطل، وفضلا عن ذلك فإنه من المستبعد جدا أن تحدث لحظة تجاوز تلك التقاليد وإحلال محلها لطرق جديدة في الرؤية وفي تشكيل العالم كما نريد وليس كما وجدناه من قبل‭.‬ كما أدركت أيضا أن الانخراط في الكتابة النقدية المؤسسة على النضج الإنساني يمثّل بطريقة ما هذا "المكان الممكن" الذي يولّد الإحساس بأنني على صلة بالعالم، وبأنني لست مغتربا بالمطلق عنه، وأنني لست وحدي فيه، وأنني أوجد خارج أقفاص الأنا-وحدية التي تغلق الحدود بين الذات والذوات الأخرى في حركة الحياة المتعرجة‭.‬ حقا إن هذا المكان/الفضاء الممكن يوفر لنا كما يؤكد عالم النفس الإنكليزي دونالد وينيكوط "المنطقة غير المتناهية للتجربة التي توجد بين الوهم والحقيقة"، وهي المنطقة التي نكتسب فيها حظنا من هذه الحياة بحلوها ومرّها وبعيدا عن الامتثال وشتى أشكال الخيانة‭.‬

صراع الهويات

عندما ينفصل المرء عن الجغرافيا التي عاش فيها طفولته وشبابه ويدخل في جغرافيا جديدة لم تكن له دراية مسبقة بها، فإنه سرعان ما يدرك أن هذا الانفصال هو في الأغلب انفصالٌ فيزيائي وليس روحيا لأنه سيبقى يحمل معه الثقافة التي دمغت تلك الجغرافيا التي غادرها شخصيته بها‭.‬

لقد تأكدت من هذه الحقيقة عندما صدرت عدة طبعات متتالية لرواية "جذور: قصة عائلة أميركية" للروائي الأميركي الجنسية والأفريقي التاريخ والأصول ألكس هالي في عام 1976م، لم أطّلع من قبل على هذه الرواية إلاّ عندما أصبحت أعيش في لندن، حيث قرأت هناك عنها الكثير من المراجعات والدراسات التي تقدمها على أنها تحفر عميقا في تاريخ عائلة هذا الروائي المنحدرة من أفريقيا والتي تم اختطافها في عام 1767م من قبل الأوروبيين، ونقلت إلى ولاية مريلاند الأميركية وبيعت هناك في سوق العبيد‭.‬

عن هذه الرواية نال ألكس هالي جائزة بولتزر الشهيرة وبفضل ذلك ترجمت إلى ما يربو عن37 لغة أجنبية‭.‬ ويقال عن هذه الرواية إنها قد تمكّنت عن طريق السرد الفني لتاريخ الاستعباد، وللحقائق المتصلة بتاريخ العبيد في الفضاءات الأوروبية/الغربية ليس من "تقصي تاريخ جذوره" فقط، وإنما قد نجحت من الكشف عن "قصة 39 مليونا من الأميركيين ذوي النسب الأفريقي" في ذلك الوقت، وفضلا عن ذلك فقد أبرزت هذه الرواية للأميركيين الأفارقة على نحو شديد الدرامية تراثهم الثقافي الغني المسروق منهم وما تبقى منه من بقايا تخاطب كل الأعراق حيثما توجد"‭.‬

ومن بين أروع ما كُتب عن هذه الرواية هناك جملة مختصرة ودالة تقول حرفيا بأنها قد "غيّرت" أميركا، وفي الحقيقة فإن هذه الرواية قد تحوّلت، بفضل الدراسات الثقافية والإثنية، في الجامعات الأنغلوفونية بالدرجة الأولى، إلى شهادة إبداعية تدين الاستعباد وتنزع الغطاء عن دراما التاريخ الأفريقي الحزين والمؤلم جراء بطش، وتشريد، وتحقير الإنسان الأوروبي/الغربي الأبيض للشعوب الأفريقية وغيرها، وأكثر من ذلك فإن رواية "جذور" قد أيقظت مختلف الإثنيات المهاجرة في أستراليا، ونيوزيلندا، وغيرهما من البلدان وشرعت تبحث وتسأل عن جذور هوياتها وتزيح النقاب عن الانكسارات التي تعرضت لها عبر مسار التاريخ البشري‭.‬

* في الواقع فإن ما يدعى بالحضارة الأوروبية "الحضارة الغربية" التي تشكلت خلال قرنين من الحكم البورجوازي، غير قادرة أن تحل مشكلتين اثنتين صنعهما وجودها: مشكلة البروليتاريا، والمشكلة الاستعمارية‭.‬

