أوديب‭ ‬ملكاً‭ ‬عربياً‬‬

الجديد  أحمد اسماعيل اسماعيل [نُشر في 19/08/2015، العدد: 1، ص(118)]

سيكون من المستغرب تشبيه الحاكم العربي بالملك أوديب في الأسطورة الإغريقية، بطل مسرحية سوفوكليس "أوديب ملكاً"، المسرحية التي أصبحت نموذجاً يحتذى به في الكتابة المسرحية على مدى قرون من الزمن، إذ لم تؤكد المصادر قتل أي حاكم عربي لوالده وزواجه من أمه، أو هزيمته لكائن مثل الوحش السفينكس الذي انتحر حين حلَ أوديب لغز أحجيته، فقد اعتاد الحكام العرب بُعيد تنصيبهم، أو استيلائهم على الحكم، الإسراع إلى بيت الله الحرام، لا ليقتلوا الشيطان الذي في داخلهم، أو ليتطهروا من خطاياهم، بل ليطهروا قلوب شعوبهم من أي شك أو سوء ظن نحوهم، وليصادروا حرياتهم مسبقاً‭.‬‬

إذا كانت الأساطير الإغريقية تخبرنا أن لا شيء يجعل الآلهة تتنكر للأبطال الذين كانت تناصرهم، وتنقلب عليهم، بل تناصبهم العداء وتوقعهم في المهالك، بعد طول مساندة، إلا عندما يصاب أحدهم بآفة الغرور، تماماً كما حدث لأوديب، وغيره من الأبطال، الذي عاقبته الآلهة بلعنة انتشرت في المدينة رغم إنقاذه إياها من الوحش السفينكس‭.‬ ‬

فإن أساطير هذا الزمن العربي الرديء تعلمنا أن ترافق سقوط اللعنة على بلاد الربيع العربي خاصة كان للسبب نفسه الذي حلَّت اللعنة فيها على أوديب، لأن كثيراً من الحكام العرب، وبُعيد تنصيب أنفسهم ملوكاً جمهوريين، في مفارقة لا حضارية تنتمي لزمن الأساطير، سارعوا إلى قتل آبائهم، رمزياً على الأقل، والزواج من أمهاتهم، في تجل واقعي تجسد بقتل كل من سبقهم من حكام وقادة أمام أبواب التاريخ، وتدنيسهم فراش الوطن وترابه، ولكن دون قتل الوحش، أو الوحوش الجاثمة أمام أبواب بلدانهم، كما فعل أوديب حين قضى على السفينكس، الوحش الذي أحال حياة أهل طيبة إلى جحيم، متذرعاً بأحجية عجز عن حلِّها أهل طيبة حتى جاء أوديب وأجاب عنها، بل على العكس من ذلك كلّه، إذ أن أوديب الملك "عربياً" ما أن استولى على السلطة حتى تحالف مع كل الوحوش التي تحاصر بوابة وطنه، العسكري الإسرائيلي، والاقتصادي الامبريالي وقواعده، والسياسي الرجعي الذي أنجبته أنظمة أوديب الملك "عربياً" من رحم الأقبية والفقر والتهميش والقهر، وأسمت خاتمة هذا العقد "داعش"‭.‬ ‬

لم تكن لعنة أوديب في حقيقتها، أو كما رسم لها كاتبها سوفوكليس مسرحياً، مجرد قدر، رغم هيمنة القدر على أجوائها، والتحكم بمصائر شخصياتها، فقراءة متمعنة لها تدلل على أن ما فعله هذا الملك الأسطوري كان نتيجة فعل شنيع مارسه دون تدبير وتفكير، بدأ بهروبه من المملكة التي نُقل إليها وهو رضيع، دون تبصر وتفهم، ومن ثم اقترافه جريمة شنيعة، بقتله الملك لايوس ملك طيبة، دون احترام لعمر هذا الرجل العجوز، ثم زواجه من الملكة جوكاستا؛ زوجة الملك الذي قتله بعد انتصاره على الوحش ودخوله إلى المدينة، التي حلَّت عليها لعنة مدمرة، سببها، وكما أبلغه العراف تيريسياس في مشهد درامي رائع، إن رجلاً مغروراً ومتهوراً، في هروبه من قدره، وأمام بوابة هذه المدينة قتل والده العجوز الملك لايوس، وهزم الوحش السفينكس وتزوج أمه الملكة جوكاستا، وأصبح ملكاً للمدينة‭.‬