وبالفعل فإن هذا البحث عن الجذور لم يكن مجرد نزهة أركيولوجية محايدة، أو درسا يهدف إلى التأكد من صحة المعلومات الجغرافية، وإلى نبش الأرشيف القديم عن الأسماء العائلية الأفريقية التي تعرضت للمصادرة والتغييب، والطمس، والحذف، والإنكار، والتهميش، بل إن رواية ألكس هالي قد أسالت الكثير من الدموع، وعصرت القلوب، وأيقظت الحس التاريخي لدى المهاجرين، والمقتلَعين من بيئاتهم الأولى إلى الأبد، ولعبت دورا مهما في توفير جزء من الأرضية الخصبة لبناء معمار النظرية القائلة بأن الهويات الثقافية هي من صنع التاريخ بكل تعرجاته، وآلامه، وضحاياه، وأنها ليست ثابتة أو معطاة قبليا‭.‬

في تلك المرحلة من حياتي انطلقتُ في اقتناء المؤلفات التي تروي قصص العبيد السود في أوروبا وأميركا، وهكذا انغمست عدة سنوات في قراءة هذا الأرشيف الإبداعي والتاريخي‭.‬

من بين الكتب المهمة التي اشتريتها وقرأتها حرفا حرفا أذكر هنا كتاب "اليعاقبة السود: توسنت لوفيرتور وثورة سان دومنغو" للكاتب والصحافي الشهير في بريطانيا سير كارل جيمس الذي هو من ترينيداد الواقعة على ضفاف بحر الكاريبي والمولود في عام 1901م والمتوفى في عام 1989م، وكتاب "العاج الأسود: تاريخ الاستعباد البريطاني" لجيمس وولن الذي يروي تاريخ 11 مليون رجل أسود أفريقي وامرأة سوداء أفريقية فُصلوا عن أبنائهم وبناتهم، وذويهم وجيرانهم ثم نُقلوا بالقوة من عمق أفريقيا على السفن البريطانية إلى أميركا لبيعهم هناك‭.‬ يذكر هذا الكتاب، بالحجة والوثائق، أن عدة ملايين من هؤلاء الأفارقة ماتوا في الطريق بسبب الضرب العنيف، ودوار البحر، وحرارة الشمس المرتفعة جدا، كما يذكر أيضا أن النساء الأفريقيات المحمولات في تلك السفن كنّ يربطن بالسلاسل إلى أوتاد حديدية غليظة وتقيّد أيديهن، وكثيرا ما تعرضن للاغتصاب الجنسي أمام أزواجهن المقيدين طوال الرحلة، وفي المعتقلات التي حُشرن فيها في جزر الكاريبي وفي الأراضي الأميركية، الشيء الذي أنتج ذرية من أنواع وأشكال وألوان كثيرة منها على سبيل المثال المولوطو، أو الخلاسي ذي البشرة السوداء والعينين الزرقاوين أو الخضراوين وهلمّ جرّا، من كتابه "اليعاقبة السود" تعلمت أن سود هيتي، بقيادة توسنت لوفيرتور الذي وُلد عبدا، قاموا بثورة عظيمة ضد مستعبديهم واستعملوا تقنيات كثيرة لكسر القيود لنيل حريتهم، منها وضع السم في منابع المياه التي تتدفق في منازل البيض المستعبدين، وأدى ذلك إلى تحطيم غطرستهم الاستعمارية، وإلى هدم تراث الظلم الغاشم‭.‬ خلال شهور قليلة أصبحت مكتبتي مملوءة بكتب التاريخ، والروايات، والشعر، والقصص، والأغاني والموسيقى التي تحكي جزءا مهمّا من تاريخ الاستعباد والاستعمار الغربي‭.‬ في تلك الأيام، وأنا أنتقل من كتاب إلى آخر،حدث أن دعاني وزيرُ الثقافة المغربي محمد بن عيسى مؤسس وراعي أيام مدينة أصيلة الثقافية والفنية للمشاركة في ندوة أدبية، وفي يوم السفر إلى المغرب التقيت بمطار هيثرو بصديقي الكاتب والروائي السوداني الطيّب صالح صاحب الرواية-التحفة "موسم إلى الهجرة إلى الشمال"، وعرفت منه أنه مدعو أيضا إلى تلك الندوة‭.‬

إلى مدينة أصيلة حضر عدد كبير من كتاب وأدباء وفناني العالم منهم الأفارقة والعرب والأجانب الأوروبيون، وفي الندوة الأدبية التي شارك الجميع فيها تعرض النقاش على مدى ساعات لمشكلات أدب وثقافات العالم الثالث منها آداب وثقافات شعوب الكاريبي والمهاجرين، والأقليات السوداء في أوربا/الغرب‭.‬ بعد الندوة مباشرة جاءتني صحافية من أصل جزائري تشتغل في إذاعة (إ‭.‬ ري‭.‬ في) الفرنسية وطلبت مني أن تجري حوارا معي باللغة الفرنسية وأعلمتها أن فرنسيتي تسير على ساق واحدة، ورغم ذلك أصرّت، ودخلنا المعمعة لمدة ساعة، وأخيرا خرجنا منها سالمين‭.‬

عند عودتها إلى باريس كلمتني وحدّدت لي تاريخ وساعة إذاعة الحوار الذي جرى بيننا وكان أغلبه عن تجربتي الشعرية في المهجر البريطاني، وعن الشاعر الجزائري/الأمازيغي سي أمحند أو محند، بعد إذاعتها بأسبوع رنّ هاتفي بشقتي فإذا بالمتكلم هو الشاعر والسياسي المارتينيكي الشهير وأستاذ المفكر فرانز فانون إيمي سيزير صاحب الديوان الرائع "العودة إلى أرض الوطن"، وكتاب "خطاب حول الاستعمار"‭.‬ في تلك اللحظات شعرت بالسعادة تملأ بيادر حياتي، وخاصة عندما حدثني بلغته الفرنسية الموغلة في سماوات الشعر الزرقاء، والفكر الرصين معا، عن الحوار الذي أجرته معي تلك الصحافية الجزائرية التي ضيّعت مني رياح الغربة اسمها الآن، كان حديثه كثير الودّ، وأحسست بالخجل وهويثني على شعري الذي سمعه في الراديو الفرنسي في ترجمته بالفرنسية التي أنجزها الكاتب والمستعرب والمترجم الفرنسي الراحل جان ديجو الذي التقيته مرارا في بيته بالجزائر وفي جامعة ويستمنستر البريطانية، وتناهى إليّ أنه توفّي بالسكتة القلبية، وهو في عربة الميترو بباريس قبل أن أراه مرة أخرى، وفي الأخير قدم لي الشاعر إيمي سيزير دعوة شفوية لأزور المارتينيك لأشارك في لقاء أدبي حول الشعر والاستعمار، شكرته ووضعت سماعة الهاتف ولم أتمالك نفسي من الفرح حتى وجدت نفسي في جوف الميترو باتجاه مركز لندن، حيث توجد عشرات المكتبات الضخمة‭.‬

في ذلك اليوم اشتريت كل كتب الشاعر إيمي سيزير النثرية والشعرية المترجمة إلى اللغة الإنكليزية، وعدت إلى شقتي بسرعة وقضيت الليل كله أقرأ مرّة قصائده، ومرّة أخرى نص كتابه "خطاب حول الاستعمار"‭.‬ تأملت طويلا قوله المفعم بنقد ازدواجية الحداثة الأوروبية/الغربية، وفشل النزعة الإنسانية التي غرقت في مركزيتها الطاردة للآخر، وهي النزعة التي لخصها الفيلسوف باسكال المتعجرف في كتابه الشهير "خواطر" بقوله إن كل ما هو خارج جبال البرانس هو هراء: "إن الحضارة التي تبرهن أنها لا تستطيع أن تجد الحل للمشاكل التي تخلقها هي حضارة منحطة"، ثم قرأت أيضا: "إن الحضارة التي تستخدم مبادئها للخداع والتضليل هي حضارة بصدد الموت، وفي الواقع فإن ما يدعى بالحضارة الأوروبية "الحضارة الغربية" التي تشكلت خلال قرنين من الحكم البورجوازي، غير قادرة على أن تحل مشكلتين اثنتين صنعهما وجودها: مشكلة البروليتاريا، والمشكلة الاستعمارية، حيث أنها لا تقدر أن تبرر نفسها أمام "محكمة العقل"، أو أمام محكمة "الضمير"، وبذلك فإنها تلجأ بشكل مستمر إلى النفاق…‭.‬"‭.‬

لست أدري لماذا تذكرّت -في تلك اللحظات المترعة بظلام القطب الشمالي، والتي تزاحمت حولها الرياح المصفحة بالصقيع القادم من ثغور بحر الشمال- النكتة الجزائرية التي تروى عن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، تقول تلك النكتة إن الرئيس الشاذلي قد قال في إحدى خطبه الموجّهة إلى الشعب الجزائري بحماس وصوت جهوري ما يلي: "البلد الذي ليس فيه مشاكل لا يستحق أن يُسمّى بلدا، وبلدنا الجزائر ليس فيه مشاكل والحمد لله رب العالمين!..".


شاعر من الجزائر