لم تكن لعنة أوديب في حقيقتها، أو كما رسم لها كاتبها سوفوكليس مسرحياً، مجرد قدر، رغم هيمنة القدر على أجوائها

وبالمثل تماماً، إذا كان "للأقدار المعاصرة" من سياسات خارجية وأطماع وعداوات، دورها في حياة رعية أوديب الملك "عربياً"، تتحكم بمصير المنطقة وتسيّرها بأزرار وأوراق نقدية وأياد خفية، فإن ذلك لم يكن له ليفعل فعله ويجلب اللعنة على هذه الشعوب والأوطان لو لم يدنس أوديب الواقعي الملك "عربياً" كل ما هو طاهر وجميل وأصيل‭.‬ بل لولا تواطؤه مع هذا الوحش، ليتسنى له فعل كل ما هو مدنس داخل الوطن، مقابل أن يستمر الوحش الجاثم أمام بوابة الوطن في إلقاء أحاجيه الاقتصادية والسياسية وحتى الثقافية، وصبرت هذه الشعوب كثيراً، ولم تنقلب ضده إلا حين استشرت اللعنة في مفاصل حياتها، وأمست وباء مدمراً، وبدل أن يثور أوديب هذا ويتعهد بالانتقام ممن كان السبب في جلب هذه اللعنة فإنه راح يفتك، وبتهور وعنجهية، بكل من يعلن تذمره، وذلك بقلع أظفار الأطفال في بلد، وتقطيع أوصالهم ووصفهم بالجرذان في بلد آخر، وإبادتهم في بلد ثالث، ودفعهم إلى الهجرة في كل مناطق حكمه في أغلب البلدان‭.‬

وعلى خلاف ما حدث مع تيريسياس، العراف الذي واجه أوديب في الأسطورة الإغريقية بالحقيقة، وعرَّاه، فتركه أوديب الأسطورة بسلام، ليعاقب نفسه بدل معاقبة العراف، بسمل عينيه ونفي نفسه خارج طيبة مدينته، ولأن قول الحقيقة في الأساطير غيرها في الواقع، ورغم تقصير (التريسياسين) العرب من فنانين وأدباء ومفكرين في تعرية أوديب الملك "عربياً"، بالشكل المطلوب، والفعال، فلم يكد "تريسياس" عربي يسلم من غضب ملكه، وذلك بتكسير أصابع من عبّر بالرسم عن اللعنة، وباقتلاع حنجرة من صدح بالغناء ضد التدنيس، وبالسجن والنفي والملاحقة لمن همس أو كتب عما يشير إلى هذه الأفعال‭.‬‬‬‬

ورغم شناعة الفعل الذي يجمع بين "الأوديبين" والذي كان السبب الرئيس في جلب اللعنة لبلدهما: من تهور وعناد وتدنيس؛ فمن الإنصاف الإشارة إلى ما يميز بينهما‭.‬‬

فإذا كانت مصادر الأسطورة ومسرحية سوفوكليس تؤكد أن أوديب شخص نبيل، ومن علية القوم، فإن كل الوقائع تؤكد أن أوديب الملك "عربياً"، مختلف عنه تماماً، أصلاً وخلقاً، ومن هنا كان من الطبيعي أن يسارع أوديب الأسطورة، وبعد أن عَلِم بما أقدم عليه، من تدنيس وإجرام، إلى سمل عينيه ونفي نفسه، فيما سارع أوديب الواقعي؛ الشقي الذي أغتصب السلطة بالتعاون، أو بالتواطؤ مع الوحش الذي يهدد أمن بلاده، إلى الفتك بأبناء شعبه، ملصقاً تهمة العار الذي يجلله بشعبه‭.‬ ‬

لذلك، ومذ أدرك سكان جمهوريات هذا الملك أن أوديب "هم" غير النبيل لن يقدم على ما أقدم عليه أوديب الأسطورة، على سبيل الندم والتكفير، رغم كل ما فعلته اللعنة التي حلت عليهم من ويلات وتدمير وخراب، قرروا أن يفعلوا بأوديب "هم" ما فعله أوديب الأسطورة بنفسه‭.‬‬

ولأن الأسطورة تاريخ أيضاً، قديم وطفولي، ولا تكرر نفسها، فقد قرر الشعب في الجمهوريات الملكية صنع أسطورته الخاصة.


‬كاتب‭ ‬مسرحي‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬تركيا